هذه من المسائل الغريبة إلا أن ابن الرفعة رحمه الله تعالى قال: في كلام الإمام ما يستنبط منه أن العمى مانع، فإنه يعني الغمام قال إن حفظ الأم للولد الذي لا يستقل ليس مما يقبل الفترات، فإن المولود في حركاته وسكناته لو لم يكن ملحوظًا من مراقب لا يسهو ولا يغفل لأوشك أن يهلك. ومقتضى هذا أن يكون العمى مانعًا، فإن الملاحظة معه كما وصف لا تتأتى. وقد يقال: فيه ما في الفالج إذا كان لا يلهي عن الحضانة وإنما يمنع الحركة. وأخبرني المولى الإمام الفقيه الفاضل القاضي تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب ابن العلامة أوحد المجتهدين قاضي القضاة تقي الدين أبي الحسن علي الأنصاري السبكي الشافعي ﵁ قال قد رأيت فيها نقلا في فتاوى عبد الملك بن إبراهيم المقدسي من أصحابنا وقال: إنه لا حضانة للعمياء، وهو نقل غريب جدًا، لم ينقله أحد. قال: وعبد الملك هذا فقيه كبير زاهد ورع فرضي سمع بهمذان أبا نصر بن هبيرة وبغيرها من البلاد. وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وثمانين وأربعمائة وببغداد رحمه الله تعالى.
قلت: كان إمامًا في الفرائض والحساب وقسمة التركات وإليه مرجع الناس في ذلك. طلبه الوزير أبو شجاع للقضاء فاعتذر بالعجز وعلو السن. وقال: لو كانت
[ ٤٠ ]
ولايتي متقدمة لاستعفيت منها وأنشد.
إذا المرء أعيته السيادة ناشئًا فمطلبها كهلًا عليه شديد
وكان يحفظ المجمل لابن فارس، وغريب الحديث لأبي عبيدة ولم يعرف أنه اغتاب أحدًا قط. وسمع من عبد الله بن عبدان وعبد الرحمن ابن أحمد الروياني.
ومنها ذكاته، تكره ذكاة الأعمى بالاتفاق، لاحتمال أنه يخطئ المذبح، فإن ذبح حل.
ومنها حل صيده بالكلب والرمي قياسًا على ذبحه. ومن منع احتج بأنه ليس له قصد صحيح، فصار كما لو استرسل الكلب بنفسه، وهذا المنع محكي عن أبي إسحاق: وقد أطلق الوجهين مطلقون والأشبه أن الخلاف مخصوص بما إذا دله بصير على أنه بحذائه صيد فرمى أو أرسل الكلب عليه بدلالته، ووجه الحل بأنه فعل ما فعل بدلالة بصير، فأشبه ما لو دله على القبلة، والمذهب المنع، والأصح التحريم، بخلاف القبلة لأن التوجه يسقط بالأعذار، وتجويز بناء الأمر فيه على الاجتهاد، وذلك بخلاف الصيد.
ومنها الإمام لا يجوز أن يكون أعمى. قال الرافعي رحمه الله تعالى: وينعزل بالعمى والصمم والخرس، ولا ينعزل بتمتمة اللسان ولا ثقل السمع. وقال الشيخ محيي الدين رحمه الله تعالى في شروط الإمامة: وهي كونه مكلفًا مسلمًا عدلًا حرًا ذكرًا عالمًا مجتهدًا شجاعًا ذا رأي وكفاية سميعًا بصيرًا ناطقًا قرشيًا. وقال قال الماوردي: عشا العين لا يمنع انعقاد الإمامة لأنه مرض في زمن الاستراحة ويرجى زواله وضعف البصر إن كان يمنع معرفة الأشخاص منع انعقاد الإمامة واستدامتها وإلا فلا.
قلت: ولهذا كان بنو بويه وغيرهم، إذا خلعوا الخليفة سملوه حتى لا يعود ترجى له الخلافة ولا انعقاد الإمامة كما فعل بأمير المؤمنين المتقي إبراهيم بن جعفر، وبأمير المؤمنين المستكفي بالله عبد الله بن علي، وبأمير المؤمنين الطائع عبد الكريم بن الفضل، وبأمير المؤمنين القاهر محمد بن أحمد. وكما فعل الإمام الناصر بابنه الإمام الظاهر محمد بن أحمد وحاول من فساد بصره ولم يقدره الله تعالى على ما سيمر بك في تراجم المذكورين.
ومنها لا يقتض من العين السليمة بالحدقة العمياء قطعًا لعدم المكافأة والتساوي،
[ ٤١ ]
فإن كل جارحة لها منفعة ومنفعة العين إدراك المرئيات، ولا إحساس بها للأعمى، فسقطت المكافأة. ألا ترى أن الفقهاء أوجبوا قطع جفن البصير بجفن الأعمى لأنهما تساويا في الجرمين.
ومنها الحدقة القائمة كاليد الشلاء لترددها بين البصيرة والعمياء، فلا تؤخذ الصحيحة بها وإن رضي الجاني، كما أنه لا يقتل المسلم بالكافر وإن رضي الجاني. وهل تؤخذ القائمة بالصحيحة؟ فيه وجهان، أحدهما لا، لعدم المكافأة والأصح أنه يراجح أهل الخبرة.
ومنها إذا جنى عليه جناية فأعماه كما إذا ضربه على رأسه فحدث له عمى. المذهب أنه يقتص منه، فإن تعذر وقال أهل الخبرة إنه يمكن القصاص اقتص منه. وإن قالوا يتعذر وجبت الدية، كما إذا جرحه موضحة فذهب بصره وشعر رأسه فاقتص المجني عليه في الموضحة فذهب بصر الجاني وشعر رأسه فاقتص المجني عليه في الموضحة فذهب بصر الجاني وشعر رأسه، نص في المختصر أنه استوفى حقه، ولو لم يذهب بصر الجاني ونبت شعره فعليه دية البصر وحكومة الشعر.
ومنها إذا جرى بصير وراء أعمى بسيف ووقع الأعمى في طريقه في بئر ضمن البصير، إذا كان الضرير لم يعلم أن هناك بئرًا.
ومنها استماع الأعمى من خصاص الباب حيث يسوغ رمي البصير في عينه إذا اطلع. قال ابن عقيل من أصحاب الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه في فنونه: هل يجوز ضربه في أذنه كما يضرب البصير في أذنه.
ومنها إذا قيل للأعمى: أترك الصلاة أيامًا فإنك تبصر مع العلاج، أو قيل له صل مستلقيًا إذا كان قادرًا على القيام وقال له ذلك طبيب موثوق بدينه وبعلمه جاز له الاضطجاع والاستلقاء على الأصح. ولو قال له: إن صليت قاعدًا مكنت مداواتك، قال إمام الحرمين: يجوز القعود قطعًا، ومفهوم كلام غيره أنه على وجهين.
ومنها الأعمى إذا تردى من مكان فوقع على غيره أو جذب أحد بيده، روى علي بن رباح اللخمي أن رجلًا كان يقود أعمى فوقعا في بئر ووقع الأعمى فوق البصير فقتله، فقضى عمر رضي الله تعالى عنه بعقل البصير على الأعمى، فكان الأعمى ينشد في الموسم
[ ٤٢ ]
يا أيها الناس لقيت منكرًا هل يعقل الأعمى الصحيح المبصرا
خرا معًا كلاهما تكسرا قال الشيخ موفق الدين الحنبلي رحمه الله تعالى، وبهذا الحكم قال أصحابنا وهو قول ابن الزبير وشريح والنخعي والشافعي وإسحاق قال: ولو قال قائل ليس على الأعمى ضمان البصير لأن البصير الذي قاده إلى المكان الذي وقعا فيه وكان سبب وقوعه عليه. وكذلك لو فعله قصدًا لم يضمنه بغير خلاف وكان عليه ضمان الأعمى لكان له وجه. إلا أن يكون لم يضمنه بغير خلاف وكان عليه ضمان الأعمى لكان له وجه. إلا أن يكون مجمعًا عليه فلا يجوز مخالفة الإجماع، ويحتمل إنما لم يجب الضمان على القائد لوجهين. أحدهما أنه ماذون فيه من جهة الأعمى فلم يضمن ما تلف له، كما لو حفر بئرًا في داره بإذنه فتلف بها. الثاني أنه فعل مندوب إليه مأمور به، قياسه ما لو حفر بئرًا في سابلة ينتفع بها المسلمون فإنه لا يضمن بما تلف فيها.
مسألة في حكم العمى في الأضحية، هذه المسألة لا تعلق لها بمسائل الأعمى، ولكن لها علاقة بالعمى من حيث هو. لا تجزئ الضحية بالعمياء ولا العوراء التي ذهبت حدقتها وإن بقيت فوجهان، الصحيح أنها لا تجزئ، وتجزئ العشواء على الصحيح لأنها تبصر نهارًا وهو وقت الحاجة إلى المرعى.
ومنها سقوط الجهاد عنه. لا جهاد على الأعمى وذلك بنص القرآن العظيم فيسقط الجهاد بالصبا والأنوثة والمرض والعرج والعمى والفقر.
ومنها لو نقب زمن وأعمى فأدخل الأعمى الزمن فأخذ الزمن المتاع وخرج به الأعمى يجب القطع على الزمن، وفي الأعمى وجهان، إذا حمل الزمن وأدخله الحرز فدل الزمن الأعمى على المال وأخذه وخرج به يجب القطع عليهما أولا يجب إلا على الأعمى فيه وجهان، أصحهما الثاني. وقال أبو حنيفة ﵁: لا قطع على واحد منهما لأنه خرج ولا شيء معه.
ومنها اصح الوجهين عند الأكثرين أن من نذر عتق رقبة وأطلق أجزأه عتق الأعمى. وصحح الداركي أنه لا يجزئ وهما مبنيان على أن النذر هل يسلك به
[ ٤٣ ]
مسلك واجب الشرع أو جائزه.
ومنها القاضي الأعمى، الصحيح من المذهب أنه لا يجوز أن يكون القاضي أعمى. وفيه وجه في جمع الجوامع للروياني اختاره القاضي شرف الدين بن أبي عصرون رحمه الله تعالى وصنف فيه جزأ واستمر على القضاء لما عمي. حجة الجمهور أنه لا يعرف الخصوم ولا الشهود. وحجة من جوز أن شعيبًا ﵇ كان أعمى فالقاضي بطريق أولى لأن النبي اشرف من القاضي. وقيل إن شعيبًا ﵇ لم يثبت عماه ولئن سلمنا عماه فإن الذين آمنوا معه كانوا قليلين. فربما أنهم كانوا لا يحتاجون إلى التحاكم بينهم، سلمنا أنهم احتاجوا إلى التحاكم لكن الوحي ينزل عليه بالحق في فصل القضايا، ولا كذلك القاضي. فلو عمي القاضي بعد سماع البينة وتعديلها، هل ينفذ قضاؤه في تلك الواقعة؟ فيه وجهان أحدهما لا، لأنه انعزل بالعمى.
ومنها المذهب أنه لا تقبل شهادة الأعمى إلا في موضعين. أحدهما أن يقول له إنسان في أذنه شيئًا فيعلقه ويحمله إلى القاضي فيشهد بما قاله، وقيل لا تقبل في هذه الحالة أيضًا. قال القاضي: ومحل الخلاف ما إذا جمعهما مكان خال وألصق فمه بخرق أذنه وضبطه فلو كان هناك جماعة وأقر في أذنه لم تقبل. والثاني فيما يشهد فيه بالاستفاضة كالموت والنسب لأن الشهادة إذا كانت على ذلك لم يؤثر فيها فقد البصر. وقال المحاملي: في قبول شهادته والحالة هذه نظر، من جهة أن المخبرين لا بد وأن يكونوا عدولًا، والأعمى لا يشاهدهم، فلا يعرف عدالتهم. وقال القاضي أبو الطيب كلام الأصحاب محمول على ما إذا سمع ذلك في دفعات مختلفة مع قول مختلفين في أزمان مختلفة حتى يصير لا شك فيه لكثرة تكراره على سمعه ويصير بمنزلة التواتر عنده. ولا يجوز التحمل إلا على هذا الوجه.
وقال الشيخ أبو علي كلامهم في شهادته بالنسب يتصور فيما إذا كان الشخص معروف النسب من جهة أبيه وأجداده وليس تعرف نسبته إلى قبيلة معينة فيشهد أن فلان بن فلان من بني فلان فتثبت هذه الشهادة من الأعمى فإنه نسب لا يحتاج إلى الإشارة دون ما إذا نسب شخصًا إلى شخص فإنه لا يجد إلى ذلك سبيلًا. وقد أضاف الأصحاب رحمهم الله تعالى إلى الصورتين صورة ثالثة وهي سماع شهادته في الترجمة
[ ٤٤ ]
على أحد الوجهين.
وقال. وأحمد ﵄ للأعمى التحمل والشهادة إعتمادًا على الصوت، كماله أن يطا زوجته ويميز بينها وبين غيرها بالصوت ونحوه. وهو مشكل فإن الأصوات تتشابه ويتطرق إليها التلبيس والتحيل. وأجاب الأصحاب رحمهم الله تعالى بأن الشهادة مبنية على العلم ما أمكن، والوطء يجوز بالظن. وأيضًا فالضرورة تدعو إلى تجويز الوطء ولا تدعو إلى الشهادة، لأن البصراء غنية عنه ولا تقبل شهادة الأعمى على الأجانب ولا على زوجته التي يطؤها لما سبق من تشابه الأصوات. وعن القفال أن مالكيًا سئل ببخارى عن شهادة الأعمى وقصدوا بذلك التشنيع عليه. فقال ما قولكم في أعمى يطأ زوجته وأقرت تحته بدرهم فشهد عليها أتصدقونه في انه عرفها حتى استباح بضعها وتقولون إنه لم يعرفها للإقرار بدرهم فانعكس التشنيع. وقال أبو حنيفة ﵁ لا تقبل شهادة الأعمى بحال مع تسليمه أن النكاح ينعقد بشهادة أعميين.
وأما رواية الأعمى: ففيها وجهان: أحدهما المنع لأنه قد يلبس عليه وقت السماع. والثاني أنها مقبولة إذا حصل الظن الغالب. واحتج له بأن عائشة وسائر أمهات المؤمنين ﵅ كن يروين من وراء الستر ثم يروي السامعون عنهن. ومعلوم أن البصراء والحالة هذه كالعميان، والأول أظهر عند الإمام وبالثاني أجاب الجمهور، وهذا الخلاف فيما سمعه بعد العمى أما ما سمعه قبل العمى فله أن يرويه بلا خلاف.
[ ٤٥ ]