شعر العميان
وما قيل فيهم من الغزل وغيره أنشد الجاحظ لابن عباس:
إن يأخذ الله من عيني نورهما ففي لساني وسمعي منهما نور
قلبي ذكي وعقلي غير ذي دخل وفي فمي صارم كالسيف مأثور
وقال الخريمي:
أسعى إلى قائدي ليخبرني إذا التقينا عمن يحييني
يريد أن أعدل السلام وأن أفصل بين الشريف والدون
اسمع ما لا أرى فأكره أن أخطئ والسمع غير مأمون
لله عيني التي فجعت بها لو أن دهرًا بها يواتيني
لو كنت خيرت ما أخذت بها تعمير نوح في ملك قارون
وقال صالح بن عبد القدوس:
عزاءك أيها العين السكوب ودمعك إنها نوب تنوب
وكنت كريمتي وسراج وجهي وكانت لي بك الدنيا تطيب
فإن أك قد ثكلتك في حياتي وفارقني بك الإلف الحبيب
فكل قرينة لا بد يومًا سيشعب إلفها عنها شعوب
على الدنيا السلام فما لشيخ ضرير العين في الدنيا نصيب
يموت المرء وهو يعد حيًا ويخلف ظنه الأمل الكذوب
يمنيني الطبيب شفاء عيني وما غير الإله لها طبيب
إذا ما مات بعضك فابك بعضًا فإن البعض من بعض قريب
وقال الخريمي:
فإن يك عيني خبا نورها فكم قبلها نور عين خبا
فلم يعم قلبي ولكنما أرى نور عيني لقلبي سعى
[ ٥١ ]
وقال المعري:
سواد العين زاد سواد قلبي ليتفقا على فهم الأمور
قلت كلاهما أخذ المعنى من قول ابن عباس وقد تقدم.
وقال بشار بن برد:
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة والأذن تعشق قبل العين أحيانا
قالوا بمن لا ترى تهذي فقلت لهم الأذن كالعين توفي القلب ما كانا
وقال أيضًا:
قالت عقيل بن كعب إذ تعلقها قلبي فأضحى به من حبها أثر
أنى ولم ترها تهذي فقلت لهم إن الفؤاد يرى ما لا يرى البصر
وقال أيضًا:
يزهدني في حب عبدة معشر قلوبهم فيها مخالفة قلبي
فقلت دعوا قلبي وما اختاروا رتضى فبالقلب لا بالعين يبصر ذو اللب
وقال أبو العز مظفر بن إبراهيم الضرير:
قالوا عشقت وأنت أعمى ظبيًا كحيل الطرف ألمى
وحلاه ما عاينتها فنقول قد شغلتك وهما
وخياله بك في المنا م فما أطاف ولا ألما
من أين أرسل للفؤا د وأنت لم تنظره سهما
فأجبت إني موسو ي العشق إنصاتًا وفهما
أهوى بحارحة السما ع ولا أرى ذات المسمى
ومن شعر علي بن عبد الغني الكفيف الحصري:
قالت وهبتك مهجتي فخذ ودع الفراش ونم على فخذي
وثنت إلى مثل الكثيب يدي فأجبتها نعم الأريكة ذي
وهممت لكن قال لي أدبي بالله من سيطانك استعذ
قالت عففت فعفت قلت لها مذ شبت باللذات لم ألذ
[ ٥٢ ]
قال علي بن ظافر وهذا الشهر مما يعرف أنه من أشعار العميان من غير أن يذكر قائله.
قلت: وقد امتحنت بذلك جماعة من الأدباء: فقلت. بأي شيء يستدل من هذه الأبيات على أنها شعر أعمى؟ فلم يتفطن أحد منهم لما فطن له علي بن ظافر ﵀. وقال يستدل به على أنه شعر أعمى قوله: نم على فخذي، وثنت إلى مثل الكثيب يدي. لأنه ما اهتدى لي أن ينام على فخذها حتى أخذت بيده وضعتها على فخذها. ألا ترى أنه لما لمسها قال: نعم الأريكة ذي. ولم يشكرها قبل لمسها. وهذه نكتة أدبية.
وقال علاء الدين علي بن مظفر الوداعي في أعمى يرمي بابنة.
