المفتى بحَقّ، والسامي على رُتبةٍ هو بها أحَقّ.
فقيهُ المذهب النُّعْمانِي، ومن توفَّرتْ له في الشهرة الأمانِي فأُشير إليه بالجلال، وأُثْنِىَ عليه بكرم الخلال.
لم يزل يصل في الجد الليلة باليوم، ويعتاض في الاشتغال السهر من النوم.
وينفق من الزاد، فيخزن في الفؤاد.
والعلم كما عرفت بعيد المرام، لا يرى في المنام، ولا يورث عن الآباء والأعمام.
حتى بلغ مبلغا يقصر عنه أمل المتطلع، وحل محلًا تنقطع دونه رغبة المتطمع.
ونزل من القلوب بمنْزلةٍ هي المُصافة بين الماء والرَّاح، وأوْرد العيونَ الرياضَ وأورد القرائحَ القَراح.
فللنَّواظِر فيه مَرْتَع، وللخواطر منه مُتمتَّع.
وله الأيادي البيض، والطول الطويل العريض.
بارَتْ يداه السُّحْبَ فارْتجعتْ عنها ووابلُ وَدْقها وَشَلُ
فالرعْد في أحْشائِها قَلِقٌ والبرقُ في حافاتها خَجِلُ
ثم ولى الإفتاء فأديت أمانةٌ إلى أهلها، وجاءته النعم تترى ولكن على مهلها.
فلم يلبث تضمنه ضريحه، وسفت عليه ريحه.
[ ١٩٥ ]
فلا زالت السحائب الحوامل، تضع مشهد قبره كل طلٍ ووابل.
وله شعر ليس مثله عليه بمستنكر، فالإتيان به غير مستكثر.
فمنه قوله:
قد يُلْبِس الشعرَ شوقى تارةً حُلَلًا كوشْىِ صَنْعَاء يزهو فوق حَسْناءِ
وتارةً ليس شَمْلِي فيه مجتمِعًا فيْعتريه فتورٌ عند إلْقائِي
وقوله:
دَعِ الحبَّ إن الحبَّ للعقلِ سالبُ وعِشْ خاليًا فالحب فيه النَّوائبُ
فلا يصْلُحَنْ إلَّا لمْثلى فإنني فتىً دون نَعْليْه السُّها والكواكبُ
فمَن كان مثْلي كان بالحبِّ لائقًا وإلَّا فصَبٌّ بالصبابِة لاعبُ
وقوله:
إن غبْتَ عن ناظرِي يا مَن كلِفتُ به فما أراك عَقِيبَ الآن في عمرِي
لأنّ عيْنيَ تجرى بعد فُرْقِتكمْ دمًا ويتْبعُه ما طُلَّ من بَصَرِي
وقوله في الرباعيات:
وللهِ وحقِّ مُحكماَتِ السُّوَر ما غبْتَ عن الفؤادِ بل عن بَصَرِي
من منذ غَدوْتُ في هواكم دَنِفًا أيامُ نَواكَ لم تكنْ من عمري
وكتب إلى جدي محب الله:
يا مَن أياديِه سحابٌ ممطِرُ ولديْه حاتمُ في السَّخا لا يذكَرُ
وعليه من سِيمَا الكرام دلالةٌ وشواهدٌ تبدُو عليه وتظهرُ
طوَّقْتني من راحَتْيك بمِنَّةٍ أضْحتْ على طُول الليالي تُنشَرُ
لم أقْضِ حقَّ ثَنائها لو أن لي في كلِّ جارحةٍ لسانًا يشكرُ
وله:
أنا واللهِ ما الجفاءُ غرامي لا ولاه الهجرُ والصدودُ مَرامِي
ولئِنْ غبتُ عنكمُ ففؤادِي مثلُ ما تْعهدون بل هو نامِي
وله:
للهِ بدرٌ قد حكى بخدودِه وردَ الرُّبى وشقائقَ النُّعمانِ
وبِثْغره زهرَ الأقاحِ مُنضَّدٍ وبِقدِّه المَيَّاسِ غصنَ الْبانِ
وبطِيبِه طِيبَ الرياض ونَشْرَها وبِصُدغه لْلآسِ والرَّيْحانِ
وإذا محاسنُه بدَتْ لعيونِنا تُجْلَى فلا تحتاجُ للبُستانِ
هذا فيه سماتٌ من قول جحظة البرمكي:
خِلْتُه في المُعصْفَرات القَوانِي وردةً في شقائقِ النُّعمانِ
أنتِ تُفَّاحتي وفيك مع التُّفَّا حِ رُمَّانتانِ في غُصْنِ بَانِ
لا أرى في سِواكِ ما فيكِ من طِي بٍ ومن بهجةٍ ومن رَيْحانِ
وإذا كنتِ لي وفيك الذي في كِ فما حاجتي إلى البستانِ
بيت القاري من البيوت التي تقلد فخرها جيد الدهر، واكتسب النسيم بعرف ثراها أرج الزهر.
مدائحهم كصحائف المحسنين بياضًا ونقا، وذكراهم كعهد الموقنين وفاءً وتقى، فمنهم: