من المُفِيد هنا - قبل أن أخوض في صُلْب المَوْضُوع - أن أعرض باختصار سِلْسِلة الكُتُب الّتي ألّفَت في نفس المَوضُوع الّذِي أَلَّفَ فيه السِّبْطُ كتابَه هذا مع إشارة خَفِيفة إلى مَنَاهج بَعض هذه الكُتُب ليتضح بذلك مَنْهج السِّبْط في كتابه هذا أكثر اتضاحًا، كما أَنَّ عَرْض هذه السِّلْسِلة يُعْطِينا فكرة عامَّة عن مَنْهج كتاب السبط وقيمتِه قبل أن أذكر مَنْهَجه وأهمِيتَه بشيء من التَّفْصِيل أثناء دِرَاسَة الكتاب.
لقد عُنِي عُلَماء الإسلام مُنْذ فَتْرة مُبَكِّرة بتألِيف الكُتُب الّتى تَتَنَاول رُواة الحَديث للاستفادة منها في بيان صَحِيح الحَديث وسَقِيمه، كَتَواريخ الإمام البُخَاري الثَّلاثَة والضُّعَفَاء له، وكتاب الطَّبَقَات لابن سعد، والجرح والتَّعْدِيل لابن أبى حاتِم، والثَّقات وكتاب المُجْرُوجين كلاهما لأبي حَاتِم ابن حبان، والثّقات لِلْعِجْلِي وابن شاهين، وغيرها، وهي كَثِيرة، وحينما وضعت الكُتُب السِّتَة في الحديث وهي: صحيح البُخَارِي، وصحيح مسلم، وجَامِع الترمذِي، وسُنَن أبي داود، وسُنَن ابن مَاجَه، وسُنَن النسائيّ اعتبرها جَهَابِذةُ المُحَدّثين دواوين الإسلام، فاشتَهَرتُ في بلاد الإسلام، وذَاعَ صيتُها بين الأنام، فَعُنوا بها، وبروايتها ورجالها، فألّفُوا الكُتُب المَعْنِيّة بِتَنَاول الرِّجال الواردين في أسانيد هذه الكتب، فألّف حافظ الديار الشامية أبو القاسم ابن عساكر (٤٩٩ - ٥٧١) كتابه المعروف "المعجم المشتمل على ذكر أسماء شيوخ الأئمة النَّبل" صغير الحجم كثير النفع على المنهج التال:
١ - اقتصر فيه على شيوخ أصحاب الكتب الستة دون الرُّوَاة الآخرين الواردين في الأسانيد.
[ ١ / ٣٥ ]
٢ - رَتَّب الكتاب على حروف المعجم، وابتَدَأ في حرف الهمزة بمن اسمه أحمد تبركًا بهذا الاسم، لأنّه من أسماء النبي ﷺ.
٣ - ذكر التراجم باختصار شديد، فذكر اسمَ المترجم ونسبته، ثم من رَوَي عنه من أصحاب الكتب الستة، ثم توثيقه إن وجد (^١)، ثم يذكر تاريخ وفاته إن وقع له، ويشير في نهاية الترجمة فيما إذا وقع له من حديثه ماكان موافقة أو بَدَلًا عاليًا أو نحو ذلك.
٤ - استخدم الرُّمُوز المعروفة لأصحاب الكُتُب السِّتَّة، وذلك تخفيفًا على الكاتب والطالب العَجِل.
ثم جاء بعده الحافظ أبو محمد عبد الغنيّ بن عبد الواحد المقدسيّ (٥٤٤ - ٦٠٠) فألّف كتابه "الكمال في أسماء الرجال" فتناول فيه رجال الكتب الستة، فإذا كان الحافظ أبو القاسم ابن عساكر أوّل من ألّف في شيوخ أصحاب الكتب الستة فإنّ الحافظ المقدسي أوّل من ألّف في جميع رواة الكُتُب السِّتَّة بما فيهم شيوخهم أيضًا.
أمّا منهج المقدسي في كتابه "الكمال في أسماء الرجال" فيمكن تلخيصه (^٢) بما يلي:
١ - حَاوَل أن يستوعب جميع رِجَال هذه الكُتُب غاية الإمكان، ولكنه مع ذلك صَرّح بأنّه لا يمكن دعوى الإحاطة بجميع ما فيها لاختلاف النسخ وغير ذلك من الأسباب الّتي تحول دون ذلك.
