الورد الروي، والنهج السوي.
خلقه الله للفضل أهلًا، وأشرق به العدى طفلًا وكهلًا.
فترشح للعلى، وتوشح بتلك الحلا.
وما انفصل عن طله الوبل، وكما تعرفه البراعة من بعد تعرفه من قبل.
بحر علم لا يدرك غوره، وفلك فضل على قطب الرجاء دوره.
ولم يقنع بالمجاز عن الحقيقة، حتى تبوأ البحبوحة من تلك الحديقة.
ولديه من المعلومات ما يشق على القلم حشره، ويتعسر على الكلم نشره.
وتآليفه تكاثر السحب المواطر، حشوها فوائد عقلة الأفكار وقيد الخواطر.
وله أشعار أغلبها في الزهد، إلا أنهافي الحلاوة بمثابة الشهد.
وهو ممن نحوت إلى كعبته، ورميت نشاب البراعة من جعبته.
ومضى لي في صحبته حين، لم أنشف به إلا شمامات ورياحين.
[ ١٨٨ ]
أسارع إليه مسارعة موفٍ لا مقرض، وأتعرض إلى خدمته تعرض مقبل لا معرض.
فأستجلى أحاسن المحاسن، وتنقاد لي بدائعه ذلل المراسن.
وقد انقبض حينًا عن الناس، وعد الوحشة من الإيناس.
وانعكف على دواوينه، وكلف بالعلم وأفانينه.
ثم نبه جفنه بعض انتباهة، فطار في أفق الشام بين نزاهة ونباهة.
وسافر ذكره للركبان زادا، كما أقام فضله للوارد عتادا.
وقد ورد القاهرة وأنابها أماطل الشوق وهو غريم، وأطلب فيض الدمع وهو كريم.
فتألفت معه في مجلس الأستاذ زين العابدين لا زالت مطارح أعماله سعيدة، ومطامح آماله قريبة والأكدار عنها بعيدة.
كما تألف الأرى مع القند، ونيطت الكف إلى الزند.
ورويت غلل الشوق من تلك الراح، بما لم يكن في قدره الماء القراح.
وكتبت إليه لما دخل القاهرة:
أهلًا بمولىً للثناءِ أهلُ يَفْدِيه منى القومُ والأهلُ
من جَلَّ عن مَثَلٍ ومَن مِثْلُه هيهات أن يُلْفَى له مِثْلُ
فضلُ البرايا فيه مُسْتجْمِعٌ فكلُّه إن تختبرْ فضلُ
إن ذكرتْ آياتِه فتيةٌ راح فَمُ الدهرِ لها يتْلُو
كم طال شوقي وغرامي له والدهرُ من عاداته المَطْلُ
حتى قضى اللهُ لنا باللِّقا فتمَّ لي من قُرْبِه السُّؤْلُ
وكان لي في فضلِ عِرْفانِه عن كل شغلٍ في الورى شُغْلُ
مولاي الذي سار في بروج الفضل مسير الشمس، وقامت فضائله في جسم العالم مقام الحواس الخمس.
لازال في السكون والحركة، موافق اليمن والبركة.
يفرح به كل فطر ينازله، كأنه البدر والدنيا منازله.
ومن شايعه مسعودٌ يومه وغده، وله من العيش أهناه وأرغده.
كتبت هذه الخدمة ولي قلبٌ على شوقك يتقلب، وكما عهدته انقلب إلى غيرك ولو يكون له ألف لولب.
كيف وأنا شعبةٌ من دوحتك، وغصنٌ من سرحتك.
بل نبتٌ سقته أياديك، وزهرٌ تفتح بما أفاضته غواديك.
وكنت قبل أن يسود الدهر منشود عذارى، ويكلفني وقد رأى كلالي إلى بسط أعذاري.
ومشرب العيش لم يخش غصة لومٍ يشرق بها من مسمع الصب ناهله، ومورد الأنس قد صفا عذبه ولكن تكدر من خوف الوشاة مناهله.
وشرف الشام بك شرف الجثمان بالروح، وانتعاشها بأنفاسك انتعاش الغصن بالنسيم المروح.
أستغنى بطرفك عن الثلاث المذهبات، وأستكفى بتحائفك التي علقتها بأذن سمعي عن السبع المذهبات.
إلى ما تناولته من دقائق حقائق، يحمر لها خجلًا في روض مذهب النعمان الشقائق.
