ذكرتُ فيما تَقَدّم أنّ الكُتُب السِّتَّة منذ ظهورها اعتبرها جهابذة المحدثين دواوين الإسلام، وذَاعَ صِيتُها بين النَّاس، فعُنُوا بها من الجوانب المُخْتَلَفة،
[ ١ / ٤٤ ]
ويَهُمُّنا فيها هنا جَانِب تاريخ رجال هذه الكُتُب السِّتَّة، وذكرت بالاختصار في الصَّفَحات السَّابِقة المؤلَّفات الّتى ظهرت في هذا المجال، وهى: المعجم المشتمل على ذكر أسماء شيوخ الأئمة النَّبل، والكمال، وتهذيب الكمال، وتذهيب التهذيب، وإكمال تهذيب الكمال، وكتاب "نهاية السول في رواة الستة الأصول، وتهذيب التهذيب، وتقريب التهذيب وغيرها، وَلاشَكَّ أنّ هذه الكُتُب كلُّها تَتَنَاول رجال الكُتُب السِّتَّة، ولكلٍّ من هذه الكُتُب خَصَائصُ وميزاتٌ، قد لا تَتَوفّر كُلّها في غيرها، فلا يستغني المشتغل بهذا الفَنّ بكتابٍ عن كتِابِ.
وَلا شَكَّ أنَّ دِرَاسَة أيّ كتابٍ من الكُتُب وإظهار مَحَاسِنه وإبراز ما فيه من المآخذ لا يمكن استفاء حَقّها إلّا بِقَرَاءة ودِرَاسة الكتاب كُلِّه من أوّله إلى آخره، وكتابُنَا هذا كتابٌ كَبِير سوف يصدر - إن شاء الله - في عِدّة مُجَلَّدات، وإنّى قد أكملتُ الآن تحقيقَ جُزْءٍ منه، والّذِي أكتب في السطور الآتية عن الكتاب عن محاسنه وعَمّا تميز به عن المؤلفات الأخرى في هذا المجال حسب ما ذكره المؤلّف في المقدمة أو ما لاحظتُه أثْنَاء تحقيق هذا الجُزْء فقط، وفيما يلى أُلَخِّصُ محتويات كتابنا هذا في عدّة نكات، وأَرجو أن تكون هذه النّكات تكفي للِدَّلالة على ما يشتمل عليه الكتابُ كلُّه من المَحَاسِن والمِميزات الكَثِيرة الّتي يَتَفَرَّد بها كتابنا هذا عن بقية المؤلّفات الّتي ألّفت في بابته،
١ - هو كتاب جَامِعٌ مُتَوسّط الحجم، لا طَوِيلٌ مُمِلّ، ولا قَصِير مُخِلّ.
٢ - عَرَض المؤلّف بعد المقدمة السيرة النبويّة بالاختصار، كما فعل ذلك المِزّيّ أيضًا.
٣ - أَبَان المؤلّف بعد السِّيْرة الشَّرِيفَة عن مَعَاني كثير من ألفاظ الجرح والتعديل، وفَسَّر مَعَانِيها، وذكر مَرَاتبها.
[ ١ / ٤٥ ]
٤ - تَعَرَّض لمسألة تَعَارُض الجَرْح والتَّعْدِيل في الرَّاوِي الوَاحِد، وهل يُقَدّمُ الجَرْحُ أو التَّعْدِيل، أو فيه تَفْصيل، وهل يُقْبل الجَرْحُ أو التَّعْديل من غير بيان السبب؟
٥ - هل يكفي فيهما (في الجرح والتعديل) قول إمام وَاحِدٍ أم لابُدّ من اثنين؟ وهل هناك فرق بين الرِّوَاية والشهادة أم لا فَرْق بينهما؟ وهل يشترط في الواحِد هذا الذكوريّة والحريّة أم لا؟
٦ - ذكر عدة مسائل من مسائل مصطلح الحديث الّتي لها مَسَاس شَدِيد مع التراجم وهي:
(أ) مسألة رواية المُبْتَدع، وهل يقبل رواية المُبتَدع على الإطلاق؟ أم تُرَدُّ؟ أو فيه تفصيل؟
(ب) مسألة التَّدْليس، وماهي أقسام التدليس، ومتى يثبت التدليس وهل يثبت التدليس بفعله مَرَّة وَاحِدة أم لا يثبت إلّا بالتكرار، ثم ذكر طبقات المدلسين، ومن يُحْتَجّ بحديثهم ومن لا يُحْتَجّ بهم.