_________________
(١) ويقتصر على كلام النسائي في المترجم إن وجد في بعض كتبه.
(٢) هذا التلخيص مستقىً مما ذكره الدكتور بَشَّار عَوَّاد معروف في مقدمته لكتاب تهذيب الكمال حينما ذكر هذا الكتاب.
[ ١ / ٣٦ ]
٢ - ذكر أحوال هؤلاء الرجال حسب طاقته، وحَذَف كثيرًا من الأقوال طَلَبًا للاختصار.
٣ - استخدم عبارات دالّة على وجود الرجل في الكُتُب السِّتَّة أو في بعضها، كقوله: روي له الجماعة، إذا كان الراوى في الكتب الستة، وكقوله: متفق عليه إذا كان الرواي مِمَّن اتفق على إخراج حديثه البخارى ومسلم، وأمّا الباقي فَيُسَمِّيه تَسْمِيَةً.
٤ - ابتدأ كتابه بسيرة النَّبِيّ ﷺ مختصرةً جدًا، استغرقت صفحة واحدة في المخطوطة، وأتبع ذلك في فصل أقوال الأئمة في أحوال الرُّوَاة والثَّقَلة.
٥ - أفرد الصحابة عن باقي الرُّوَاة، فجعلهم في أوّل الكتاب، وبدأهم بالعشرة المبشرة لهم بالجنة، ثم رتب الرواة الباقين على حروف المعجم، إلّا أنّه قدم المحمدين لشرف هذا الاسم، ثم أتبعهم بِالنساء، إلا أنّه وَقَع في كتابه خَلَل وإغفال كبير، وذلك لعدم عناية المصنف له حق العناية، ولأنّه كان عملا بكرًا من نوعه، ولابد من وقوع الخلل في عمل هذا شأنه، ولذلك يقول المِزّيّ في مقدمته لتهذيب الكمال (١) … وهو كتاب نفيس، كثير الفائدة، لكن لم يَصْرِف مُصَنِّفُه ﵀ عنايتَه إليه حَقّ صرفها، ولا استقصى الأسماءَ الّتى اشتملت عليهما هِذه الكُتُب استقصاءًا تامًا، ولا تتبع جميع تراجم الأسماء الَّتي ذكرها في
[ ١ / ٣٧ ]
يبلغ في العلم مبلغه، ولا نَالَ في الحفظ درجته، فوقع في بعض ما اختصره بلفظه من كتاب والده خللٌ كَبيِرٌ ووهم شَنيِعٌ.
فلما رأى ذلك المِزّيُّ أرَادَ تهذيب كتاب المقدسي "الكمال … " وإصلاح ما وقع فيه من الوهم والإغفال، واستدراك ماحَصَل فيه من النقص والإخلال، فانكب في تأليف كتابه "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (^١) واستغرق في تبيضه وإعادة النظر النهائي فيه ثمانية أعوام إلاّ شهرًا، فجاء الكتاب "تهذيب الكمال" في هذه العظمة التى نرى فيها اليوم، فكتاب المِزَيّ يزيد في الكَمِّ والكيف على كتاب المقدسي "الكمال" ثلاثة أضعاف، لأنّ كتاب "الكمال" اشتمل على رُوَاة الكُتُب السِّتَّة فقط، فاستدرك المِزِّيّ ما فات المقدسيّ من رُوَاة هذه الكُتُب أوّلًا، وهم كثيرون، ثم أضاف إلى كتابه الرُّواة الوَارِدين في بعض مؤلَّفات أخرى لأصحاب الكُتُب الستة، ورمز لكل هذه الكتب رُمُوزًا، فَزَاد المزّيّ على الكُتُب الستة تسعة عشر كتابًا آخر لأصحاب الكُتُب الستة، كما أنّه أضَافَ جُمْلةً من التراجم للتمييز، وهى تراجم تتفق مع تراجم الكتاب في الاسم والطبقة، ولكن أصحابها لم يكونوا من رجال أصحاب الكُتُب الّتي اختارها المِزّيُّ من مؤلَّفات أصحاب الكُتُب الستة، ومن أراد التفاصيل أكثر في الموضوع فليراجع مقدمة المحقق الفاضل لكتاب تهذيب الكمال، فانّه فَصَّل ودَقَّق فكَفَى وشَفَي جَزَاه اللّه خَيْرَ الجزاء.
