بن شعيب. أبو الغنائم الشيباني الواسطي الضرير المقرئ النحوي. قرأ القرآن، واشتغل بشيء من الأدب. ثم إنه قدم بغداد واستوطنها إلى أن مات رحمه الله تعالى، سنة خمس وستين وخمسمائة. وقرأ على الشريف الشجري ولازمه حتى برع في النحو، وبلغ الغاية. وسمع شيئًا من الحديث، وكتب الأدب، ودواوين شعر العرب، من الحافظ محمد بن ناصر. وحدث باليسير. وقرأ عليه جماعة من أهل بغداد كمصدق بن شبيب. قال ياقوت: وكان مع هذا إذا خرج الطريق بغير قائد لا يهتدي كما يهتدي العميان، حتى سوق الكتب الذي كان يأتيه كل ليلة عشرين سنة. ولم يكن بعيدًا عن منزله.
حسان بن ثابت
بن المنذر بن حرام. أبو الوليد، وقيل أبو عبد الرحمن، وقيل أبو الحسام. الأنصاري النجاري. صاحب رسول الله ﷺ وشاعره. وفد على عمرو بن
[ ١١١ ]
الحارث بن أبي شمر، وعلى جبلة بن الأيهم، وعلى معاوية رضي الله تعالى عنه حين بويع سنة أربعين. قال ابن سعد: عاش في الجاهلية ستين سنة، وفي الإسلام مثلها. وكان قديم الإسلام. ولم يشهد مع النبي ﷺ مشهدًا. وكان يجبن. قال الحافظ ابن عساكر: نعم، كان جهاده بشعره. وكان رسول الله ﷺ ينصب له منبرًا في المسجد يقوم عليه ينافح عن رسول الله ﷺ. وكان ذلك على قريش أشد من رشق النبل. وقال له رسول الله ﷺ: أجب عن رسول الله. اللهم أيده بروح القدس! وفي رواية: أهجهم أو هاجهم، وجبريل معك. وفي رواية: أن روح القدس معك ما هاجيتهم. وفي رواية: جبريل معينك. وفي رواية: إن الله يؤيد حسان بروح القدس، ما نافح عن رسول الله ﷺ. انتهى.
وقال صاحب الأغاني بسنده إلى محمد بن جرير قال: كان حسان بن ثابت ﵁ يوم الخندق في حصن بالمدينة مع النساء والصبيان لجبنه. قال: فمر رجل من اليهود، فجعل يطيف بالحصن فقالت حفية بنت عبد المطلب ﵂ يا حسان هذا يهودي كما ترى يطيف بالحصين. وإني والله ما آمنه أن يدل على عورتنا. وقد شغل عنا رسول الله ﷺ وأصحابه. فانزل إليه فاقتله. فقال يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب! قد عرفت ما أنا بصاحب هذا. قالت: فلما قال لي ذلك ولم أر عنده شيئًا، اعتجرت ثم أخذت عمودًا ثم نزلت من الحصن فضربته بالعمود حتى قتلته. فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن وقلت: يا حسان أنزل إليه فاسلبه، فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل. فقال ما لي بسلبه حاجة! يا بنت عبد المطلب.
قال وحكى أنه كان قد ضرب وتدًا في ذلك اليوم في جانب الأطم. فكان إذا حمل النبي ﷺ وأصحابه على المشركين، حمل على الوتد وضربه بالسيف، وإذا حمل المشركون، انحاز عن الوتد، كأنه يقاتل قرنًا انتهى.