وقد ربطت بك جملتي فما أعد سواك وكيف لا، وإني ما أتيت إلا فريضة وآتى جميع الناس إلا تنفلا.
ونظمت من مدحك في جيد الدهر قلائد، يقول البحر من أين أخذ مثل هذه الفوائد.
وكنت أتمنى أساهمك العمر وأشاطرك، على شرط ألا أتصور ما ينفر خاطرك.
فأبى الدهر إلا تشتيتي عنك في البلاد، ولولا هنيئة لقائك لقلت جرعني صاب الفرقة من ساعة الميلاد.
لكني أحمد الله تعالى على أن تداركني مدة غيبتك، بحضور معنىً من شخصك يسليني في الجملة عن رؤيتك.
ثم أردف ذلك ولو بعد تراخٍ في المدة، باجتماع كان النعمة الغير المترقبة والفرج بعد الشدة.
حيث يحمد المغدى والمراح، ولو اقترح على الزمان مطلبٌ كان هو الاقتراح.
فأمتعني الله فيه بمقدمك، وأسعدني بأغلى موطئ قدمك.
فسقيا لوقتٍ جمع بيننا، ورعيا لدهرٍ أزاح بيننا.
ولله بلدٌ موطن منى، وطلاعة أقمار سنا.
ومترنح نعيمٍ وحظٍ، ومتمتع قلب ولحظ.
وأحسبها الآن نافست بفضل الكمال، وكمال الفضل، وستصدر بالأماني والآمال، موفاة بالثناء الجزل، والقول الفصل.
ولها عندي على هذا الجميل ثناء الروض على الغمام، والزهر على الأكمام، والساري على القمر التمام.
ولئِن نَسِيتُ جميلَ مصرٍ بعدها طولَ الزمان فلا بلغتُ الشَّامَا
ثم فارق مصر موفر الآمال، ودخل الحجاز مختومًا له بصالح الأعمال.
فالله ﷾ يقرن التوفيق بسكونه وحركته، وينهضنا إلى ما عرفناه من يمنه وبركته.
وقد اخترت من شعره الرائع التطريز، ونثره الخالص الإبريز.
ما يروق كما راقت ناجمة الحباب، ويشوق كما تشوق أحاديث الأحباب.
فمن قوله في الغزل:
[ ١٨٩ ]
دَبَّ العِذارُ بخَدِّه فتضرَّجا رَشاٌ أبان على الشقِيق بَنَفْسجَا
وأمالَه سكرُ الدلالِ فعرْبَدتْ لَحظاتُه هيْهات ما أحدٌ نَجَا
رَخْصُ البنانِ أغَنُّ أوْطفُ أحْورٌ كالبدر أبْهى من رأيتُ وأبْهجَا
لم يكْفِه دَعَجُ العيون مَلاحةً حتى تشَرْبَشَ بالبَها وتتوَّجَا
وتفضَّضتْ وجَناتُه وتذهَّبتْ والحسنُ دَمَّج سالِفيْه ودبَّجَا
يختالُ كالغصنِ الرَّطِيب بمَعطِفٍ لَدْنٍ أرانا السَّمْهَرِيّ مُعوَّجاَ
ويظَلُّ يكسِر مُقْلتيْه تدلُّلًا أين النجاةُ لعاشقٍ أين النَّجَا
ومُعَرْبدِ اللَّحظاتِ حُسْنَه فتقيَّدتْ بشُهوده مُقَلُ الرَّجَا
صَلْتُ الجبين بَدَا كبدرٍ زاهرٍ يا صاحبَيّ قِفا هنا وتفرَّجاَ
قد ذاب قلبي في هواه صَبابةً وبحُسْنه لكَمِينِ شوقى هَيَّجَا
وفنَى اصْطبارِي في الهوى وتجلُّدِى والدمُع أمْطر في الجفون وأثْلَجَا
يا أيها القمرُ الذي القمرُ الذي من صُدْغِه مَن صُدغُه ليلٌ سجَا
حتَّى مَ يلْحاني عليك سَفاهةً مَن ليس يَدرِى ما الهوى وَتبَهْرجَا
جُدْ الوِصال فإنَّ لي بك مَدْخَلًا لم يُبْقِ لي عن حُسْنِ وجهك مَخْرَجَا
مَن لي بمن فضَح البدورَ مَلاحةً وبطَرْفِه فتن الغزالَ الأدْعَجَا
فاضتْ مياهُ الحسْن في أعطافِه والجسمُ أزْبَد فوق رِدْفٍ مَوَّجَا
وقوله:
يا قَدَّه ما أرْشقَكْ يا خَدَّه ما أشْرقَكْ
وأنتَ يا ناظرهَ جلَّ الذي قد خلقَكْ
تُرسل نحوي أسْهُمًا هل كان قلبي دَرَقكْ
يا أيها العاذلُ في هواه ماذا أطْرَقكْ
أفْحَشْتَ في لَوْمِك لي أكْثرتَ فينا حَنَقَكْ
تحُوم حول حُسْنِه ما تخْتشِى أن يحرقَكْ
بالّله قِفْ يا أمَليِ إنَّ فؤادي علِقَكْ
ومِلْ أيا مَعطِفَه سبحان من قد مَشَقَكْ
لكَم أُنادِي الدمعَ يا دمعِي أقفْ مُغْرَوْرَقَكْ
وأُنْذِرُ القلبَ الهوى يا قلبُ هذا سرقَكْ
صَبْرِي قضَى وما قضَى منك المُنَى مَن عشِقَكْ
دعْ عنك ذا الهجرَ وجُدْ بحقِّ مَن قد خلقَكْ
وقوله:
يا قمرًا يُزْرِى بشمس الفلَكْ كلُّ جمالٍ وبَهاء فلَكْ
ملكْتَ قلبي فترفَّقْ به ما أنت في حسنِك إلا مَلَكْ
الّلهَ اللهَ بنا يا رَشَا فإن قلبي في الهوى قد سلَكْ
أرسلْتَ لي طَيْفَك تحت الدُّجَى يا طَيْفُ حيَّي الّلهُ مَن أرْسلَكْ
مَولايَ ما ذنْبي إليك اتَّئِدْ في قْتلتي مِقْدار أن أسألَكْ
إن كنت لي أضمرتَ غَدْرًا بلا ذنبٍ وحقِّ الله ما حلَّ لَكُ
أعطِفْ علينا وترفَّقْ بنا وافعلْ جميلًا بالذي جَّمَلكْ
قد ذُبْتَ يا قلبي عليه جَوًى وَيْحك يا قلبُ أما قلتُ لَكْ
وأنت يا ناظر عَيْني اتَّئِدْ إيَّاك أن تهْلِك فيمَن هلَكْ
ومن نتفه قوله:
وروضٍ بَدا فيه الشقيقُ مقَهْقِهًا يُشاكلُه خدُّ الحبيب المُورَّدُ
فقل له المعشوقُ يوما وقد سرَتْ عليه الصَّبا حتَّى غدا يتَبَغْدَدُ
سرقْتَ خُدودِي ثم زَوَّرْتَ شامَتِي وما ذاك إلا أن قَلْبَك أسْوَدُ
وقوله في بركة ماء:
وبركةٍ تذْهَل العقولُ بها تَحارُ في بعض وصْفِها الفِكَرُ
[ ١٩٠ ]
كأنها مُقْلةٌ مُحدِّقةٌ عَبْرَي من الوجد نالَها السهرُ
تبكي وما فارقتْ لها وطنًا يومًا ولا فات أهْلَها وطَرُ
يا حُسْن أُنْبُوبها لِصحّنِه والماءُ يعلو به وينُحدرُ
كصَوْلَجانٍ من فضةٍ سُبِكتْ فواقعُ الماء تحتها أُكَرُ
والبيتان الأخيران مضمنان.
ووقع لابن ظافر، أنه دخل في أصحاب له يعودون صاحبًا لهم، وبين يديه بركةٌ رق ماؤها، وصحت سماؤها.
وقد رص تحت دساتير نارنج فضح الحضار، وملأ بالمحاسن عيون النظار، فكأنما رفعت صوالج فضة على كراتٍ من النضار.