_________________
(١) وقد ظنّ بعض الناس أنّ "تهذيب الكمال" للمزّي اختصار من "الكمال، للمقدسي، ولعلهم انخدعوا من ظاهر اللَّفظ "تهذيب الكمال" صع أنّ معنى التهذيب في الأغلب على التنقية والاصلاح، والواقع يشهد أنّ تهذيب الكمال ليس باختصار للكمال، بل يزيد عليه فيِ المحتوى كَيْفًا وكَمًا، يقول المحقق الفاضل لكتاب تهذيب الكمال - وهو الذى دَرَس الكتابين وسَبَرهما أنّ تهذيب الكمال ثلاثة أضعاف الكمال كما في مقدمة تهذيب الكمال ١/ ٤٥.
[ ١ / ٣٨ ]
أمّا منهجه في كتابه تهذيب الكمال فكالتَّالي:
١ - لم يفصل المِزّيُّ الصَّحَابَة عن الرُّواة الآخرين، بل ذكر الجميع على نَسَق واحد، وابتدأ بالرِّجَال منهم، فوضع الصَّحَابة في مواضعهم من الترجمة، ورَتَّب الجميع على حروف المعجم في أسمائهم وأسماء آبائهم وأجدادهم، لكنه بَدَأ في حرف الهمزة بالأحمدين، وفي حرف الميم بالمحمدين لشرف هذين الاسمين، ثم رَتَّب في نهاية الأسماء فصول الكني، والأنساب، والألقاب، والمبهمات على الحروف المعجم أيضًا، وجعل النساء في آخر كتابه، ورَتَّبَهُنّ على الترتيب المذكور في الرجال، وقد بَرَّر ما فعله المِزّيّ بالأدلّة في مقدمة كتابه (^١)، فأفاد وأحسن.
٢ - عمل المِزيّ إحالات لِلأسماء الواردة بحسب شهرته أو وروده في كتب الحديث، كما أنّه أفاد من الفصول الّتي عملها في أواخر الكتاب، وهى فصول الكنى والأنساب، والألقاب، والمبهمات.
٣ - أبدع المِزّيّ في تنظيم التراجم، ولاسيما في شيوخ المترجم والرواة عنه بعد أن زاد فيهم زيادة كبيرة فاقت الأصل "الكمال" في أغلب الأحيان عدة مَرّات، فَنَظّم شيوخ المترجم والرواة عنه على حروف المعجم على نحو ترتيب الأسماء في الأصل، فَسَهَّل على المستفيد العَجِل الوُقُوفَ على بُغْيتِه ومَطْلُوبه.
٤ - استَخْدَم المزيُّ الرموزَ لكل الكُتُب الّتي تَناول رجالها بالترجمة وهى سبعة وعشرون رَمْزًا، وهى معروفة لدى المشتغلين بهذا العلم الشريف وهذه بعض الجوانب التي اشتمل عليها كتاب المزيّ، وفيه أشياء وأشياء، لايمكن
_________________
(١) راجع تهذيب الكمال ١/ ١٥٤، ١٥٥، ١٥٦.
