أمير المؤمنين أبو إسحاق المتقي لله بن المقتدر بن المعتضد. ولد سنة سبع وتسعين ومائتين، واستخلف سنة تسع وعشرين وثلاثمائة بعد أخيه الراضي بالله. فوليها إلى سنة ثلاث وثلاثين. ثم إنهم خلعوه وسملوا عينيه، وبقي في قيد الحياة. وكان حسن الجسم أبيض أشقر الشعر مشربًا حمرةً أشهل العينين. وكان فيد دين وصلاح وكثرة صلاة وصيام. لا يشرب الخمر: توفي رحمه الله تعالى في
[ ٦٢ ]
السجن سنة سبع وخمسين وثلاثمائة. فكانت خلافته ثلاث سنين وأحد عشر شهرًا. وكانت وفاته بعد خمس وعشرين سنة من خلعه.
وكانت أيامه منغصة عليه، لاضطراب الأتراك حتى أنه فر إلى الرقة فلقيه الأخشيد صاحب مصر، وأهدى له تحفًا كثيرة، وتوجع لما ناله من الأتراك، ورغبه في أن يسير معه إلى مصر. فقال: كيف أقيم في زاوية من الدنيا، وأترك العراق متوسطة الدنيا وسرتها، ومقر الخلافة وينبوعها. ولما خلا بخواصه قالوا له: الرأي أن تسير معه إلى مصر لتستريح من هؤلاء. فقال: كيف يحسن في رأيكم أنا نتمكن مع حاشية غريبة منا، عرية من إحساننا الوافر إليها، وقد رأيتم أن خواصنا الذين هم برأي العين منا، ومستغرقون في إحساننا لما تحكموا في دولتنا، ووجدوا لهم علينا مقدرة، كيف عاملونا. فكيف يكون حالنا في ديار قوم إنما يرون أنهم خلصونا مما نزل بنا، ثم إنه سار حتى قدم بغداد بعد أن خاطبه توزون أمير الأتراك، وحلف له أن لا يغدر به. وزينت له بغداد دزينة ضرب بها المثل، وضربت له القباب العجيبة في طريقه. فلما وصل إلى السندية على نهر عيسى، قبض عليه توزون وسمله، وبايع المستكفي من ساعته، ودخل بغداد في تلك الزينة، فكثر تعجب الناس من ذلك. وقال المتقي في ذلك:
كحلونا وما شكو نا إليهم من الرمد
ثم عاثوا بنا ونح ن أسود وهم نقد
كيف يغتر من أقم نا وفي دستنا قعد
قلت: ما اغتر المستكفي بالله بعده بتوزون ولم يزل إلى أن سمه وقتله، ولكنه دخل إليه معز الدولة بن بويه، فخلعه وسمله على ما سيأتي في ترجمة المستكفي بالله، واسمه عبد الله بن علي.