استَفَاد البُرْهَان من شُيُوخ كَثِيرين من عُلَماء حَلَب، وحماة، ودمشق، وحمص، ومصر، والبُلْدَان الأخْرَى الّتي دَخَلها، ويبدو أنّ "ثَبْتَه" الّذِي كَتَبه بِخَطّه و"مُعْجمه" الّذي ألّفه تلميذه النَّجم عُمر بن فهد يحتويان على جَمِيع شُيُوخِه سَمَاعًا وإجَازَةً، إلّا أني لم أعْثر ولم أطَّلِع على هَذَين الكِتَابَين، يقول السخاوى: - قرأتُ بِخَطّه - مشَايِخِي في الحديث نحو المأتين، ومن رَوَيْتُ عنه شيئًا من الشِّعْرِ دون الحَديث بِضْعٌ وثَلَاثون، وفي العُلُوم غير الحديث نحو الثلاثين، وقد جَمَع الكُلّ من شُيْوخ الإجازة أيضًا صَاحِبُنَا النَّجْم ابن فهد الهاشمي في مُجَلدّ ضَخْم، بَيَّن فيه أَسَانِيْدَه، وتَرَاجم شُيُوخهِ، وانتفع بثَبْت الشيخ في ذلك، وفَرِح الشَّيْخُ به، لكونه كَانَ أوّلا في تَعْب بالكشف من الثَّبتِ (^١) وقد أشاد بثبته الّذِي عَمِله السِّبْط لنفسه تلميذُه تَقِي الدِّين بن فهد، فقال: وثَبْتُه بِخَطَّه الَّدقيق المَلِيح في مجلد ضَخْم، وهو كثير الفوائد (^٢) كما أنّه مَدَح مُعْجَمه الّذي ألّفَه ابنه عُمر ابن فهد -وهو من تَلَامِذة السِّبْط أيضًا - فقال - أي تقي الدين ابن فهد: وشُيُوخُه بِالسَّمَاع والإجازة يَجْمَعُهم مُعْجَمه الّذي خَرّجه ابني نَجْم الدِّين أبو القَاسم محمد المَدْعُو بِعُمرَ نَفَعه اللّه تَعَالى ونَفَع به، سَمَّاه "مورد الطَّالِب الظَّمِي من مَرْوِيّات الحَافِظ سِبْط ابن العَجْمِي" بمكة المُشَرّفَة المُبَجَّلَة، لما قَدِم من رحلته، أرْسَل به إليه صُحْبَة الحَاج الحَلَبِي في موسم سنة تسع وثلاثين وثمانمائة (^٣) ووصفه فَقَال: "في مُجَلّد ضَخْمٍ وهو كَثِير الفوائد.
_________________
(١) الضوء اللَّامع ١/ ١٤٠.
(٢) لحظ الألحاظ ص: ٣١٢.
(٣) لحظ الألحاظ ص: ٣١٢ أيضًا.
[ ١ / ١٣ ]
وقال ابن طُولُون: من أرَاد مَعْرَفة مَشَايخهِ وتراجمهم ومَسْمُوعاتهم فليراجِعْه، لينظر العَجَب العُجَاب (^١).
وفيما يلى أذكر تراجم مختصرة لبعض شُيُوخِه.
١ - البُلْقِينيّ هو عُمَر بن رسلان بن نَصِير بن صَالح بن شهاب بن عبد الخالق أبو حَفْص، شيخ الإسلام، وعَلَم الأعْلَام، مفتي الأنام سِرَاج الدّين وُلد في ثَانِي عشر شَعْبان سَنة أربع وعشرين وسبعمائة، قال التَّقِيّ ابن فهد: هو إمامُ الأئمة، وعَلَمُ الأمّة، حَازَ كُلّ الفَخْر، وهو أعْجُوبة الدَّهْر، خَاتِمة المُجْتَهدين ومن دان لِفَضْله كُلّ عَالِم من أئمة الدّين، شيخ الوقت، وحُجَّتُه وإمامُه ونَادِرَتُه، فَقِيه الزَّمَان بالاتفاق، وشيخ الإسلام على الإطلاق، أعْلَم أهل عصره بجميع العُلُوم، وأدْرَاهم بالمَنْطُوق والمَفْهوم، مفْتي الأنَام ومَلِك العُلَماء الأعلام، عَوْن الإسلام والمسلمين، وحُجّة اللّه تَعَالى على الخَلْق أجمعين، ومات ﵀ في عَاشِر ذي القعدة سنة خمس وثمانمائة (^٢).
٢ - الحَافِظ العِرَاقي عبد الرَّحيم بن الحُسَين بن عبد الرَّحْمن أبو الفضل الكردِي المِصْرِي المَعْرُوف بِالعِرَاقِي.
وُلِدَ في الحَادِي والعِشرين من شهر جُمَادَى الأُوْلَى من سنة خمس وعشرين وسبعمائة بمنشية المهراني، وتَرَبَّى بَيْن أَبَوين كَرِيمَيْن صَالِحَين، فَنَشَأ نشأةً صالِحةً، قال الحَافِظ ابن حجر: صَارَ المَنْظُور إليه في هذا الفَنّ (فَنّ الحديث) من زَمَن الشيخ جَمَال الدِّين الإسْنَوِي وهَلُمّ جَرًّا، ولم نَرَ في هَذَا الفَنّ
_________________
(١) مقدمة المحقق للكاشف ١/ ١٠٤.
(٢) له ترجمة رائعة في لحظ الألحاظ ص: ٢٠٦ وما بعده، والمجمع المؤسس ٢/ ٢٩٤ (٦٦) وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٤/ ٣٦ والضوء اللَّامع ٦/ ٨٥ وغيرها.
[ ١ / ١٤ ]
أتْقَن منه، وعليه تَخَرَّج غالب أهل عَصْره، ومن أخَصِّهم به صِهْرُه شَيَخُنا نُور الّدين الهَيْثَمِي … وقال ابن فهد: كان ﵀ إمامًا مُفنَّنًا حَافِظًا ناقِدًا مُتْقنًا، قَرَأ بالروايات السبع، وَبَرِع في الحديث مَتْنًا وإسنادًا وصَارَ المُشَار إليه في الدِّيار المِصْرِيّة بالحفظ والإتقان والمَعْرفة، توفي ثامن شَعْبان سنة ست وثمانمائة (^١).
٣ - الهَيْثَمِيّ هو الحافظ عَلِيّ بن أبي بكر بن سُلَيمْان بن عُمَر بن صَالح أبو الحسن الهَيْثَمِي نُور الدين، وُلِد سَنَة خمس وثلاثين وسبعمائة وصَحِب شَيْخَه العِرَاقِي، ولَازَمَه أشَدَّ مُلَازَمةً، وسَمِع جَمِيع مَسْموعات الشيخ، يقول تَقِيّ الدِّين بن فهد: كان رَحْمة اللّه تَعَالَى عليه إمَامًا عالمًا حَافِظًا وَرِعًا زَاهِدًا مُتَقشِّفًا مُتَوَاضِعًا خَيِّرًا هَيِّنًا ليِّنًا سَالكًا سَلِيم الفْطرة شَديِد الإنكار لِلْمُنْكر، كَثير الاحتمال، مُحِبًا للغُرَبَاء وأهل الدِّين والعلْم والحديث كثير التَّوَدُّد إلى النَّاس مع العبِادَة والاقتصاد والتَّعَفّف …
وتوفي ﵀ في التَّاسِع والعِشرِين من شَهر رَمَضان سَنَة سَبْعٍ وثمانمائة (^٢).
٤ - ابن المُلَقِّن هو الحَافِظ عُمَر بن عَلِيّ بن أحمد بن محمد الأنْصَارِيّ سِرَاج الدِّين، وُلِد سَنَة ثلاث وعشرين وسبعمائة، وعُنِي بالطَّلَب في صِغَرِه، قال الحافظ ابن حجر: اشتَغَل بالتَّصنْيف وهو شاب، فكَتَب الكثير، حتى كان أكثر أهل عَصْره تَصنيفًا، وقال التَّقِيّ ابن فهد المكّي: هو من أعْذَب النَّاس لَفْظًا،
_________________
(١) إنباء الغُمر بِأبناء العُمر ٢/ ٢٧٥ والمجمع المؤسس ٢/ ١٧٦ (١٣٨) ولحظ الألحاظ ص: ٢٢٠ والضوء اللَّامع ٤/ ١٧١ وطبقات الحفاظ للسيوطي ص: ٥٣٨.
(٢) لحظ الألحاظ ص: ٢٣٩، والمجمع المؤسس ٢/ ٢٦٣ (١٥٤) والضوء اللَّامع ٥/ ٢٠٠، والدليل الشافي ١/ ٤٤٦ والشذرات ٧/ ٧٠.
[ ١ / ١٥ ]
وأحْسنهم خُلُقًا، وأجْمَلهم صُورَةً، وأفكههم مُحَاضَرَة، كَثير المُرُوءَة والإحْسَان، والتَّوَاضُع والكلام الحسن لكل إنسان، كثير المحبَّة للِفُقَراء … وقال ابن حجر أيضًا: هؤلاء الثَّلاثة: العِرَاقي والبُلقِيْنِي وابن المُلَقِّن كَانُوا أعْجُوبة هذا العَصْر على رأس القَرْن، الأوّل في معرفة الحديث وفُنُونِه، والثاني في التوسع في معرفة مَذْهب الشَّافِعيّ، والثالث في كَثْرة التَّصَانِيف، وقُدِّر أنّ كل واحد من الثلاثة وُلِد قبل الآخر بِسَنَة، ومَاتَ قبله بِسَنَة … (^١).
٥ - اليَاسُوفِيّ سُلَيمان بن يُوسُف بن مُفْلِح بن أبي الوَفَاء المقدسِيّ صَدْر الدِّين أبو الرَّبِيع وأبو الفضل، قال الحافظ ابن حجر: وُلِدَ سَنَة (٧٣٩) تَقْريبًا، حَفِظ التَّنْبِيه، وبَرع في مَذْهب الشَّافِعِيّ، وقَرَأ في المَعْقُول، واشتَغَل في عِلْم الحَدِيث، فَبَرع فيه، وكان يَتَوقَّدُ ذَكَاءًا، وَقَال التَّقِيّ ابن فهد: كَانَ عَالمًا بِجميع الأنْوَاع العَالِي والنَّازِل وأسْمَاء الرِّجَال وطَبَقَاتِهم، والجَرح والتَّعْدِيل مع الزُّهد والقَنَاعَة بالكفاف، والإيثار لإخوانه، نَاظِرًا في العَوَاقِب … إلى أن قال: كان من مَحَاسِن الدَّهْر لم تَرَ العُيُون في بَابه مثله، توفي ﵀ في الثالث والعِشرِين من شَعْبَان سَنَة تِسع وثمانين وسبعمائة (^٢).
٦ - عبد العَزِيز بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم بن العَجْمِيّ، سَمِع من أبي بكر بن العَجْمِيّ، قال الحافظ ابن حجر: كان خَيِّرًا مُنْقَطِعًا عن الناس، يَرْتَزِق من مَكان مَوقُوف عليه وحَدَّث، سَمع منه البُرْهَان الحَلَبِيّ، وَمَاتَ رَاجِعًا من الحَجّ في ثَالِث مُحَرَّم سنة (٧٨٠) (^٣).
_________________
(١) المجمع المؤسس ٢/ ٣١١ (١٦٧) ولحظ الألحاظ ص: ١٩٧ والطبقات لابن قاضي شهبة ٤/ ٤٣ والضوء اللامع ٦/ ١٠٠ وذيل طبقات الحفاظ ص: ٣٦٩ وغيرها.
(٢) لحفظ الألحاظ ص: ١٧٣، والدُّرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ١/ ٢٦٢ (١٨٦٩).
(٣) الدرر الكامنة ٢/ ٤٨٢ (٢٤٣٤).
[ ١ / ١٦ ]
٧ - هَاشِم بن عُمَر بن محمد الحَلبِيّ ابن العَجْمِيّ أخو عائشة بنت عُمَر.
ذكره ابن فهد في شُيُوخ السِّبْط، وترجم له الحافط في الدُّرَر الكَامنَة مُخْتصرًا، وقال: مَاتَ سَنَة بِضْعٍ وسَبْعِين وسبعمائة (^١).
٨ - عائشة بنت عُمَر بن محمد ابن العَجْمِيّ والدة المُؤَلِّف البُرهَان سِبْط ابن العَجْمِي، كانت امرأةً صَالِحةً، سَمِعت على إبراهيم بن صَالح ابن العَجْمِي زَوْج عَمَّتِها، سمع منها ابنُها البُرهَان سبْط ابن العَجْمِيّ، ومَاتَتْ في خَامس رَجَب سنة (٧٨٩) (^٢).
٩ - عُمَر بن إبراهيم بن عبد اللّه ابن العَجْمِيّ، وُلِدَ سَنة (٧٠٤) في جمادى الآخرة، وأخَذَ عن البَارِزِي وأبي بكر أحمد بن محمد العَجْمِي وغيرهما، سَمِع منه الإمام الذَّهَبِيّ والسِّبْط ابن العَجْمِي وغيرهما، قال ابن قَاضِي شُهْبة: ذكره قَرِيبُه الحافظ بُرهَان الدِّين في مَشِيخَتِه، وبَسَط تَرْجمتَه، وقَرَأ عليه الكَثيِر، قال: وهو أوَّل من انتَفَعْتُ به في هَذَا الشأن، وَكَانَ إمامًا بَارِعًا، فقيهًا متقنًا عَلّامة مُحَدِّثًا، عَالِمًا بالأصْلَيْن وغير ذلك، وله فَوَائد كَثِيرة في كُلّ فَنٍّ … وتوفي في ربيع الأوّل سَنَة سبع وسبعين (^٣).
١٠ - الفيروزآباديِ هو مَجْدُ الدِّين محمد بن يَعْقُوب بن محمد بن إبراهيم أبو طَاهِر، مَوْلِده سنة تسع وعشرين وسبعمائة، وكان إمِام عَصْرِه في اللُّغَةِ، قال ابن القاضِي شُهْبَة: ذَكَرَ له الحَافِظ بُرَهان الدِّين (سِبْط ابن العَجْمِي) في مَشِيْخَتِه ترجمة طويلة وقال: كَانَ في اللُّغَة بَحْرُ علم لايكدِرُه الدِّلَاء، وألَّفَ فيها تَوَالِيف حَسَنَة، وكان مُعَظَّما عند المُلوك … وكان سَرِيع الحِفْظ، يُحْكَي عنة
_________________
(١) الدرر الكامنة ٥/ ١٧٤ (٤٩٦١) ولحظ الألحاظ ص: ٣١٠.
(٢) الدرر الكامنة ٢/ ٣٤١.
(٣) المعجم المختص للذهبي ص: ١٧٩ والدرر الكامنة ص ٣/ ٢٢١ والطبقات لابن قاضي شهبة ص ١٤٥.
[ ١ / ١٧ ]
أنّه كان يَقُول: مَا كُنتُ أنَام حَتّى أَحْفَظَ مائتي سَطْر وتوفي ﵀ في شَوَّال سَنَة سَبْع عشرة وثمانمائة، وهو مُمَتَّع بِحَوَاسِّه، وقد نَاهَز التسعين (^١).
تلامذته:
يُقَال في تَلَامِذَتِه الَّذِين أخَذُوا عنه ما يُقَال في شُيُوخِه الذيِن هو أخذ عنهم: إنّهم من الكثرة بمكان بحيث لا يمكن حصرهم في هذه العُجَالَة، والَّذِي يُرِيد أن يَقف على عَدَد كبير من تَلَامِذَتِه فعليه بالتَّتَبُّع في الضَّوءِ اللَّامع، لأنّ كَثِيرًا مِن رِجَال القَرْن التَّاسِع قد استَفَادُوا من عُلُوم المُحَدِّث البُرهَان، وتَتَلَمَّذُوا عليه، وفيما يَلِي أكتَفي بتراجم مُخْتَصرة لبعض أبرز وأشهر تَلَامِذته.
١ - الحَافِظ ابن حَجر هو أحمد بن عَلِيّ بن محمد بن محمد بن عَلِيّ العَسْقَلَانِي المِصْرِيّ.
وُلِد في ثَالِث عشري رَمَضان سَنَة ثلاث وسَبْعين وسبعمائة بمصر، ونَشأ يتيمًا، لأنَّ وَالِدَه مَاتَ بعد ولادته بأربع سَنَوات، وشُهْرَتُه تغني عن الإطَالة في ترجمته وقد قال مُعَاصِرُه وتلميذُه النَّجْم ابن فَهْد بعد مَدْح طَوِيل: فلو حَلَفْتُ بين الركن والمَقَام أنِّي مَا رَأَيتُ بِعَيْنَيّ مثْلَه، ولَمْ تَرَعَيْنُ مَنْ رَآه مثَلَه، وَلَا رَأت عَيْنُه مِثْلَ نَفْسِه لَبَرَرْتُ، وذكر السّخَاوِيّ أنّ البُرهَان المُحَدِّث كان مَقْصُودَ الحافظ ابن حَجَر في رِحْلَتِه إلى حَلَب، ونقل قوله: لم أشُدّ الرحل ولا استَبَحْتُ القَصْرَ إلّا للُقِيِّه، مَاتَ ﵀ ثَامِن عشري ذي الحجة سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة، وقد ألفّ في ترجمته تلميذُه السَّخَاوِي كتَابًا ضخما سَمّاه بِالجَوَاهِر والدُّرَرْ في ترجمة شَيْخ الإسلام ابن حجر (^٢).
_________________
(١) المجمع المؤسس ٢/ ٥٤٧ (٢٦٣) والطبقات لابن قاضي شهبة ٤/ ٧٩ والعقد الثمين ٢/ ٣٩٢ والدليل الشافي ٢/ ٧١٣ والضوء اللّامع ١٠/ ٧٩ وبغية الوعاة ١/ ٢٧٣ وغيرها.
(٢) الجَواهِر والدُرر، طبع المجلس الأعلى للشؤن الإسلامية (١٤٠٦ هـ) (الجزء الأوّل) ومعجم الشيوخ لابن فهد ص: ٧٠ (٣٥) والضوء اللَّامع ٢/ ٣٦ والبدر الطالع ١/ ٨٧ وغيرها.
[ ١ / ١٨ ]
٢ - ابن نَاصِر الدِّين هو محمد بن عبد اللّه بن محمد بن أحمد بن مًجَاهِد القَيْسِيّ الشَّافِعِيّ، ولد في العشر الأوّل من المُحَرَّم سنة سبع وسبعين وسبعمائة بدمشق، ونَشَأ بها، قال ابن فَهْد: كَانَ إمامًا عَلَّامةً، حَافِظًا، كَثِير الحَيَاءِ، سَلِيم الخَاطِر، حَسَن الأخْلَاقَ مُتَوَاضِعًا للِخَاصّ والعَامّ مَحْبُوبًا عِنْدَ النَّاس، حَسَن البِشْر وَالوُدّ، لَطيِف المُحَاضَرَة والمُحَادَثَة، كَثير المُدَارَاة، شَدِيد الاحتمال، قَلّ أن يُوَاجِه أحَدًا بما يَكْرَهُه، ولو أذاه، ذَا مُرُوءَةٍ غَزِيرةٍ وإفُضَال جَزِيل خَاصَّة لأصحابه، توفي ﵀ في رَبيع الآخر سَنَة اثنتين وأربعين وثمانمائة (^١).
٣ - ابن فَهْد الأب هو تَقِيّ الدِّين محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد اللّه أبو الفَضْل ابن فَهْد المَكِّيّ، وُلد في رَبِيع الثِّانِي سَنَة سَبْع وثمانين وسبعمائة بأصفون من صَعِيد مصر، ثم انتقل به أبوه إلى مَكّة سنة خمس وتسعين، وأوَّل طَلَبه سنة أربع وثمانمائة، فَسَمِع الكَثِير من شُيُوخِ بَلَدهِ، والقَادِمِين إليها، وله مُصَنَّفَات كَثِيرة، ومن أشْهرها: لَحْظُ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ، ونهاية التَّقْريب وتكميل التهذيب بالتَّذْهيب، ومَاتَ ﵀ سنة إحدى وسَبْعِين وثمانمائة (^٢).
٤ - ابن فَهْد الابن هو نَجْم الدِّين عُمر بن محمد بن محمد … ابن فهد الهاشِمِي المَكّيّ أبو حَفْص ولد في سَلْخ جمادى الآخرة سَنَة (٨١٢) بِمكّة المكرمة، ونَشَأ بها، وأخَذَ العِلْم عن جَمَاعَةٍ، منهم: حُسَين بن عَلِيّ البُوصِيرِيّ والحافظ ابن حجر والسِّبْط ابن العَجمي وغيرهم وله مؤلَّفَات كَثِيرة، من أشهرها: مُعْجَم الشُّيُوخ، "والدُّرُّ الكُمِين بذيل العِقْد الثمِين في تَارِيخ البَلَد
_________________
(١) معجم الشيوخ لابن فهد ص: ٢٣٨، والمجمع المؤسس ٣/ ٢٨٥ (٦٥٩) والضوء اللّامع ٣/ ١٠٨ والدليل الشافي ٢/ ٥٨١ وطبقات الحفاظ ص: ٥٤٥.
(٢) الضوء اللّامع ٩/ ٢٨١ (٧٢٧) والبدر الطالع ٢/ ٢٥٩.
[ ١ / ١٩ ]
الأمين" وغيرهما، يَقُول الشوكاني: وله في كل بَيْتٍ من بُيُوت مَكَّة المَشْهورة بَالعلم مُصَنَّف، وهو الَّذِي عَمِل مَشِيَخةً لشِيْخِه البُرهان سِبْط ابن العَجْمي، ترجم لنفسه في معجمه، توفي ﵀ في رمضان سنة خمس وثمانين وثمانمائة (^١).
٥ - ابن خَطيِب النَّاصِرِيّة هو عَلَاءُ الدِّين عَلِيّ بن محمد الحَلَبِيّ أبو الحَسَن، شَارَك السِّبْط في عَدَد من شُيُوخِه، وله تَارِيخ لحلب سَمَّاه "الدُّرُّ المُنْتخب" يَقُول السَّخَاوِيّ: كَانَ إمَامًا عَلَّامَة مُحَقِّقًا مُتْقِنًا بَارِعًا في الفِقْه، كَثيِر الاستِحْضِار له، إمامًا في الحَدِيث مُشَارِكًا في الأصُول مُشَارَكَة جَيِّدَة، وكذا في العَربِيّة وغيرها، مُسْتَحْضِرًا للِتَّارِيخ لاسيّما السِّيْرَة النَّبويّة، فَيَكاد يَحْفظ مؤلَّف ابن سيِّد الناس فيها، كُلّ ذلك مع الإتقان والثَّقَة، وحسن المُحَاضَرة، وجودة المذاكرة والرئاسة والحِشْمة والوِجَاهَة، توفي ﵀ سنة (٨٤٣) (^٢).
٦ - أمير الحاج هو محمد بن محمد بن محمد ابن أمير الحَاجّ الحَلَبِيّ، وُلِد في رَبِيع الأوّل سَنَة خمس وعشرين وثمانمائة بحلب، ونَشَأ بها، وهو الَّذيِّ ألَّفَ كِتاب "حلبة المُجَلِّي شَرْح مُنْيَة المُصَلِّي"، قَالَ السَّخَاوِي: كَانَ فَاضِلًا مُفَنَّنًا دَيّنًا قَوِيّ النَّفْس مُحِبًا في الرئاسَة والفَخْر، وصَرَّح السَّخَاوِي بأنّه عَرَض على ابن خَطِيب الناصريّة، والبُرهَان المُحدِّث، ومَاتَ سنة تسع وسبعين وثمانمائة (^٣).
٧ - ابن زُرَيْق هو عبد الوَهَّاب ابن أبي بكر بن عبد الرحمن المقدسي الصَّالِحِيّ، ولد في رمضان سنة أربع وعشرين وثمانمائة بِصَالِحيّة دمشق، قال السّخَاوِيّ: من شُيُوخِه ابن نَاصِر الدِّين وابن الطَّحَانِ والبُرْهَان الحَلَبِي
_________________
(١) معجم الشيوخ للنجم ابن فهد ١/ ١٩١، والضوء اللامع ٦/ ١٢٦ والبدر الطالع ١/ ٥١٢.
(٢) المجمع المؤسس ٣/ ١٨٦ (٥٥٩) والضوء اللّامع ٦/ ٣٠٥ والدليل الشافي ١/ ٤٨٠.
(٣) الضوء اللَّامع ٩/ ٢١٠ والشذرات ٧/ ٣٢٨.
[ ١ / ٢٠ ]
وشَيْخُنَا، وقال: ما أظُنّه حَدَّثَ (قلتُ: وذلك لوفاته شَابًّا) مات في رَبِيع الأَوّل سنة (٨٤٥) (^١).
٨ - محمد بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن محمد الدمشقي الصَّالِحيّ أخو عبد الوَهَّاب الَّذي سَبَق، ويُعْرَف بابن زُرَيْق أيضًا، وُلِد في شَوَّال سنة اثنتي عشرة وثمانمائة بِصَالِحيَّة دمشق، قَالَ السَّخَاوِي: قَرَأ بِحَلَب على حَافِظها البُرْهَان الكَثِير، كَسُنَن النَّسَائي وابن مَاجَه والمُحَدّث الفَاصِل ومَشيخة الفَخْر وعشرة الحَدَّاد وغيرها قِرَاءةً وسَمَاعًا، وله ترجمة جَيِّدَة في الضَّوء (^٢).
٩ - عُمَر بن محمد بن عُمَر النَّصِيبِيّ الحَلَبِي الشَّافِعِيّ، ولد سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة بحلب، قال السَّخَاوِيّ: … وعَرَض على البُرهَان الحَلَبِيّ، بل هو الّذِي كان يُصَحِّحُ عليه، ووَصَف عرضه بالحسن، وقال: دَرّس بالظاهِريّة والسَّيْفيَّة، تلقاهما عن أخيه، وأعاد بالعَصْرونِيّة، مات ببلده يوم عيد النحر سنة ثلاث وسَبعين (^٣).
١٠ - الإِبِّيّ هو عَلِيّ بن إبراهيم بن عَلِيّ بن رَاشد الإِبِّيّ اليَمَانِي ثم المَكِّيّ الشَّافِعيّ، ولد قبيل التّسْعِين وسبعمائة بِتَعِزّ، وكان رَجَّالًا، وذكر السَّخَاوِيّ أنَّ مِمَّن سَمِع عليه بحلب حافِظها البُرهَان والعِزّ الحَاضِرِي والشِّهاب ابن العَدِيم وطَائفَة، وقال السَّخَاوِيّ: كَانَ إمَامًا مُفَنَّنًا أدِيبًا بَارِعًا مُتَواضِعًا، حَسَن الهيئة والمُحَاضَرَة، جميل الصُّوْرَة والعِشَرة، كَثِير الفُكَاهَة والنَّوَادر والاستِحْضَار، صَبُوْرًا على الإسماع حسن الوُدّ والمُذَاكَرَة … مَاتَ في ذي الحجّة سَنَة تِسعٍ وخَمْسِين (^٤).
_________________
(١) الضوء اللامع ٥/ ٩٩.
(٢) الضوء اللَّامع ٧/ ١٦٩ - ١٧١ والشذرات ٧/ ٣٦٦.
(٣) الضوء اللَّامع ٦/ ١٢٣.
(٤) الضوء اللَّامع ٥/ ١٥٣ - ١٥٥.
[ ١ / ٢١ ]