نوادر العميان
قال بعضهم لبشار بن برد: ما أذهب الله كريمتي مؤمن إلا عوضه الله خيرًا منهما. فبم عوضك؟ قال: بعدم رؤية الثقلاء مثلك.
وقال بعضهم: يقال إن أهل هيت يكون أكثرهم عورًا. فرأيت رجلًا منهم صحيح العينين. فقلت له: إن هذا لغريب! فقال يا سيدي إن لي أخًا أعمى قد أخذ نصيبه ونصيبي.
يقال: إن رجلًا أعمى تزوج امرأة قبيحة: فقالت له: رزقت أحسن الناس وأنت لا تدري. فقال لها: يا بظراء! أين كان البصراء عنك قبلي؟ قال بعضهم: نزلت في بعض القرى وخرجت في الليل لحاجة فإذا أنا بأعمى على عاتقه جرة ومعه سراج. فقلت له: يا هذا؟ أنت والليل والنهار عندك سواء! فما معنى السراج؟ فقال: يا فضولي! حملته معي لأعمى البصيرة مثلك، يستضيء به. فلا يعثر بي فأقع أنا وتنكسر الجرة.
قيل إن الأعمش كان يقوده النخعي، وهو أعور. فيصيح بهما الصبيان: عين بين اثنين. فكان النخعي إذا انتهى إلى مجامعهم خلى عنه: فقال له الأعمش: ما عليك؟ يأثمون وتؤجر. فقال النخعي أن يسلموا ونسلم.
قالت لأبي العيناء قينة يومًا: يا أعمى! فقال لها: ما استعين على وجهك بشيء أصلح من العمى.
وسمع محمد بن مكرم رجلًا يقول: من ذهب بصره، قلت حيلته. فقال له: ما أغفلك عن أبي العيناء؟ وقال المتوكل يومًا: لولا ذهاب بصر أبي العيناء لنادمته؟ فبلغه ذلك. فقال: قولوا له إن أعفيتني من قراءة نقوش الخواتيم ورؤية الأهلة صلحت لغير ذلك. فبلغ المتوكل ذلك فضحك ونادمه.
[ ٤٨ ]
كان بحرم سيدنا الخليل، ﵊: شخصان أعميان! أحدهما ناظر الحرم والآخر شيخه. فرام الناظر عزل الخطيب فعارضه الشيخ ومنعه. فقال له الناظر كأنك قد شاركتني في النظر. فقال له: لا بل في العمى. فاستحي واستمر الخطيب.
ودخل يزيد بن منصور الحميري على بشار وهو واقف بين يدي المهدي ينشد شعرًا. فلما فرغ من إنشاده، أقبل يزيد بن منصور على بشار وقال له: ما صناعتك، يا شيخ، فقال له: أثقب اللؤلؤ. فضحك المهدي وقال لبشار: أغرب ويلك! اتتنادر على خالي؟ قال: وما أصنع به؟ يرى شيخًا أعمى قائمًا ينشد الخليفة مديحًا، يقول له: ما صناعتك؟ قال بعضهم: رأيت ببغداد مكفوفًا يقول: من أعطاني حبة، سقاه الله من الحوض على يدي معاوية فتبعته حتى خلوت به ولطمته وقلت له يا كذا! عزلت أمير المؤمنين عن الحوض؟ فقال أردت أن اسقيهم بحبة على يد أمير المؤمنين؟ لا ولا كرامة! وقال الشافعي ﵁: رأيت باليمن أعميين يتقاتلان، وأبكم يصلح بينهما. قلت والأبكم الأخرس.
قال حماد بن إسحاق: غنى علوية يومًا بحضرة أبي:
فلا تبعد وكل فتىً سيأتي عليه الموت يطرق أو يغادي
فقال أبي: مه! إن هذا البيت لمعرق في العمى.
الشعر لبشار بن برد الأعمى، والغناء فيه لأبي زكار الأعمى، وأول الشعر: عميت أمري.
قلت: حكى مسرور الخادم: قال لما أمرني الرشيد بضرب عنق جعفر البرمكي، دخلت عليه وأبو زكار عنده يغنيه: فلا تبعد البيت. فقلت في هذا والله أتيتك! وأخذت بيد جعفر وضربت عنقه. فقل أبو زكار: نشدتك بالله إلا ألحقتني به! فقلت له: وما رغبتك؟ قال: إنه أغناني عمن سواه بإحسانه، فما أحب أن أبقى بعده. فقلت: استأمر أمير المؤمنين. ولما أتيت الرشيد برأس جعفر، ذكرت له أمر أبي زكار. فقال: هذا رجل فيه مصطنع. فانظر إلى ما كان يجريه عليه جعفر، فأقره عليه.
وقيل إن العمى شائع في بني عوف. إذا أسن الرجل منهم عمي. وقل من يفلت
[ ٤٩ ]
عن ذلك. ولذلك قال أرطاة بن سهية يهجو شبيب بن البرصاء، من جملة أبيات:
فلو كنت عوفيًا عميت وأسهلت كذاك ولكن المريب مريب
فقيل إن أرطاة لما قال هذا الهجو، كان كل شيخ من بني عوف يتمنى أن يعمى. ثم إن أرطأة لما قال هذا الهجو عمر ولم يعم. وكان شبيب يعيره بذلك. ثم إنه مات وعمي أرطاة. وكان يقول ليت شبيبًا عاش فرآني أعمى فقال إن أبا العيناء لقي جده الأكبر علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه فأساء مخاطبته فدعا عليه وعلى ولده بالعمى. وكل من كان منهم أعمى، فهو صحيح النسب.
قال بعضهم: رأيت أعمى يجلد عميرة ويقول: فديتك يا سكينة! قال: فتناولت خشبة ولطختها بالخ ومسحتها بسباله. فلما شمها، جعل يقول: فسيت يا سكينة.
كان الجنيد بن عبد الرحمن، يلي خراسان في أيام هشام. وظفر بصبيح الخارجي وبعدة من أصحابه. فقتلهم جميعًا، غير رجل أعمى، كان فيهم. فقال له الأعمى: أنا أدلك على أصحاب صبيح وأجازيك بما فعلت فكتب، له قوما، وكان الجنيد يقتلهم، حتى قتل مائة. فقال له الأعمى بعد ذلك، لعنكم الله! أتزعم أنه يحل لك دمي وأنا ضال ثم تقبل قولي في مائة قتلتهم. لا والله! ما كتبت لك من أصحاب صبيح رجلًا واحدًا. وما هم إلا منكم. فقدمه الجنيد فقتله.
[ ٥٠ ]