[ ١ / ٣٩ ]
تجليتها وإبرازها في هذه العُجَالة، ومن أجل هذا أصبح كتاب المِزّيّ "تهذيب الكمال" أعظم كتاب في موضوعه من غير مدافع، ولذلك غَطَّى على كتاب المقدسِيّ "الكمال" فكل من جاء بعده جال حوله فتناوله جُمْلة من الحُفَّاظ والعُلَماء المعنيين بهذا الفَنْ استدراكًا أو تَعْقِيبًا أو تَلْخيِصًا، فألّف رافع السَّلامي المتوفى سنة (٧١٨) كتابه "الكني" المختصر من تهذيب الكمال في أسماء الرجال، وألّف الإمام الذَّهَبِي كُتُبَه الأربعة، تذهيب التهذيب، الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة، المُجَرّد من تهذيب الكمال، والمقتضب من تهذيب الكمال، كما أنّ الاندرشي أحمد بن سعد اختصر تهذيب الكمال، ذكر ذلك الذهبي في معجمه (^١)، ومن هذه السلسلة التي أُلّفَت حول تهذيب الكمال كتاب المغلطاي "إكمال تهذيب الكمال" وكتاب السبط ابن العجمي كتابنا هذا، وكتابا الحافظ ابن حجر "تهذيب التهذيب" وتقريب التهذيب" وكتاب الخزرجي "خلاصة تذهيب الكمال" وخير ما استدرك على المزي في كتابه هو الإمام علاء الدين مغلطاي ابن قليج المتوفى سنة (٧٦٢) بكتابه العظيم "إكمال تهذيب الكمال" فأغلب المَادَّة التَّاريخية الّتى أوردها المغلطاي هي مادّة إضافيّة على مادّة تهذيب الكمال، وقد صَرّح بذلك المغلطاي في مقدمة كتابه، فقال: وشرطي أن لا أذكر كلمة من كلام الشيخ (المزِّيّ) إلّا اسم الرجل وبعض نَسَبه، ثم آتي بلفظة قال، أو في معناها من هناك، وثم الزيادة وإن كان في كلامه شيء مِمَّن لا يَعْرَى منه البَشَر ذكرتُ لفظَه، وقلتُ: فيه نظر، وبَيَّنتُه بالدَّلائل المُوجَزَة الوَاضِحة مبلغ علمي بعزو كل قول إلى قائله ..، وبهذا المنهج أطَالَ المغلطاي النَّفَس فيه، فجاء كتابه "إكمال تهذيب الكمال" في حجم كتاب المزيّ أو قريبًا
_________________
(١) المعجم المختَصّ ص: ١٩ برقم (١٥).
[ ١ / ٤٠ ]
منه، ثم اختصر كتابه هذا في حدود مجلدين، وسَمَّاه "التَّنْقِيب من تهذيب الكمال ثم اختصر المختصر، وسَمّاه "تقريب التنقيب" وَمع هذا كله يعترف المغلطاي بكل وضوح فضل من تقدمه في هذا المجال، فيقول في المقدمة مَادِحًا أبا محمد المقدسي في تأليف كتابه "الكمال" إنّ أبا محمد ﵀ هو الذى نَهَج للنّاس هذه الطريق، وأخرجهم إلى السعة بعد الضيق، فكان الفضل للمتقدم … ثم قال في شأن كتاب المزّيّ "تهذيب الكمال" في المقدمة أيضًا: إنّه كتاب عظيم الفوائد، جم الفرائد، لم يُصَنَّف في نوعه مثله … وقال في موضع آخر من المقدمة: إنَّ كتاب التهذيب صَارَ حَكَمًا بين طائفتي المحدثين والفقهاء، إذا اختلفوا قالوا: بَيْنَنا وبَيْنَكم كتاب المِزّيّ. هذا من تواضع المغلطاي الجَمّ وأدَبِه البالغ مع أسلافه، وأكتفي بهذا القدر من التمهيد، وآتي إلى صلب الموضوع وهو دراسة كتاب "نهاية السّول في رواة السِّتَّة الأصُول".