موسوي الغرام يهوى بسمعي هـ ويشكو من رؤية العين ضرا
يتوكًا على قضيب رطيب وله عنده مآرب أخرى
لما تولى السقطي قضاء قوص سنه إحدى عشرة وسبعمائة وكان بصره ضعيفًا جدًا حتى قيل إنه لا يبصر به جملة. وكان القاضي فخر الدين ناظر الجيوش قد قام في ولايته حد القيام، قال علاء الدين علي ابن أحمد بن الحسي الأصفوني:
قالوا تولى الصعيد أعمى فقلت لا بل بألف عين
ولما تولى ابن الأصبهاني وهو أعمى دار الزكاة، قال ابن المنجم المصري الشاعر:
إن يكن ابن الأصبهاني من بعد العمى في الخدمة استنهضا
فالثور في الدولاب لا يحسن اس تعماله إلا إذا غمضا
وقال إبراهيم بن محمد التطيلي:
شمس الظهيرة أعشت كوكبي بصري كذا سنا النجم في ضوء الضحى خمدا
إن نازع الدهر في ثنتين من عددي فواحد في ضلوعي يبهر العددا
تغنى عن الشهب في أجفانه مقلًا من كانت الشمس في أضلاعه خلدا
من طال خلقًا نفى عن خلقه قصرًا لا تقدر الجلد منه واقدر الجلدا
لا يدرك الرمح شأ والسهم في غرض ولو تسلسل فيه متنه مددا
لم يكف أني غريب الشخص في بلدي حتى غدوت غريب الطبع متحدا
[ ٥٣ ]
ومن المنحول لأبي العلاء المعري:
أبا العلاء يا ابن سليمانا إن العمى أولاك إحسانا
لو عاينت عيناك هذا الورى لم ير إنسانك إنسانا
ومنه أيضًا:
قالوا العمى منظر قبيح قلت بفقدانكم يهون
والله ما في الوجود شيء تأسى على فقده العيون
ومن شعر بشار بن برد:
عميت جنينًا والذكاء من العمى فجئت عجيب الظن للعلم موئلا
وغاض ضياء العين للعلم رافدًا لقلب إذا ما ضيع الناس حصلا
وشعر كنور الروض لاءمت بينه بقول إذا ما الشعر أحزن أسهلا
وقال أبو بكر بن العلاف، وقد وقع في حفرة:
قالت كأنك في الموتى فقلت لها قد مات من ذهبت والله عيناه
عيناي كفاي لا طرف ألذ به وكيف يفرح من عيناه كفاه
العز الضرير الإربلي، وقيل هي لغيره:
وكاعب قالت لأترابها يا قوم ما أعجب هذا الضرير
هل تعشق العينان ما لا ترى فقلت والدمع بعيني غزير
إن كان في طرفي لا يرى شخصها فإنها قد صورت في الضمير
أنشدني ناصر الدين شافع من لفظه لنفسه:
أضحى وجودي برغمي في الورى عدمًا إذ ليس لي فيهم ورد ولا صدر
عدمت عيني وما لي فيهم أثر فهل وجود ولا عين ولا اثر
وقال علي بن عبد الغني الحصري:
وقالوا قد عميت فقلت كلا وإني اليوم أبصر من بصير
سواد العين زاد سواد قلبي ليجتمعا على فهم الأمور
[ ٥٤ ]
وقال أبو علي البصير الأعمى:
لئن كان يهديني الغلام لوجهتي ويقتادني في السير إذ أنا راكب
فقد يستضيء القوم بي في أمورهم ويخبو ضياء العين والرأي ثاقب
وقال أيضًا:
إذا ما غدت طلابة العلم مالها من العلم إلا ما يخلد في الكتب
غدوت بتشمير وجد عليهم ومحبرتي سمعي ودفترها قلبي
وقال عز الدين أحمد بن عبد الدائم:
إن يذهب الله من عيني نورهما فإن قلبي بصير ما به ضرر
أرى بقلبي دنياي وآخرتي والقلب يدرك ما لا يدرك البصر
وقال ابن التعاويذي من قصيدة:
حتى رمتني رميت بالأذى بنكبة قاصمة الظهر
وأوترت في مقلة قلما علمتها باتت على وتر
أصبتني فيها على غرة بعائر من حيث لا أدري
جوهرة كنت ضنينًا بها نفيسة القيمة والقدر
إن أنا لم أبك عليها دمًا فضلًا عن الدمع فما عذري
مالي لا أبكي على فقدها بكاء خنساء على صخر
وقال أيضًا:
أظل حبيسًا في قرارة منزلي رهين أسىً أمسي عليه وأصبح
مقامي منه مظلم الجو قاتم ومسعاي ضنك وهو ضحيان أفيح
أقاد به قود الجنيبة مسمحًا وما كنت لولا غدرة الدهر أسمح
كأني ميت لا ضريح لجنبه وما كل ميت لا أبالك يضرح
وقال أيضًا:
فها أنا كالمقبور في كسر منزلي سواء صباحي عنده ومسائي
يرق ويبكي حاسدي لي رحمةً وبعدًا لها من رقة وبكاء
[ ٥٥ ]
وقال أيضًا:
وأصبت في عيني التي كانت هي الدنيا بعين
عين جنيت بنورها نور العلوم وأي عين
حالان مستني الحوا دث منهما بفجيعتين
إظلام عين في ضيا ء من مشيب سرمدين
صبح وإمساء معًا لا خلفةً فأعجب لذين
أو رحت في الدنيا من ال سراء صفر الراحتين
في برزخ منها أخًا كمد حليف كآبتين
أسوان لا حي ولا ميت كهمزة بين بين
وكأنني لم أسع من ها في طريق مرتين
وكأنني متعت من ها نظرةً أو نظرتين
وقال أيضًا:
يا لك من ليل حجا ب جنحه معتكر
ظلامه لا ينجلي وصبحه لا يسفر
ليس له إلى المم ات آخر ينتظر
ما في حياة معه لذي حصاة وطر
غادرني كأنني في كسر بيتي حجر
لا اهتدي لحاجتي وفي الليالي عبر
أين الشباب والمرا ح والهوى والاشر
لم يبق لي إلا الأسى منهن والتذكر
وقال أيضًا:
ألا كم لمسجون بغير جناية يعد من الموتى وما حان يومه
يروعه عند الصباح انتباهه فطوبى له لو طال وامتد نومه
جفاه بلا ذنب أتاه صديقه وأسلمه للحزن والهم قومه
وأرخص منه الدهر ما كان غاليًا على مشترى الإخوان في الناس سومه
[ ٥٦ ]
وقال النور الإسعردي: لما اضر.
قد كنت من قبل في أمن وفي دعة طرفي يرود لقلبي روضة الأدب
حتى تلقبت نور الدين فانعمشت عيني وحول ذاك النور للقب
وقال، وقد أخذ الكحال منه ذهبًا ولم يبرأ:
عجب لذا الكحال كيف أضلني ولكم أضل بميله وبمينه
ذهب اللئيم بناظري وما رثى لأخي الأسى إذراح منه بعينه
أأصاب منه في ثلاثة أعين هذا لعمركم الصغار بعينه
وقال:
يا سائلي لما رأى حالتي والطرف مني ليس بالمبصر
لست أحاشيك ولكنني سمحت للعينين للأعور
وقال:
لله في هذا الورى حكمة وأنعم أعيت على الحاضر
عوضني والله ذو رحمة عن ناظري الباصر بالناصر
ابن قزل يتغزل في عمياء:
قالوا تعشقها عمياء قلت لهم ما شأنها ذاك في عيني ولا قدحا
بل زاد وجدي فيها أنها أبدًا لا تعرف الشيب في فودي إذا وضحا
إن يجرح السيف مسلولًا فلا عجب وإنما أعجب لسيف مغمد جرحا
كأنما هي بستان خلوت به ونام ناطوره سكران قد طفحا
تفتح الورد فيه من كمائمه والنرجس الغض فيه بعد ما افتتحا
وقال أيضًا:
علقتها عمياء مثل المها فخان فيها الزمن الغادر
أذهب عينيها فأنسانها في ظلمة لا يهتدي حائر
تجرح قلبي وهي مكفوفة وهكذا قد يفعل الباتر
ونرجس اللحظ غداذا بلًا واحسرتا لو أنه ناظر
[ ٥٧ ]
أبن سنا الملك في عمياء:
شمس بغير الليل لم تحتجب وفي سوى العينين لم تكسف
مغمدة المرهف لكنها تفتك بالغمد بلا مرهف
رأيت منها الخلد في جؤذر وناظري يعقوب في يوسف
وقال أيضًا:
فتنتي مكفوفة ناظراها كتبا لي من الجراح أمانا
فهي لم تسلل الجفون حسامًا لا ولم تحمل الفتور سنانا
وهي بكر العينين محصنه آل أجفان ما افتض ميلها الأجفانا
قصرت عشقها علي فلم تعشق فلانًا غذ لم تعاين فلانا
عميت من هواي وارتحل الإنسان من عينها وأخلى المكانا
علمت غيرتي عليها فخافت أن يسمى غيري لها إنسانا
وقال أيضًا:
إن الكمال أصاب في محبوبتي لما أصاب بعينه عينيها
زادت حلاوتها فصرت تخالها وسنى وقد أسر الكرى جفنيها
وكما علمت وللدبيب حلاوة فكأنني أبدًا أدب عليها
وقلت أنا في مليح أعمى:
أيا حسن أعمى لم يجد حد طرفه محب غدا سكران فيه وما صحا
إذا طار قلب بات يرعى خدوده غدا آمنًا من مقلتيه الجوارحا
وقلت فيه أيضًا:
ورب أعمى وجهه روضةً تنزهي فيها كثير الديون
في خده ورد غنينا به عن نرجس ما فتحته العيون
[ ٥٨ ]