قلت: وقد رأيت بعضهم ينكر جبنه، واعتذر له بأنه كان يهاجي قريشًا ويذكر مثالبهم ومساويهم، ولم يبلغنا أن أحدًا عيره بالجبن والفرار من الحروب. وقد هجا الحارث بن هشام بقوله:
إن كنت كاذبة الذي حدثتني فنجوت منجا الحارث بن هشام
ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ونجا براس طمرة ولجام
وما أجابه بما ينقض عليه ويطعن عليه، بل اعتذر رضي الله تعالى عنه عن فراره
[ ١١٢ ]
بقوله:
الله يعلم ما تركت قتالهم حتى رموا فرسي بأشقر مزبد
ووجدت ريح الموت من تلقائهم في مأزق والخيل لم تتبدد
وعلمت أني إن أقاتل واحدًا أقتل ولا يضرر عدوي مشهدي
فصدفت عنهم والأحبة دونهم طمعًا لهم بعقاب يوم مفسد
وقال ابن الكلبي: إن حسان كان لسنًا شجاعًا، فأصابته علة له الجبن. فكان بعد ذلك لا يقدر أن ينظر إلى قتال ولا يشهده. وقال ابن عساكر: قال عطاء بن أبي رباح: دخل حسان على عائشة ﵄ بعدما عمي، فوضعت له وسادة. فدخل عبد الرحمن بن أبي بكر فقال: أتجلسينه على وسادة وقد قال ما قال؟ فقالت إنه؟ تعني كان يجيب عن رسول الله ﷺ، ويشفى صدره من أعدائه، وقد عمي وإني لأرجو أن لا يعذب في الآخرة. قلت: أراد عبد الرحمن ﵁، ما قاله حسان في قصة إلا فك، لأن الذين تحدثوا في شان عائشة ﵂. كانوا جماعة. وهم عبد الله بن أبي سلول، ومسطح بن اثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش. وقوله تعالى والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم. قال المفسرون: هو حسان بن ثابت ﵁، أو عبد الله بن أبي. وتاب الله على الجماعة إلا عبد الله السلولي، فإنه مات منافقا. وقيل لعائشة رضي الله تعالى عنها: لم تأذنين لحسان عليك؟ والله يقول. والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم. فقالت: وأي عذاب اشد من العمى. ولما أنشد حسان عائشة ﵄، شعره الذي منه قوله:
حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثي من لحوم الغوافل
قالت له: لكنك لست كذلك. وقعد صفوان بن المعطل، لحسان بسبب قصة إلا فك، وضربه بالسيف. وهذه القصة مذكورة في مواطنها من كتب التفسير والحديث، مستوفاة هناك. وقال حسان للنبي ﷺ، لما طلبه لهجو قريش: لأسلنك منهم سل الشعرة من العجين، ولي مقول ما أحب أن لي به مقول أحد من العرب، وإنه ليفري مالًا تفري الحربة. ثم
[ ١١٣ ]
أخرج لسانه، فضرب به أنفه، كأنه لسان شجاع بطرفه شامة سوداء، ثم ضرب به ذقنه، وقال: لأفرينهم فري الأديم فصب على قريش منه شآبيب شر. فقال: اهجهم كأنك تنضحهم بالنبل: فهجاهم. فقال رسول الله صلى اله عليه وسلم: لقد شفيت يا حسان وأشفيت. وعن النبي ﷺ. ذاك حاجز بيننا وبين المنافقين. لا يحبه إلا مؤمن. ولا يبغضه إلا منافق. وعن محمد بن سيرين. قال: كان يهجو النبي ﷺ، جماعة من قريش. عبد الله بن الزبعري، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعمرو بن العاص. فقال حسان: يا رسول الله إئذن لي في الرد عليهم. فقال النبي ﷺ: فكيف وهو مني. فقال: والله لأسلنك منه، كما تسل الشعرة من العجين. فقال رسول الله ﷺ: يا حسان، فأت أبا بكر فإنه أعلم بأنساب القوم منك. فأتاه فقال له. كف عن فلانة، واذكر فلانة، فقال حسان ﵁:
هجوت محمدًا فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء
فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء
أتهجوه ولست له بكفء فشر كما لخير كما لفداء
قلت: قال علماء الأدب. هذا أنصف بيت قالته العرب. ولما ورد وفد تميم على النبي صلى الله عليه وسل للمفاخرة. وقام خطيبهم الزبرقان. وقال ما قال. وقام خطيب النبي ﷺ ثابت بن قيس بن شماس. وقال ما قال. فأرسل النبي ﷺ إلى حسان، فجاءه فأمره أن يحييه على الأبيات العينية وهي مشهورة. قال حسان يحيبه عن ذلك. ثم قام عطارد بن حاجب. فقال:
أتيناك كيما يعلم الناس فضلنا إذا اجتمعوا وقت احتضار المواسم
بأنا فروع الناس في كل موطن وأن ليس في أرض الحجاز كدارم
فقام حسان ﵁ فقال:
منعنا رسول الله من غضب له على أنف راض من معد وراغم
هل المجد إلا السؤدد الفرد والندى وجار الملوك واحتمال العظائم
فقال الأقرع بن جابس: والله! إن هذا الرجل لمؤتىً له. والله! لشاعره أشعر من شاعرنا. ولخطيبه أمهر من خطيبنا. وأصواتهم أرفع من أصواتنا. اعطني يا محمد. فأعطاه. فقال: زدني. فزاده. فقال: اللهم إنه سيد العرب. فنزلت فيهم إن الذين
[ ١١٤ ]
ينادونك من وراء الحجرات. ثم إن القوم اسلموا. وفي حديث الرسول الذي وجهه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، إلى هرقل. أنه بعد ما ودعه. قال له: هرقل ألقيت جبلة ابن الأيهم؟ وكان قد دخل إليهم. وتنصر عندهم. وكان حسان، ممن يفد عليه ويمدحه بالشام. وله فيه تلك القصيدة اللامية. التي أولها:
أسألت رسم الدار أم لم تسأل بين الجواني فالنصيع فحومل
يقول فيها:
بيض الوجوه كريمة أحسابهم شم الأنوف من الطراز الأول
فقال له لا. فقال: القه. فجاء إليه. فوجد ما هو فيه من الرفاهية والعيش. والقصة مشهورة. فسأله عن حسان أحي هو. قال؟ نعم. فأمر له بمال وكسوة. ونوق موقرة برًا. ثم قال له: إن وجدته حيًا، فادفعها إليه. وإن وجد ميتًا، فادفعها إلى أهله. وانحر الجمال على قبره. فلما قدم الرسول على عمر ﵁. ذكر له حديث حسان. فبعث إليه فأتى، وقد كف بصره، وقائد يقوده. فلما دخل. قال: إني أجد ريح آل جفنة عندك. قال: نعم. هذا رجل أقبل من عنده. قال: هات يا ابن أخي ما بعث إلي معك. فقال: ومن أعلمك بهذا. قال: يا ابن أخي إنه كريم من عصبة كرام. مدحته في الجاهلية، فحلف أن لا يلقى أحدًا يعرفني إلا أهدى إلي معه شيئًا فدفع إليه المال والثياب. وأخبره بما كان أمره في الجمال. فقال: وددت لو كنت ميتًا فنحرت على قبري. وقال أبو عبيدة: فضل حسان الشعراء بثلاث. كان شاهر الأنصار في الجاهلية، وشاعر النبي ﷺ في الإسلام، وشاعر اليمن كلها، وكان اشعر أهل المدر. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: في سنة أربع وخمسين. توفي حكيم بن حزام، وحويطب بن عبد العزي، وسعيد بن يربوع المخزومي، وحسان بن ثابت. قال: ويقال إن هؤلاء الأربعة ماتوا وقد بلغ كل واحد منهم عشرين ومائة سنة. وقال الشيخ شمس الدين الذهبي: الذي بلغنا أن حسانًا، وأباه، وجده، وجد أبيه، عاش كل منهم مائة وعشرين سنة.
الحسن بن أبي الحسن
الدرزبيني بدال مهملة وراء وبعدها زاي وباء ثانية
[ ١١٥ ]