بن هاشم بن عبد مناف، عم رسول الله ﷺ، أبو الفضل. كان أسن من رسول الله ﷺ بسنتين، وقيل بثلاث، أمه نثلة، وقيل نثيلة ابنة جناب بن كليب بن مالك بن النمر بن قاسط. كذا نسبها الزبير وغيره. ولدت العباس لعبد المطلب، فأنجبت به. وهي أول عربية كست البيت الحرام الحرير والديباج وأصناف الكسوة. لأن العباس ضل وهو صبي فنذرت كسوة البيت إن وجدته. فلما وجدته، وفت بنذرها. وكان العباس رئيسًا في الجاهلية وفي قريش وإليه كانت عمارة البيت والسقاية في الجاهلية، أما السقاية. فمعروفة وأما العمارة، فإنه كان لا يدع أحدًا يسقب في المسجد الحرام ولا يقول فيه هجرًا: يحملهم على عمارته في الخير، لا يستطيعون لذلك امتناعًا،
[ ١٥٥ ]
لان ملا قريش تعاقدوا على ذلك وسلموه إليه، وكانوا له أعوانًا. وكان العباس ممن خرج مع المشركين. يوم بدر فأسر مع جملة الأسرى وشد وثاقهم. فسهر رسول الله ﷺ تلك الليلة ولم ينم. فقال له بعض أصحابه: ما يسهرك يا نبي الله فقال: أسهر لأنين العباس. فقام رجل من القوم فأرخى وثاقه. فقال رسول الله ﷺ: فافعل ذلك بالأسرى كلهم.
قال ابن عبد البر: اسلم العباس قبل فتح خيبر. وكان يكتم إسلامه. وذلك بين في حديث الحجاج بن علاط إنه كان مسلمًا يسره ما فتح الله على المسلمين. ثم أظهر إسلامه يوم الفتح، وشهد حنينًا، والطائف، وتبوك. وقيل إن إسلامه قبل بدر. وكان يكتب بأخبار المشركين إلى رسول الله صلى اله عليه وسلم. وكان المسلمون بمكة يتقوون به. وكان يحب أن يقدم على رسول الله صلى اله عليه وسلم، فكتب إليه رسول الله ﷺ: إن مقامك بمكة خير: فلذلك قال رسول الله ﷺ: من لقى منكم العباس فلا يقتله فإنه أخرج كرهًا.
وكان العباس: أنصر الناس لرسول اله ﷺ بعد أبي طالب. وحضر مع النبي ﷺ العقبة، يشترط له على الأنصار. وكان على دين قومه يومئذ. وقدى عقيلًا ونوفلًا ابن أخويه أبي طالب والحارث. وغيرهم من ماله. وكان النبي ﷺ يكرم الباس ويجله ويعظمه بعد الإسلام، ويقول: هذا عمي، صنو أبي.
وكان العباس جوادًا مطعمًا وصولًا للرحم ذا رأي حسن ودعوة مرجوة. ولم يمر بعمر ولا بعثمان وهما راكبان إلا نزلا: إجلالًا له، ويقولون: عم رسول الله ﷺ! ولما أقحط أهل الرمادة وذلك سنة سبع عشرة، قال كعب لعمر: يا أمير المؤمنين! إن بني إسرائيل. كانوا إذا أصابهم مثل هذا، استسقوا بعصبة الأنبياء. فقال عمر: هذا عم النبي ﷺ وصنو أبيه وسيد بني هاشم. فمشى إليه عمر فشكا إليه ما الناس فيه. ثم صعد المنبر ومعه العباس، فقال: اللهم! إنا قد توجهنا إليك بعم نبينا وصنو أبيه فاسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين! ثم قال: عمر! يا أبا الفضل. قم فادع. فقال العباس بعد حمد الله والثناء عليه: اللهم إن عندك سحابًا وعندك ماءً. فانشر السحاب ثم انزل الماء فيه علينا فاشدد به الأصل وأطل به الفرع وأدر به الضرع. اللهم! إنك لم تنزل بلاءً إلا بذنب ولم تكشفه إلا بتوبة. وقد توجه القوم بي إليك فاسقنا الغيث! اللهم! اشفعنا في أنفسنا وأهلينا! اللهم اسقنا سقيًا وادعًا طبقًا سحًا عامًا. اللهم! لا نرجو إلا غياك ولا ندعو غيرك ولا نرغب إلا إليك. اللهم! إليك جوع كل جائع وعرى كل
[ ١٥٦ ]
عار وخوف كل خائف وضعف كل ضعيف. في دعاء كثير. فأرخت السماء عزاليها فجاءت بأمثال الجبال حتى استوت الحفر بالآكام وأخصبت الأرض وعاش الناس. فقال عمر: هذا والله الوسيلة إلى الله والمكان منه. وقال حسان بن ثابت الأنصاري:
سأل الإمام وقد تتابع جدبنا فسقى الإمام بغرة العباس
عم النبي وصنو والده الذي ورث النبي بذاك دون الناس
أحيي الإله به البلاد فأصبحت مخضرة الأجناب بعد الياس
وقال الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب:
بعمى سقى الله الحجاز وأهله عشية يستسقى بشيبته عمر
توجه بالعباس في الجدب راغبًا فما كر حتى جاء بالديمة المطر
ولما سقى الناس طفق الناس يمسحون أركان العباس ويقولون هنيئًا لك ساقي الحرمين وكان العباس جميلًا أبيض غضًا، ذا ضفيرتين معتدل القامة. وقيل: بل كان طويلًا. وقد بارك الله في نسله.
قال رجاء بن أبي الضحاك فس سنة مائتين أحصى ولد العباس فبلغوا ثلاثى وثلاثين ألفًا، ذكر ذلك الجهشياري في كتاب الوزراء. وأضر ﵁ بأخرة، قيل إنه لما استسقى. كان ضريرًا. وتوفي ﵁ سنة اثنتين وثلاثين للهجرة. وصلى عليه عثمان رضي الله تعالى عنهما. ودفن بالبقيع. وعاش ﵁ ثمانيًا وثمانين سنة.