(ج) مسألة المُخَضْرَم، تعريفُه، وضَبْطُه، واشتقاقه.
(د) مسألة الاختلاط، وهل يُقْبَل رواية المُخْتَلَط مُطْلقًا أو لا يُقْبل مطلقًا؟ أو فيه تفصيل؟
(هـ) مسألة رواية المجهول، وما أقسامه؟ وكيف ترتفع الجهالة عن المجهول.
والأهم من هذه كلها أنَّه يذكر في المترجم صفته إذا اتَّصَف بإحدى هذه الصِّفَات، ولا يترك الحاجة إلى مراجعة الكتب المختصَّة في ذلك.
٧ - يذكر في المترجم بعض ما استُنكر من حديث الرجل، إن كان المتقدمون ذكروا ذلك.
[ ١ / ٤٦ ]
٨ - يضبط الأسماء والنسب المشتبهة بالحروف ضبطًا كَامِلًا، سواء المترجم منهم أو العَارِض في أثناء التَّرَاجم، ولا يترك الاحتياج لمراجعة كُتُب الضبط، وقد لاحَظْتُ دِقَّتَه في الضبط، واعتماده على أحسن الضُّبُوط، وأرجحها، وإذا كان في الضبط اختلاف يُبَيِّنُه بيانًا شافيًا، كما في ترجمة رقم (١٩٥، ٢٤١، ٢٩٥) وغيرها.
٩ - يذكر المؤلّف ما تَعَقّب به المغلطاي المِزِّيَّ، وكذا يذكر التراجم الّتى استدركها مغلطاي على المِزّيِّ، وبذلك جمع لُبّ الكتابين كتاب المِزّيّ وكتاب المغلطاي في حجم صغير.
١٠ - يُنَبِّه المؤلّف على أوهام المِزّيّ، وغالب هذه التنبيهات يأخذها من كتاب المغلطاي، وينسبه إليه، ولا ينسب إلى نفسه، وهى كثيرة جدَّا، لا حَاجَة إلى ذكر الأمثلة على ذلك، وإذا كان له مناقشة مع المغلطاي فيها، نَاقَشَه بِرُوحٍ هَادِئ، كما في الترجمة برقم (٢، ٣٤) وغيرها.
١١ - تَفَرَّد السبط بتوثيق بعض الرِّجَال من بعض المصادر الَّذِي لم يَطّلِع عليه المقدسيّ وَلا المزّيّ ولا الذَّهَبِيّ ولا المغلطاي، كما في ترجمة "صدقة بن بَشِير" فإنّه ثقل توثيق ابن ماكولا له مع ضبط الكلمة …، ولم يذكر توثيقه غيرُه، وانظر كذلك ترجمة رقم (٧١، ١٣٨) لم يُذْكر فيها توثيقٌ ولا تَجْرِيحٌ، وقد ذكر السبط من كتاب شيخه العراقي أنّ السروجي ذكرهما في ثقاته.