فأشار الحاضرون إلى وصفها، فقال:
أبْدعْتَ يا ابنَ هلال في فَسْقِيَّةٍ جاءتْ محاسنُها بما لم يُعْهَدِ
عجبًا لأمْواهِ الدَّساتيِر التي فاضتْ على نارَنْجَها المتوقِّدِ
فكأنَّهنَّ صوالجٌ من فضةٍ رُفعتْ لضَرْبِ كراةِ خالصِ عَسْجَدِ
وله:
كتب الجمالُ بطِرْسِ وَجْنتِه لنا سطرًا به مُحِيَ الجمالُ المشرِقُ
فكأنما ذا أمْرُ سلطانِ البَهَا وَافَى لَمن يهْوَى ومن هو يعشقُ
تَقْرَا العيونُ على القلوبِ رسُومَه ياقومَنا خرَج الوِطاقُ تفرَّقُوا
وله:
وصديقةٍ وافَيْتُها مُتنزِّها ورءُوس نَرْجِسِها طوارِقُ حُرَّكُ
والأقْحُوانُ يظلُّ يركع بالصبَّا فكأنما هو عابدٌ متنسِّكُ
فجلستُ بينهما كأني سُخْرةٌ هذاك يْغمِز وذا هذا يضحكُ
ومن مقطعاته قوله:
خاطبتُ مَعْسول الرُّضابِ وقلت هل من رَشْفةٍ تشفِى الحشَا بشفائِها
فأجابَنِي والثغرُ منه باسمٌ ما كلُّ بارِقَةٍ تجودُ بمائِها
ومن رباعياته قوله:
خُذْ حِذْرَك من عيونه يا قلبُ لَمَّا يَرْنُو فإن هذا حَرْبُ
والعشقُ على النفوسِ سهلٌ صعبُ لا يعرف كيف الحالُ إلا الرَّبُّ
وله:
لا تحسَبُوا شامةً في خدِّه طُبِعتْ هاتيك حَبَّةُ قلبٍ زادَه حُبًَّا
فدَبَّ ينْقُلها نملُ العذارِ له والنملُ من شأنِه أن ينْقُل الحَبَّا
أخذه من قول بعضهم:
عوارضُه تسْبى العقولَ بحُسْنِها وتنقُل حبَّاتِ القلوب نمِالُها
وأنشدني السيد سليمان الحموي، من لفظه لنفسه في هذا المعنى، وقد أحسن:
وأَغْيَدٍ أفْرط في تِيهِهِ حتى رأينا منه شيئًا عُجابْ
فأطْلَع اللهُ له عارِضًا أمْطر خدَّيْه ألِيمَ العذابْ
كأنْملٍ في التشْبيِه لكنه نملٌ بدا ينُقل حبَّ الشبابْ
وله:
يا قلبُ صَبْرًا في هوَى من لم تَرُعْه صَبْوُتكْ
وأنت يا ناظرَه إنْ هي إلَّا فِتْنَتُكْ
وله:
وذي خَدٍّ تعلَّق فيه قلبي فأحرق خدُّه قلبي بنارِ
وخافَ على الجمال يفِرُّ منه فقيَّده بسِلْسِلة العِذارِ
أحسن منه قول ابن سعيد الغرناطي، في الخال:
كأن خالًا لاح في خدِّه للعين في سِلْسِلةٍ من عِذَارْ
أُسَيْوِرٌ يخْدِم في جَنَّةٍ قَيَّده مولاه خوفَ الفِرارْ
ومن قوله: وخاف على الجمال إلخ، تذكرت قول أحمد بن شاهين، في مناقضته:
مذ نبَت العارضُ في خدِّه بُدِّلت الحمرةُ بالاصْفرارْ
كأنما العارضُ لمَّا بدا قد صار للحسنِ جَناحًا فطارْ
وبلغه أنه عيب عليه استعمال التكرار في شعره، فقال:
أعِيبَ تَكْرارُ لفظِ نظْمى والنظمُ من ذاك ما تضّرَّرْ
وأطْربُ النَّغْمِة المَثانِي وأحسنُ السُّكَّر المُكرَّرْ
وله:
قد أبحْتُ الخدودَ منه ودادِي فَرَمتْني الخدودُ في نارِ يَاسِي
وبَقِى ذلك العذارُ حَماه اللَّ هُ حتى انتصفتُ من وَسْواسِي
[ ١٩١ ]
صدق الناسُ ليس للوردِ وُدٌّ إنما الوُدُّ كلُّه لْلآسِ
نسبته عدم الود بسبب قلة مكثه، ونسبة الود للآس بسبب دوام لبثه.
وهذا مستعمل في الأشعار كثيرًا، كقول ابن زيدون:
لا يكُنْ وُدُّكَ وَرْدًا إنَّ وُدِّي لك آسُ
وله:
شبَّهْتُه بالغُصْنِ بين الرُّبَى ووجهه بالزَّهْرِ مُنْفضَّا
فأصبح الغصنُ له مُطْرِقًا والزهرُ من فَرْطِ الحيَا غَضَّا
ولو في زهر البلسان:
وأشجارِ بَلَسانٍ بها لعب الصَّبا فبهْجَتُها بين الحدائِق مُفْرِطَهْ
كأن بياض الزَّهر فوق غُصونِها كُفوفُ لُجَيْنٍ بالنُّضارِ مُنقَّطهْ
وله:
لمَّا تكاملَ حسنُه وجمالُه وزهَى كغصنٍ بالدَّلالِ رشيقِ
نزل العذارُ على الخدود كأنه طَلُّ الزَّبَرْجَدِ في رياضِ عَقِيقِ
وله:
شكا لي نسِيمُ الروضِ ضَعْفًا أجَبْتُه وقلبي بأثْقالِ الغرامِ كلِيلُ
أعَلَّك غصنٌ عَلنَّي صَدُّ مثْلِه إذًا فكِلانَا يا نسيمُ عَلِيلُ
وله مضمنا:
أدار علينا الكأسَ ظَبْيٌ مُهَفْهَفٌ قطعْنا الدُّجى وَصْلًا به نتنعَّمُ
وغنَّى عن النَّايِ الرّخِيمِ مُشبِّبًا فنحن سكوتٌ والهوى يتكلَّمُ
مثله للشهاب الخفاجي:
لنا مجلسٌ فيه من اللهوِ مُطْربٌ وآدَابُنا ما بينه تترنَّمُ
ونايٌ يُناجِينا بأسْرارِ ربِّنا ونحن سكوتٌ والهوى يتكلمُ
وله في أرمد:
يا قومِ لا تحسَبوا في عينِه رمدًا لقَد ألمَّ بنا من قولكمْ ألَمُ
ماذا سوى أنه مذ رام يْقُتلني رَنَا إلىَّ فأغْضى والسيوفُ دَمُ
مثله للصلاح الصفدي:
أيْقظْتُه من كَراه بعد ما رمَدت عيْناه لا مَسَّها من بعدها ألَمُ
قد زُرْتُه وسيوفُ الهند مُغْمدةٌ وقد نظرتُ إليه والسيوفُ دَمُ
وله، في مليح اسمه عثمان، وفي يده شمعة:
بأَبِي مليحٌ لاح يحملُ شمعةٌ في كفِّه ليلًا فَراقَ لعيْنِي
لمَّا بدا وأضاءَ نورُ جمالِه قلت انْظروا عثمانَ ذا النُّورَيْنِ
ولابن المعتز في مثله، بيده شمعتان:
وافَى إلىَّ بشْمعتْين ووجهُه بضِيائِه يزْهُو على القمريْنِ
نادَيْتُه ما الإِسمُ يا كلَّ المُنَى فأجابَنِي: عثمان ذو النورَيْنِ
وكان السيد عبد الرحمن بن النقيب أطلعه على دعابة لبعض الأندلسيِّين، فعمل على أسلوبها مقامةً وهى هذه:
وأنا الذي أهْدَى أقلَّ بَهارِهِ حُسْنًا لأحسنِ روضةٍ مِئْنافِ
إن أحْلَى ما تمزَج به كؤوسَ المودَّة، وأعْطَر ما تستْنِشقه مَشامُّ الخواطر المستعِدَّة.
خبرٌ له الطَّربُ مُبتدا، وحديث ترويه عن القريحة مُسْنَدا.
وذلك حين اسْتُفزَّت هوامِدُ السرور، وتغنَّى في دَوْحة الأنس كلُّ بُلبل وشُحْرور.
وتنبَّهتْ ذات الجناِح بسُحْرةٍ في الوادييْن فنبَّهتْ أشواقِي
وأنا الذي أُمْلِي الهوَى من خاطرِي وهي التي تُمْلِى من الأوراقِ
حتى خرجت أسوق مطايا الأسى، لأبيع كافورة الصبح وأشترى عنبر المسا.
والصبحُ قد أهْدَى لنا كافورَهُ لمَّا اسْتردَّ الليلُ منَّا العنْبَرَا
قاصدًا ادِّراعَ حلل اللهو، إلى حومة الطرب والزهو.
