هو في قلادة نسبهم واسطة، وصاحب أيادٍ بجميل النعم باسطة.
شهرته النزعة الحجازية، ولبس من حسن الحجى زيه.
وله أملٌ يقوم به مع الأيام ويقعد، ويدنو به طورًا وآونةً يبعد.
حتى رسخ رسوخ ثهلان، وكلف بالمعالي كما كلف بميَّة غيَّلان.
فجمع الله به شمل المكارم في قطره، وأحيى به الأرض الموات إذا ضن سحابها بقطره.
إلا أن فيه عجلةً تلزمه الحجة، وشراسةً تضييق عليه المحجة.
فإذا تكرد لا يرجى له صفو، وإن سخط لا ينتظر له عفو.
وأما القراءة فله منها ما تحصل، ولكن له شعر تدرج به إلى الوصف بالأدب وتوصل.
وقد أثبت له ما يروقك رواؤه، ويغينك عن ماء الغدران إرواؤه.
فمنه قوله، من قصيدة يمدح بها البهاء، لما كان قاضيا بحلب، أولها:
ألا منجِدٌ في أرض نجْد من الوجدِ فما عند أهْلِيها سوى لوعةٍ تُجْدِى
وقفتُ بها مستأنسًا بظِبائها كما يأنَسُ الصبُّ المتيَّمُ بالوجدِ
أُسائلُ عمَّن حلَّ بالجِزْع والحمَى وأنشُد عمنَّ جاز بالأجْرَعِ الفَرْدِ
خليليَّ إن الصدرَ ضاق عن الجوَى فلا تعْجبا من طَفْرة النارِ بالزَّنْدِ
ففي الجسم من سُعْدَي جروحٌ من الأسَى وفي القلبِ من أجْفانها كلُّ ما يُعْدِى
بثَغْرٍ يزيدُ الوَقْدَ من خمرِة الَّلمَى وصُدْغٍ يُثير الوجدَ من جَمْرة الخدِّ
تُقرِّب لي بالَّلحْظ ما عَزَّ دَرْكُه وتنْفِر عمدًا كي تُصاد على عَمْدِ
تَلاعَب في عقل الفُحول بطَرْفها مُلاعبةَ الأطْفالِ من غِرَّة المَهْد
رمتْ مهجتي أهدابُها عن تعمُّدٍ نِبالًا فزادتْ من توقُّدِها وَقْدِى
[ ٣٠٤ ]
دنَوْتُ إليها وهْي لم تدْرِ ما الهوى وما علمتْ ما حلَّ بي من هوى نَجْد
فقلتُ أما من رُضابِك رَشْفةٌ مُعَّللةٌ أرْوِي بها غُلةَ الوجدِ
وهل للتَّداني عِلَّةٌ أستمدُّها وأبذُل في إنْجاز وُصْلتِها جُهْدِي
فقالتْ أما يكْفيك وعدي تعِلَّةً لقْلبِك فاقْنَعْ يا أخا الوُدِّ بالوعدِ
ولا تَرْجُ مهما تقصد النفسُ نَيْلَه فإن الرَّزايا في مُتابعِة القصْدِ
ولا تستِمحْ من كلِّ خِدْنٍ وصاحبٍ إخاءً فقد يُفضى الإخاءُ إلى الزهدِ
فما كل إنسانٍ تَراه مُهذَّبًا ولا كلُّ خِلِّ صادق الوعد والعهدِ
ولا كلُّ نجمٍ يُهتدَي بضيائِه ولا كلُّ ماءٍ طيِّب الطعمِ والوِرْدِ
ولا المسكُ في كل المَهاةِ مَحِلُّه ولا ريحُ ماءِ الوردِ من عاصرِ الوردِ
ولا فضلُ مولانا البهاءِ محمدٍ كفضلِ المَوالي السابقين على حَدِّ
قلت: هذه العلاقة النجدية، اقتضت أن تسمى القصيدة بالوجدية.
وله، من قصيدة أخرى، في مدح البهاء أيضًا، مطلعها:
قطبُ السماءِ هو الطريقُ الأقْصدُ دارتْ عليه نجومُه والفَرْقَدُ
والمُشْترِي والزُّهَرَةُ والزهراءُ في أَوْج السُّعودِ هبوطُها والَمصعَدُ
والشمسُ ما شرُفتْ على أقْرانها إلا بنِسْبته إليها العَسْجَدُ
واللهُ لا تحصَى شئونُ كمالِه فالويْل ثَمَّ على الذي لا يشهدُ
ولقد أتيتُ الدهرَ غيرَ مُغادرٍ في حالة منها أقومُ وأقعُدُ
فسألتُه مَن في الحمى فأجابني مُفتِي الأنام أبو البهاءِ محمدِ
قلت: ها هنا فائدة من المستخرجات بالإلهام، وهي أن كثيرًا من الشعراء من يبني روى قصيدته على اسم ممدوحه، ولم يذكروا هذا في البديع، فينبغي أن يسمى ب " التمهيد "، ويذكر.
ومن مستحسناته، قوله في الخمرة ونشأتها:
لا تَرْضَ بالإضرارِ للناسِ إن رُمْتَ أن تنجو من الباسِ
وانظُر إلى الخمرِ وما أوقعتْ في شارِبيها بعد إيناسِ
لما رضَوا في دَوْسِها عُوقبوا بَضرْبةٍ منها على الرَّاسِ
هذا معنى تصرف فيه وبناه على العقاب، وقد استعمله القدماء وأحالوه على جور الشراب.
ولكل مشرب، إما عذب أو مستعذب.
ومن الثاني قول ابن الأثير من فصل في وصف الخمر: وقد عرف منها سنة الجور في أحكامها، ولولا ذلك لما استثأرت من الرءوس بجناية أقدامها.
وهو أخذه من قول القائل:
ذكرتْ حقائدَها الكريمةُ إذ غدتْ وَهْنًا تُداسُ بأرْجل العصَّارِ
لا نتْ لهم حتى انتشَوْا فتحكَّمتْ فيهم فنادتْ فيهمُ بالتَّارِ
وعلى ذكر التار فأعجب لتار الإشبيلي الذي ينطق الأوتار، وهو قوله:
والخمر تعلمُ كيف تأخذُ ثأرَها إني أملتُ إناءَها فأمالنِي
ويعجبني في هذا السياق، قول بعد الأندلسيين الحذاق:
لاتعجَبنَّ لطالبٍ نال العُلَى كهلًا وأخْفَق في الزمانِ الأوَّلِ
كالخمرِ تحكُم في العقُول مُسِنَّةً وتُداس أوَّلَ عَصْرها بالأرجُلِ