وستكون هذه الدراسة في عِدّة نكات:
١ - بيان السبب الباعث على تأليفه:
(أ) قال المصنف في المقدمة: فلما كان كتاب "تهذيب الكمال" لشيخ شيوخنا الحَافِظ الجهبذ جَمَال الدِّين أبى الحَجّاج يُوسُف بن الزَّكيّ عبد الرحمن المزِّيّ كتابًا جَلِيلًا، مستوعبًا طويلًا، لَيْس ببلدتنا الآن منه نسخةٌ، ولا يقدر على تحصيله إلّا من بَذَل في ذلك جُهْدَه ووُسْعَه، وكتاب "الكمال" للحافظ عبد الغني المقدسِي طويلًا أيضا، وفيه أغاليط، وقد أهمل أشخاصًا لهم روايةٌ في بعض الكُتُب الستة، نَبَّه عليها المِزِّيّ، وذكر ما أهمل في تهذيبه، وزاد مُصَنّفات للأئمة السِّتَّة، فحصل من مجموع مِمّا أغفله عبد الغَنِيّ، والمُصَنَّفات الّتى زَادَها المِزّيّ للأئمة المشار إليهم زيادة على أَلْفٍ وسبعمائة اسم، بَرَّد اللّه ثَرَاهُما، وجَعَلَ
[ ١ / ٤١ ]
الجَنّةَ مأواهما، وكتاب "التَّذْهِيب" اختصار التَّهْذيب للحافظ أبى عبد اللّه الذَّهَبيّ شيخ شيوخنا كتابًا جَليلًا غير أنّ فيه طُولًا أيضًا، وكتاب "الكاشف" مختصره له ذكر فيه رُوَاة الكتب الستة فقط، وكثيرًا ما لا يذكر فيه تَعْدِيلًا ولا تَجْرِيحًا، وَلا وفاة بعض الشُيُوخ، لا رَمْزًا ولا تصريحًا، وكان شَيْخُنَا العِرَاقيّ قد شَرَع في عمل كتاب يحتوي على أسماء رُوَاة الكُتُب السِّتَّة - وفيه استدراكات على المِزِّيّ وفوائد ..، وذلك لسؤالنا - وصل فيه إلى أثناء الأحمدين، وقد قرأت بعض ذلك عليه، ثم تركه قبل خروجنا من القَاهِرة في الرِّحْلة الثانية، أَحْبَبْتُ أن أؤلّف كتابا جامعًا، لا طَويلا مُمِلًا، ولا مختصرًا مُخِلًا …
فقد أبان المصنف عن السبب الباعث له على تأليف هذا الكتاب، وهو أن كتاب المِزّيّ والذّهبي "التذهيب" مع جلالتهما فيهما طُولٌ، وكتاب عبد الغنّي المقدسيّ طويل أيضًا مع ما فيه بعض الأغاليط وإهمال بعض الرُّوَاة الموجودين في الكُتُب السِّتَّة الَّتي نَبَّه عليها المِزّيّ، وأمّا كتاب "الكَاشِف" ففيه اختصار شَديِد، فكثيرًا ما لا يُذكر فيه تَوثيقٌ وَلا تَجْريح ولا وفاة بعض الشيوخ …
(ب) يبدو من قراءة مقدمة المؤلف بِالتَّمَعُّن أنَّ هُنَاك سَبَبًا آخر أيضًا لتأليف الكتاب غير السبب الّذِي ذكره المؤلّف صَرِيحًا، وهو أنّ المؤلّف كان له مؤاخَذَات على بعض من تَقَدّمه، ومُنَاقَشَات مع بعضهم، كما أنّ المُؤلّف يَرَى بعضَ النَّقَائص الطَّفيِفة في مؤلّفات من قبله في هذا المجال، ولكن تأدبه البَالغ مع الأسْلاف لم يسمح له بنقدهم بِصريح القول، فذكر بعض ما تَمّيَز به كتابه - وسيأتى ذكر هذه الميزات - عن مؤلّفات السابقين، فخُلُوّ مؤلّفاتِ الآخرين من هذه الصِّفَات الّتي تَحَلّى بها كتاب السِّبْط سَبَبٌ آخر لتأليف هذا الكتاب، والله أعلم.
[ ١ / ٤٢ ]
٢ - بيان مَنْهَج المؤلِّف في كتابه.
(أ) منهجه فيمن سيترجم له.
(ب) منهجه في الترجمة نفسها.
