الذي استرق النهى، وأشرق بدرًا في فلك الازدها.
الهمام الفذ البذ، من تطرب بذكره الأسماع وتلتذ.
تحلى من الفوائد العلمية بما تحلى، واشتهر اشتهار الصبح إذا تجلى.
وازدانت به الدنيا ازديان العاطل بالحلى، والمشكل بالجلى.
والمفرق بالتاج، والمقدمة بالإنتاج.
وحصل بينه وبين الفضل في الاتحاد التساوي، فأنتج مطلبه من الشكل الأول هذا اللازم المساوي.
وأنا أذكر لك خبره على جليته فاعتمد عليه، ولعلك تلغى مالفقه الشهاب من ذكر حاله ولا تجنح إليه.
وذلك أنه كان بالشام تكون خلقته، وبها بان رشده وأحسبه من حين لفته قابلته في خرقته.
ثم انتقل به أبوه إلى قزوين وهلاله آخذٌ في تدويره، وذهنه في مبادى ملاحظته للدقائق وتصويره.
فاستكمل ثمة فضائل المعجبة، وصير عندها فضائل الأول كالمتحجبة.
ولما طنت حصاته في العراق، وتجاوزت فيه المدائح من الغلو إلى الإغراق.
استدعاه الشاه فصير رئيس العلماء في تخت ملكه، وحلى جيد ممكلته منه بجوهر عقد كل جهابذته شذراتٌ في سلكه.
ثم رغب في الفقر والسياحة، واستهبَّ من مهابِّ القبول رياحه.
فطلع طلوع الشارد، يرد البلاد كالطيف الوارد.
وهو بقتري المسالك، ويقتفر المهالك، ويعاني الممالك.
فحج البيت الحرام، ودخل مصر أم الأهرام.
ثم ورد دمشق فنم عليه فضله كما نم ريح الورد على الورد، ومنه ظهر بحلب الشهباء كما ظهر العلم الفرد.
فلم يمكنه إلا أن شد للعجم نطاق التسيار، ولما وصلها حط بها رحل الاختيار، فصنف وألف، وأبدع حد الإبداع وما تكلف.
وابتسمت به دولة الشاه عباس، وأماطت أقواله فيها حنادس الشبه والالتباس.
مع عزم ينفلق دونه الصخر الأصم، وحلم يقصر عنه الطود الأشم.
ورأيٍ عليه المعول، وفكرٍ هو المعقول الأول.
وهناك ما شئت من رفة الألفاظ، ولطافة معانٍ تتعلم منها السحر غمزاتٌ وألحاظ.
وتفنن في العبارات يتحير له اللاحظ، وغرائب آدابٍ تكلُّ في استخراج دقائقها عيون الجاحظ.
إذا طلعت أغصان أقلامه في رياض أدبه الجنية الغروس، سجدت لها الأقلام سجدة الشكر في محاريب الطروس.
فأقلام إفادته لا تنسب بإعياءٍ قط، وصحائف مجده لم تشن من حسودٍ بنقط.
وهو في اللسانين فارسٌ بطل، فالعربي من بعده تعجم والفارسي بطل.
وله من عقائل اللسانين كل فاتنة الطرف، استوفت في مدى البلاغة اللطف والظرف.
فمن بدائعه قوله:
[ ٢٢٥ ]
وأهْيفِ القّدِّ لَدنِ العِطْفِ معتدلٍ بالطَّرْف والظَّرْف لا ينفكُّ قَتَّالَا
إن جال أهْدى لنا الآجالَ ناظِرُهُ أو صال قطَّع بالهِجْران أوْصالَا
وإن نظرتُ إلى مرآة وَجْنتِه حسبتُ إنسانَ عيني فوقها خَالَا
كأن عارِضَه بالمِسك عارَضنِي أو ليلَ طُرَّتِه في خَدِّه سالَا
أو طاف من نورِ خَدَّيْه على بصَرِى فخَطَّ بالليلِ فوق الصبح أشْكالَا
وكتب إلى والده وهو بالهراة، في سنة تسع وسبعين وتسعمائة:
يا ساكني أرضَ الهَراةِ أما كفَى هذا الفِراقُ بلَى وحقِّ المصطَفى
عودُوا عليَّ فرَبْعُ صبرِي قد عفَا والجَفْن من بعد التَّباعُد ماغفَا
وخيالكم في بالِي والقلبُ في بَلْبالِ
إن أقبلتْ من نحْوِكم ريحُ الصَّبا قلنا لها أهلًا وسهلًا مَرحبَا
وإليكمُ قْلب المتيَّم قد صَبا وفِراقكم للروح منه قد سبَا
والقلبُ ليس بخالِي من حبِّ ذات الخالِ
يا حَّبذَا رَبْعُ الحِمَى من مَرْبَعِ فغزالُه شَبَّ الغَضا في أضُلعِي
لم أنْسَه يوم الفراقِ مُودِّعي بمَدامعٍ تجرى وقلبٍ مُوجَع
والصبُّ ليس بِسالِ عن ثَغْرِه السَّلْسالِ
وله، وهي من غرره:
خِّلياني ولَوْعتي وغرامي يا خليليَّ واذْهبا بسَلامِ
قد دعاه الهوى فلبَّاه قلبي فدَعاني ولا تُطِيلا مَلامِي
إن مَن ذاقَ نَشْوَة الحبِّ يومًا لا يُبالي بكثْرة الُّلوَّامِ
خامَرتْ خمرةُ المحَّبة قلبي وجرَت في مفاصِلي وعظامِي
فعلى العلمِ والوقار صلاةٌ وعلى العقل ألفُ ألفِ سلامِ
هل سبيلٌ إلى وقوفي بوادي الْ جِزْعِ يا صاحبيَّ أو إلْمامِي
أيها السائرُ المُلِحُّ إذ ما جئتَ نَجْدًا فعُجْ بوادي الخُزامِ
وتجاوَزْ عن ذِي المَجازِ وعرِّج عادِلًا عن يمين ذاك المَقامِ
وإذا ما بلغتَ حُزْوَى فبلِّغْ جِيرةَ الحَيِّ يا أُخَيَّ سلامِي
وانْشُدَنْ قلبيَ المُعَنَّى لديهمْ فلقد ضاع بين تلك الخيامِ
وإذا ما رَثَوْا لحالِي فسَلْهمْ أن يمُنُّوا ولو بطيْفِ مَنامِ
يا نُزولًا بذِي الأراكِ إلى كمْ تنْقضي في فِراقكمْ أعوامِي
ما سرَتْ نَسْمةٌ ولا ناح في الدَّوْ حِ حَمامٌ إلا وحان حِمامِي
أين أيامنا بشَرْقِّي نَجْدٍ يارعاها الإلهُ من أيامِ
حيثُ غُصْن الشبابِ غضٌّ ورَوضُ ال عَيشِ قد طرَّزتْه أيدِي الغَمامِ
وزَماني مُساعدٌ وأيادِي الْ لَهْوِ نحو المُنى تجرُّ زِمامِي
أيها المُرتقِى ذُرَا المجد فردًا والمُرجَّى للْفادحاتِ العِظامِ
يا حليفَ النَّدى الذي جُمِّعت في هِ مَزايا تفرَّقتْ في الأنامِ
نِلْتَ في ذِوْرِة الفَخارِ مَحَلًاّ عَسِرَ المُرتقَى عزيزَ المَرامِ
نسَبٌ طاهرٌ ومجدٌ أثِيلٌ وفَخارٌ عالٍ وفضلٌ سامِي
قد قَرَنَّا مَقالكم بمقالٍ وشفَعْنا كلامَكم بكَلامِ
ونظَمْنا لها مع الدُّرِّ في سِمْ طٍ وقُلنا العبيرُ مثلُ الرَّغامِ
لم أكُنْ مُقْدِمًا على ذا ولكنْ كان طَوْعًا لأمْرِكم إقْدامِي
عَمْرَك اللهُ يا ندِيمَي أنْشِدْ جارَتا كيف تُحسنين مَلامِي
وله:
أسحرُ بابِلَ في جَفْنْيكِ أم سَقَمِى أم السيوفُ لقْتل العُرْب والعجمِ
[ ٢٢٦ ]
والخالُ مَركَزُ دَوْرٍ للِعذار بدا أم ذاك نَضْحُ عِثارِ الخَطِّ بالقلَمِ
أم حَّبةٌ وُضِعَتْ كيمْا تصيدَ بها حَبَّ القلوبِ فصادتْ كلَّ مُلتِئمِ
أم الفَراشُ هوَى طيرُ الفؤادِ على نارٍ بخَدِّك حتى صار كالفحمِ
قوله: والخال، البيت، من قول الرَّاميني الإستراباذيّ:
هل نضَحتْ أقلامُ خَطِّ العِذارْ في مَشْقِها فالخالُ نَضْحُ العِثارْ
أم اسْتدارَ الخدُّ لمَّا غَدَتْ نُقطُته مَركزَ ذاكَ المَدارْ
قوله: أم حبة، هذا كثير، وقد تقدم في ترجمة السَّفرجلانيّ.
وقوله: أم الفراش، هذا من قول عون الدين العجمي، وفيه زيادة:
لهيبُ الخدِّ حين بدا لعْيني هوَى قلبي عليه كالفَراشِ
فأحْرقه فصار عليه خالًا وها أثُر الدُّخان على الحَواشِي
وله يرثى والده، وقد توفي بالمصلى من قرى البحرين، لثمان خلون من شهر ربيع الأول، سنة أربع وثمانين وتسعمائة، عن ست وستين سنة وشهرين وسبعة أيام:
قفْ بالطُّلولِ وسَلْها أين سَلْماهَا ورَوِّ مِن جُرَع الأجْفان جَرْعاهَا
وردِّد الطَّرف في أطرافِ ساحتِها وأرِّجِ الوصلَ من أرْواحِ أرْجاهَا
فإن يَفُتْك من الأطْلالِ مَخْبرُها فلا يفوتَنْكَ مَرْآها ورَيَّاها
رُبوعُ فضلٍ يُضاهِي التِّبْرَ تُربتُها ودارُ أُنْسٍ يُحاكي الدُّرَّ حَصْباهَا
عدا على جِيرةٍ حَلُّوا بسَاحتِها صَرْفُ الزمانِ فأبْلاهم وأبْلاهَا
بدورُتِمٍّ غمامُ الموتِ جَلَّلها شموسُ فضلٍ سحابُ التُّرْبِ غَشَّاهَا
فالمجدُ يبكي عليها جازِعًا أسِفًا والدِّين يْندُبها والفضلُ ينْعاهَا
يا حَبَّذا أزْمُنٌ في ظلِّهم سلَفتْ ما كان أقصرَها عُمْرًا وأحْلاهَا
أوقاتُ أُنْسٍ قضيْناها فما ذُكِرتْ إلا وقطَّع قلبَ الصَّبِّ ذِكْراهَا
باجِيرةً هجَروا واستوْطنُوا هَجَرًا واهًا لقلبِ المُعنَّى بعدكم وَاهَا
رَعْيًا لِلَيْلاتِ وَصْلٍ بالحِمَى سلَفتْ سَقْيًا لأيَّامنا بالخَيْفِ سُقياهَا
لفَقْدكم شُقَّ جَيْبُ المجدِ وانْصدعتْ أركانُه وبكم ما كان أقْواهَا
وخَرَّ من شامخاتِ العلم أرْفعُها وانْهَدَّ من باذِخاتِ الفضلِ أرْساهَا
يا ثاويًا بالمُصَلَّى من قُرى هَجَرٍ كُسِيتَ من حُلَلِ الرِّضْوان أضْفاهَا
أقْمتَ يا بحرُ بالبحريْن فاجتمعتْ ثلاثةٌ كُنَّ أمثالًا وأشْباهَا
ثلاثةٌ أنت أنْدها وأغزرُها جُودًا وأعذبُها طعمًا وأضْفاهَا
حَويْتَ من دُرَرِ العلْياءِ ما حَوَيا لكنَّ دُرَّك أعْلاها وأغْلاهَا
يا أعْظُما وَطِئتْ هامَ السُّها شرَفًا سَقاكِ من دِيَمِ الوَسْمِىّ أسْماهَا
ويا ضريحًا علَا فوق السِّماكِ عُلًا عليْك من صلَواتِ الله أزْكاهَا
فيك انْطَوى من شموسِ الفضلِ أضْوَءُها ومن مَعالمِ دينِ الله أسْناهَا
ومِن شوامِخِ أطْوادِ الفتوَّةِ أرْ ساها وأرفعُها قدرًا وأبْهاهَا
فاسْحَبْ على الفَلَكِ الأعْلى ذيولَ عُلًا فقد حوَيْتَ من العَلْياءِ عَلْياهَا
عليك مِنّا صلاةُ اللهِ ما صدَحتْ على غصونِ أرَاكِ الدَّوْحِ وَرْقاهَا
ومن مقطعاته قوله:
لعينيْك فضلٌ كثيرٌ علىَّ وذاك لأنِّيَ يا قاتليِ
تعلَّمتُ من سحرِها فعقدتُ لسان الرَّقيبِ مع العاذلِ
وكتب من قزوين إلى والده، وهو بالهراة:
بقَزْويَن جسمِي وروحي ثوَتْ بأرضِ الهَراةِ وسُكانِهَا
[ ٢٢٧ ]
فهذا تغرَّب عن أهْلِه وتلك أقامتْ بأوْطانِهَا
وله:
إن هذا الموتَ يكرَهُه كلُّ من يمشِي على الغَبْرَا
وبعْين العقل لو نظروا لرأَوْه الراحةَ الكبرَى
اقتفى في هذا أثر ابن الرومي، في مدح الموت، حيث قال:
قد قلتُ إذ مدحوا الحياةَ وأسْرفوا في الموت ألفُ فضيلةٍ لا تعرَفُ
منها أمانُ لِقائِه بلقائِه وفِراقُ كلِّ مُعاندٍ لا ينْصِفُ
ومن رباعياته، ما كتبه لبعض أحبابه، وهو في المشهد الأقدس الرضوي:
يا رِيحُ إذا أتَيْت أرضَ الجمْعِ أعنِي طُوسًا فقُل لأهلِ الرَّبْع
ما حَلَّ برَوْضةٍ بهائِيُّكمُ إلَّا وسقَى رياضَها بالدَّمْعِ
وكتب إلى بعض أحبابه بالنجف الأشرف:
يا رِيحُ إذا أتيتَ أرضَ النَّجَفِ فالْثمِ عَنِّي تُرابَها ثم قِفِ
واذْكُر خبَرِي لدى عُريب نزلوا وادِيَه وقُصَّ قصَّتي وانْصرفِ
وله:
يا عاذلُ كم تطيلُ في إتْعابي دَعْ لَوْمَك وانصرفْ كفانِي ما بِي
لا لَوْمَ إذا هِمْتُ من الشوقِ على قلبٍ ما ذاق فُرقةَ الأحْبابِ
وله:
يا بدرَ دُجىً بوَصْلِه أحْيانِي إذْ زار وكمْ بهجْره أفْنانِي
باللهِ عليك عِّجَلنْ سفْكَ دمى لا طاقة لي بليْلِة الهجرانِ