ومتحرشًا بأذيال البكور والأصائل، ومعتبرًا بقول القائل:
باكِرْ إلى اللذاتِ واركبْ لها سوابقَ اللهوِ ذوات المراحْ
من قبل أن ترْشِفَ شمسُ الضُّحَى ريِقَ الغَوَادي من ثُغور الأقاح
فبينما أنا كذلك وإذا بشقِيق شفِيق، ورفيقٍ هو بي في سائر الأمور رفيق.
فأقبل على إقبال الكرام، وقد لمعت بالبشر صفحات وجهه بعد أن حيا بالسلام.
تشربُه الرَّاح وهو يشربُها يطربُ من حسنِ وجهِه الطَّربُ
[ ١٩٢ ]
فسألتُه في المُسايرة والمُنادمة وحَثَثْتُه على المسامرة والمكالمة.
فأسفر وجهه عن شموس الفرح، ونال ابتهالا وابتهاجًا بنسمات المسرة والمرح.
وقال: مرحبا بقولك المسوع، ورأيك الذي اتفقت عليه الجموع.
لِدَواعِي الهوى وحكمِ الخلاعَةْ ألفْ سمعٍ لا للوقارِ وطاعَهْ
فسرنا حتى أتينا منتزها رحب الأكناف، متناسق النعوت والأوصاف.
نسيِمُه يعثر في ذَيْلِه وزهرُه يضحكُ في كُمِّهِ
فوجدناه ذا ظل ظليل، وماءٍ أعذب من السلسبيل.
أشجاره ثابتة، وأغصانه نابتة.
نَهْرُه مسرعٌ جرى وتمشَّتْ في رُباهُ الصَّبا قليلًا قليلاَ
تصدح حمائمه وتسرح نسائمه، وتنفح كمائمه.
ولي من الوُرْق في أوْراِقها طَرَبٌ كأنَّهن على العِيدانِ قَيْناتُ
فصعدنا منه إلى قصر مشيد، متزخرف الجوانب بألوان الأطلية وأنواع الشيد.
فيه الغرف الرفيعة ذات التزيين، والمقاصير المصنوعة لقاصرات الطرف عين.
وإيوان يقول لمن يراه على قَدْرِي وفوق الكُلِّ أُشْرِفْ
ألم ترَ أن طيرَ العِزِّ أضحى يحُوم بساحَتِي وعلىَّ رَفْرَفْ
وقد طلت شبابيكه على تلك الأرجاء المونقة، والجداول المتدفقة.
وأرضه مفروشة بأفخر الوشى والديباج، وقد أطلقت فيه مباخر الطيب فزاد في الابتهاج.
حوَى عجبًا لم يحْوِه قطٌّ مجلسٌ على أنه في الحسنِ أُعْجوبةُ الدهرِ
فجلست أنا وصاحبي على تلك الأريكة الممنوعة، والفرش المرفوعة.
نتناشد الأشعار، ونتشبث بأذيال الأفكار.
وحديثه السحرُ الحلالُ لَوَ أنَّه لم يجْنِ قتلَ المسلمِ المتحرِّز
إن طال لمُ يمْلَلْ وإن هي أوْجزَتْ وَدَّ المحدَّثُ أنها لم تُوجزِ
ولم نزل رافلين في غلائل المسرة، ومتنعمين بلطائف الأنس على أوج هاتيك الأسرة.
حتى عدنا وقد شمرت لمغيبها الذيل، واصفر وجهها خوفًا من هجمة عساكر الليل.
الشمسُ هاربةٌ للغَرْبِ دارِعةٌ بالنَّبْل مصفَرَّةٌ من هَجْمة الغَسَقِ
وقد ظهر الهلال في حمرة الشفق، كحاجب الشائب أو زورق الورق.
لا تظنَّ الظلام قد أخذ الشَّمْ سَ وأعطى النهار هذا الهلالاَ
إنما الشرقُ أقْرضَ الغربَ دِينا رًا فأعْطاه رَهْنَه خَلْخالاَ
وبينا أنا راجعٌ مع صاحبي في أخريات الطريق، وإذا برفيقٍ لي وهون على الحقيقة رفيق.
فاعترضني وقال لي: أين كنت، ومن أين توجهت.
فقلت له: كنت مع صاحبي، الذي هو هذا اليوم مصاحبي.
في منتزه، وهو فضاء الأرض، ذات الطول والعرض.
وصدَقْتُه في كل ما حاولْتُه مما تقدَّم في الكلامِ الأوَّلِ
وغيم ذلك الفضا هو الظل الظليل، وغيثه المنهمر هو الأعذب من السلسبيل.
وأشجاره هي حبال الأمطار، وحمائمه الصادحة أصوات الرعد في جوانب الأقطار.
وكمائمه حب البرد، ونسائمه المعلومة فيما ورد.
وما ذلك القصر الموصوف، سوى جبتي هذه وثوبي هذا الصوف.
والشبابيك جيوبه، وأطواقه، ولا عجب أن نفحت فيه مباخر الطيب فإنها قراطيسه وأوراقه.
وبالقياس على هذا تأويل ما بقي من العبارات السابقة، والإشارات المتلاحقة.
وبذلك انتهى الكلام، وتم ما قصدناه من الدعابة والسلام.
والدعابة التي أطلعه عليها هي هذه:
لابُدّ للنفس أحيانًا إذا سئمتْ أن تسْتريحَ إلى الآدابِ والمُلَحِ
فَخُضْ بها من أحاديث النِّدام إذا أعْيَتْ مذاهبُها في كلِّ مُقْتَرَحِ
وهاهنا نزعة يختلف إليها النديم، ويعتلق بها الطبع السليم.
وذلك أني طفت الجنان، وبلوت الفروع والأغصان.
فلم أر مثل نبعة، في خير بقعة.
حسنة البزة، يانعة الهزة.
دوحها مغنٍ، وطيرها مرن.
يُطارحني من بينهن ابنُ أيكَةٍ هتوفُ الضُّحى بعد العشيَّةِ مِرْنانُ
أُجاذبُه هُدْبَ الغرامِ وفي الحشاَ نَزُوعٌ إلى ذكْرِ الأحبَّة حَنَّانُ
فأسمعني خطابه، وفرغ لي وطابه.
فقلت: ما هذا الفنن، وعلى م هذا الشجن.
فقال: أما الفنن فمنصة، وأما الشجن فعن غصة.
فتلكأت عنه تلكأ الشاك، وقلت: ومن وشاك.
[ ١٩٣ ]
فقال لبست ملاءة الربيع، وكتمت الغرام لو أستطيع.
فقلت: لأمرٍ ما خطبتك الغيد، وأعارتك حلى الجيد.
فقال: بل موهت النحول، وأخفيت عنوان الذبول.
وأما ما أحاط بالمقلد فوثاق، وقد تظرف من طبع أغلال الهوى على قوالب الإطباق.
فلما نعمت بمطارحته، ونهمت بمفاكهته.
سايرته بأرسانه، وقاولته بلسانه.
وقلت: إيه، فيما نحن فيه.
غصن نضير، ووادٍ عطير.
روضة حزن، ونسيمه لدن.
وماؤه صاف، ونديمه وصاف.
فزدني من ندامك، وأصخ لترنامك.
ففي أي الحالتين تفيض، فلا بعدك معبد ولا دونك غريض. فقهقه ورجع، ثم أنشد فأسمع:
خُذْ بنا في محاسنِ الأوصافِ فهي نَقْلٌ ما بين أيدي الظَّرافِ
وانْتخبْ للنِّدامِ كلَّ حديثٍ من قِصارِ الفصول ذاني القطاف
يتمنَّى الجليسُ عمرَ مُعاذٍ لتلِّقى مُعادِه الشفَّافِ
واقْتحمْ لُجَّةَ القَرِيضِ بفكْرٍ يْنتقى الدُّرَ في حَشَا الأصْدافِ
وتنقَّلْ من الدُّعابَةِ للْجِدِّ وخَيِّمْ حيث المعاني الِّلطافِ
فلما أتى بنقل قريضه، وألمع إلي بتعريضه.
ناب إلى أن أمتخض الفكر، وأكشف قناع البكر.
فأبْرزْتُها عذراءَ في زِيِّ غادةٍ تُزَفُّ على وجِه الدُّعابِة والهزْلِ
وما ثَمَّ إلَّا نَبْعةُ الشعرِ نَبْعةٌ يَرنِ ُّبها طيرُ الفصاحِة والنَّبْلِ
بيت الفرفور بيتٌ فضله موفور، وذنب الزمان بأهله مغفور.
وقد خرج منه جماعة أجلًا، فضلهم أبهر من النجوم السيارة وأجلى، فمنهم: