كانَ جُلّ اهتمام الحَافِظ سِبْط ابن العَجْمي ﵀ مُتَوَجِّهًا نحو الحديث الشريف وعُلُومِه، وهَذَا ظَاهِر من مُؤلَّفَاتِه، وثَنَاء الأئمة عليه، إلّا أنّ أسْلافَنَا الصَّالِحين كانُوا لا يَقْتَصِرون على علمٍ وَاحِد، ويهملون العُلُوم الأخْرَى، بل كانوا يعتنون بجميع العُلُوم إلى جَانبٍ اهتمامهم الخَاصّ ببعض العُلُوم التى يريدون التَّمَكُّنَ فيها، فكذلك حال صاحبنا الإمام السِّبْط ابن العَجْمِيّ، فقد تَقَدّم أنْ نَقَلْنا تحت عنوان "شُيُوخه" من قَوْله: مَشَايِخِي في الحديث نحو المأتين، وفي العُلُوم غير الحديث نحو الثَّلَاثين، وقال تقي الدِّين ابن فهد: عُنِي بهذا الشأن، واشتَغَل في عُلُومٍ (^٢). هذا وقد ذكرت فيما سبق تحت عنوان "نشأتُه وطَلَبُه للحديث" أَنّ السبط نشأ يتيمًا، وبعد أن أكمل حفظ القرآن الكريم تَوَجَّه إلى عِلْم القراءات، وقَرَأ من أوّل القرآن الكريم إلى سُورة المُزَمّل لقَالُون على الإمام شِهاب الدين أحمد ابن أبى الرِّضا الحَمَوِيّ، وقَرَأ ختمتين لأبي عمرو إلى آخر ما هناك، أمّا في اللُّغة فقد تَقَدَّم في شُيُوخِه أنّ الفَيْروزآبادي اللُّغَوِيّ الشَّهِير كان من مَشَاهِير شُيُوخِه، وَلَا أُطِيل في هذا الباب، واكتفي بما قاله الحافظ ابن حجر، ونَقَلَه عنه تلميذُه النَّجِيب الإمام السَّخَاوِيّ، فإنّها كلمةٌ تَكفي شهادةً لِلسبط بمعرفته بفنون وعُلُوم كَثِيرة، يقول الحَافِظ في مُقَدّمة المَشِيخَة التى خَرَّجَها له: أمّا بعد فقد وقفت على ثَبْت الشيخ الإمام العَلامّة الحافظ المُسنِد
_________________
(١) انظر مقدمة المحقق للكاشف ١/ ١١٩.
(٢) لحظ الألحاظ ص: ٣١٢.
[ ١ / ٢٥ ]
شيخ السنة النَّبوية بُرهَان الدِّين الحَلَبي سِبْط ابن العَجْمِيّ … إلى أن قال: أحبَبْتُ أن أخرج له مَشِيخة، أذكر فيها أحْوَال الشُّيُوخ المذكورين ومَرْوِيّاتهم، ليستَفيِدها الرَّحَالة فإنّه اليوم أحَقّ النَّاس بالرِّحْلة إليه لِعُلُوِّ سَنَدِه حِسنًّا ومَعْنًى ومعرفته بالعُلُوم فَنًّا فَنًّا أثَابَه الحُسْنى آمين (^١).
أمّا عِلْم الحديث الَّذي طَلَبه بنفسه بعد أن كَبِر فقد تَوَجَّه إليه، وصَرَف هِمَّتَه بِكُلِّيّتِها منذ أن بَدَأ كتابته له عام (٧٧٠) فَمَهَر فيه، وبَلَغ فيه دَرَجة الإمَامَة، وصَارَ المُشَار إليه بِالبنيان، ومَحَطَّة مَطيَّات الرُّحْلَة في عَصْرِه، وهَذَا ما يَدُلّ عليه ثَنَاء المُعَاصِرِين والمُتَرْجِمِين له، ومن شِدَّة اهتمامه بِالحديث وعُلُومه أنَّه لم يُؤلِّف في علمٍ وسِوَاه، وسَيَأتي ذِكُر مؤلَّفَاتِه، وهي كُلَهُّا في الحديث أو مُتَعَلَّقَاتِه.