أمّا منهجه فيمن سيترجمه فهو أنّ المؤلّف يترجم رُوَاة الكُتُب السِّتّة، ومَنْ عَلّق له الإمام البُخَارِيّ في صحيحه، أو روى له في المُتَابَعَات، أو قَرَنَه فقط، وكذا "م" ومن هو في مُقَدّمة صحيح مسلم، أو عمل اليوم واللّيلَة للنسائيّ، ولم يُتَرجم لبقية رُوَاة المؤلَّفَات لأصحاب الكُتُب السِّتَّة، ويترجم مع هَذَا لبعض من يشتبه بالواحِد منهم، ويكتب في أوّل من يشتبه ما صورته "تمييز" فَمَنْهُجه في كتابه كَمَنْهج الذَّهَبِيّ في "الكاشف" يقتصر على تراجم رِجال السِّتَّة الأصُول فقط، ويختلف عنه باعتباره "عمل اليوم واللّيلة" للنسائي جزءًا من سُنَنِه الكُبَرى، وكلاهما يترجمان لرجال للتمييز في كتابيهما، إلّا أنّ الّذين يترجمهم السبط للتمييز في كتابه أكتر مِمَّن ترجمهم الذَّهبي في الكاشف، هذا وقد ترجم السبط في كتابه هذا ما زَادَه مغلطاي من رجال، لم يذكرهم المِزّيّ مِمَّنْ له رواية في بعض الكُتُب السِّتَّة كما ذكر، ذكر ذلك المؤلّف في مقدمة كتابه، وكتاب "الكاشف" خال من تراجم هؤلاء الَّذيِن زَادَهم المؤلّف من كتاب المغلطاي انظر مثال ذلك ترجمة "أحمد بن زنجويه" برقم (٣٤).
أمّا منهجه في الترجمة نفسها فهو أنّ المؤلف يذكر اسم المترجم ونسبه باختصار ويذكر نِسْبَتَه وكنيته إن وُجِدَتَا، ويذكر فوق اسم المترجم رموزَ مخرجي حديثه، ثم يذكر بعض شيوخ المترجم وبعد ذلك يذكر بعض من رَوَى عن المترجم، وليس له أيّ اصطلاح أو قاعدة في ذكر الشيوخ، فلا يشترط أن يكونوا من رجال الكُتُب السِّتَّة ولا أن يكونوا من كبار شُيُوخِه، وَلا أن يكونوا
[ ١ / ٤٣ ]
ثقاتٍ، وكذا لم يلتزم الترتيب الهجائي في ذكر الشيوخ كما التزمه المِزّيّ في كتابه، وكذا ليس له أيّ اصطلاح في ذكر من رَوَى عنه أيضًا، ثم بعد ذلك قد يذكر ببعض أخباره من مناقب، مآثر علميَّة أو عَمَلِية أو غير ذلك مِمّا يُلقِي ضوءًا على صفات الرجل، ولكنه لا يكثر من ذلك تمشيًا مع طبيعة الكتاب، ولكنه يهتم بذكر ما قيل في المترجم من تعديل أو تجريح أو هما معًا مع ملاحظة الاختصار في ذلك أيضًا، ولذلك كثيرًا ما يَقُول - إذا لم يجد في المترجم كلامًا لأحدٍ -: لم أَرَ لهم فيه كلامًا أو يقول: لم أر لأحد فيه كلاما فأذكره، كما في التراجم بأرقام ١٥، ١٨، ١٥٦، ٢٠٦، ٢٢٩ وغير ذلك، ويذكر في المترجم بعضَ ما استُنكر من حديث الرجل، إن كان المتقدمون ذكروا ذلك، ويهتم اهتمامًا بَالِغًا بذكر تاريخ وفاة المترجم، لما له أهميّة قُصْوَى عند المحدثين لتوقف حكم الرواية عليه بالاتّصال أو الانقطاع، فإذا لم يجد فيه تاريخ الوفاة بالتحديد، يقرب بعبارات مختلفة، كقوله: مات قبل سنة (٢٥٠) كما في ترجمة برقم (٢١) وكقوله: بقي إلى بعد الستين ومأتين كما في ترجمة برقم (٣١) وكقوله: كان حَيًّا سنة (كذا) كما فيه ترجمة برقم (١٤، ١٥) وكقوله: توفي بعد سنة (٢٤٠) كما في ترجمة برقم (٨٦) وفي تقريبه بهذه العبارات فيه فوائد كثيرة، لا تخفى على المشتغلين بهذا العلم، ولذلك آخَذَ المُصَنّف في مقدّمة كتابه الإمامَ الذَّهَبِيّ على عدم اهتمامه بهذا الجَانبِ في الكَاشف، فقال: وكتاب "الكاشف" مختصره - أي مختصر تذهيب التهذيب - وكثيرًا ما لا يذكر تعْديِلًا ولا تجريحًا، ولا وفاة بعض الشيوخ رَمْزًا ولا تَصْريحًا انتهى.