١٢ - يُوَثّق المؤلّف الشخص الّذِي لم يجد فيه توثيقًا ولا تجريحًا من كلام المتقدمين وقد رَوَي عنه البخاري ومسلم أو أحدهما في الأُصُول، لا مَقْرونًا ولا متابعًا ولا تعليقًا، ولا في مقدمة صحيح مسلم، كما في ترجمة (أحمد بن جعفر المعقري) برقم (١٥) يقول فيها: لم أر لهم فيه توثيقًا ولا تجريحًا، لكنّ
[ ١ / ٤٧ ]
رواية مسلم عنه في الصَّحيح في الأصُول توثيق له، واللّه أعلم، وقال في ترجمة (إبراهيم بن الحارث البغدادي) برقم (١٦٨): لم أر لهم فيه كلامًا لابتعديل ولا تجريح، غير أنَّ البخاري رَوَي عنه في الصحيح، فهو تعديل له، وقال في ترجمة (بوربن أصرم المروزيّ): لم أرَ فيه كلامًا لأحد، لكن أخرج له "خ" في الأصول، فقد وَثقه وقال أيضًا في نهاية ترجمة (أحمد بن عبد الرحمن بن وهب) برقم (٧٦): فالرجل مختلفٌ فيه، وقد جَازَ القَنْطَرةَ، لأنّه رَوَي عنه مسلم انتهى فهو ثقة عنده برواية مسلم عنه في الأصول.
١٣ - ينقل المؤلف توثيق المترجم أو تجريحه أو كلامًا آخر يمس بالترجمة من غير مَظَانِّه، ولا تخفى فائدة هذا، كما نَقَل من تلخيص المستدرك قول الذَّهَبِيّ: عَدَّله عبد الرَّزّاق ووَثَّقَه ابن مَعِين، كما في ترجمة رقم (٢٦٤) وكذا في ترجمة (إبراهيم بن طهمان) برقم (١٩٣) قال الذهبي في تلخيص المستدرك: إبراهيم بن طهمان لم يدرك الحكم.
١٤ - يُبَيّن المؤلّف بعض ما أبهمه الذَّهَبِي في الكاشف وغيره، كما في ترجمة رقم (١٠٤) وفيها: وَهِم من قال: إنّه الوَكِيعِيّ، فَقَال: فمرادُه ابن عَسَاكر، "وكذا يُنَبِّه على الأخطاء الواردة في الكاشف وغيره، راجع ترجمة رقم (٢٠٤).
١٥ - اشتهر بعض الأشخاص المترجمين بالألقاب، ولهم أسماء معروفة ترجم المِزّيّ، والذّهبيّ لبعض هؤلاء في الألقاب ولم ينبها عليه في الأسماء، وقد نَبَّه السِّبْطُ في كتابه هذا، فترجم لهم في الألقاب كالمزّيّ والذهبي، ولكنه نَبّه في أسمائهم، انظر مثال ذلك بين ترجمة رقم (٢٢٤) وبين (٢٢٥) وهو إبراهيم بن عُمر بن سَفيه لَقَبُه بُرَيْه، ترجم له المِزّيّ والذهبي في الباء (بريه) ولم ينبها عليه
[ ١ / ٤٨ ]
في الاسم في باب إبراهيم، والسبط ترجمه في بُريه أيضًا ولكنه نَبَّه في اسمه في باب إبراهيم.
١٦ - تفرد السبط بنقول كثيرة مهمة من كتاب شيخه العراقي على تهذيب الكمال، وكتاب شيخه هذا - وإن لم يكمله المؤلف - هما لم يُعْثَر عليه حتى الآن، وبهذا حَفِظ لنا نُصُوصًا قَيّمة من كتاب مَفْقُود، انظر الأمثله على ذلك في ترجمة رقم (١٠٨، ٢٣٠) وكذا في (٧١، ١٣٨).
١٧ - ينقل المؤلف في أثناء التراجم فوائد وتنبيهات مهمة غير التي يأخذها من كتاب المغلطاي، ولم أجد بعض هذه الفوائد عند غيره، وهى كثيرة، كما في ترجمة رقم (١٢٢) وفيها: تنبيه: من رَوَي عنه "م" ورَوَي "خ" عن واحد عنه فسبعة أشخاص، أحمد بن مَنيع هذا، وداود بن رُشَيد، وسُرَيج بن يونس، وسعيد بن منصور، وعباد بن موسى، وهارون بن معروف، وعبيد اللّه بن معاذ العنبري، وأمّا العكس مَنْ رَوَي عنه "خ" و"م" عن واحد عنه فخمسة وثمانون رجلاّ انتهى. مثل هذه الفائدة أين توجد في كتب التراجم؟ وانظر كذلك قوله في ترجمة رقم (٩١): أنّ الشخص إذا وَثَقَّه واحد، وروي عنه واحد، خَرَج عن جهالة العين واللّه أعلم، قاله في بيان الوهم والإيهام الواقعين في أحكام عبد الحق … وقال في ترجمة (أبان بن عثمان بن عَفّان برقم (١٥٠): تنبيهُ ثانٍ: رواية أبَان عن أبيه في مسلم: حديث لا يَنْكح المحرم ولا يُنْكح، ذكر ابن أبي حاتم في كتاب المراسيل عن أبى بكر الأثرم أنّه سأل أحمد بن حنبل أبَان سمع من أبيه؟ قال: لا، من أين يسمع منه انتهى، وفي مسلم من عدّة طرق في هذا الحديث تصريح أبان بسماعه له من أبيه، وصَرَّح بالإخبار أيضًا، وفي النكاح في "س" سمعتُ عثمان ﵁ انتهى وقال أيضا في ترجمة (إبراهيم بن يُوسف السَّبِيعِيّ برقم (٢٨٠): تنبيه: قال أبو نعيم: لم يسمع إبراهيم من
[ ١ / ٤٩ ]
أبيه شيئًا انتهى، وروايته عن أبيه في الصحيح، فقد رأيتُها في مناقب عبد اللّه بن مسعود في "خ" وروايته عن جَدِّه في الصحيح أيضًا.
١٨١ - يعتمد رَمْز (صح) الّذي يكتبه الذَّهَبِي في الميزان بجانب اسم الرَّاوي المختلف فيه علامة على أنّ المعتمد توثيقه.
١٩ - إذا كان المترجم من رجال "ميزان الاعتدال" يذكر فيه ما ذكره الذهبي في ميزانه مختصرًا في الغالب، وذلك لأهميّة ما يذكره الذهبي في الميزان، وإذا كان له تعقيب عليه أو زيادة على ما ذكره الذهبي، فيذكره كما في ترجمة رقم (١١٩، ١٢١) وغيرهما.
٢٠ - ومن أهم ما لاحظتُ فيه من المحاسن أثناء نسخ الجزء الثاني من الكتاب أن الإمام البرهان سبط ابن العجمي تعرض إلى بعض القواعد العامّة الّتي لم أرَها عند غيره مِمَّن ألَّفُوا في رواة الكتب الستة، ومن أمثلة ذلك ما ذكر في ترجمة (بشر بن قيس التَّغْلبِيّ) - الظَّاهِر أنّه بالمثناة فوق، وبالغين المعجمة، وذلك لأنّه أكثر من الثَّعْلَبِيّ، يعنى بالثاء المثلثة والعين المهملة، والقاعدة أنّ الاسم إذا لم يعرف ضبطه يُقْرَأ بالأكثر الأغلب.
وقال في ترجمة (ثور بن عفير) … يعنى أنَّه مجهول العين، ومجهول العين ضعيف، قال أبو الحسن بن القَطَّان: كل مجهول العين أو الحال ضعيفٌ، وليس كل ضعيف مجهولًا انتهى.
وقال فيما تقدم في ترجمة (ابراهيم ابن أبي ميمونة برقم ٢٦٦): … فهو إذن مجهول العين، وإنما يخرج عن جهالة العين برواية عدلين، واللّه أعلم، ومجهول العين ضعيف، وتقدم أنّ ابن القَطَّان قال: إذا رَوَي عن الراوي واحد ووَثَّقه آخر إنه يخرج عن جهالة العين، ويقبل …
[ ١ / ٥٠ ]
وقال في ترجمة (بلال) غير منسوب: عن زيد بن وهب، وعنه شعبة، لم أَرَ لهذا ذِكرًا في ثقات ابن حبان، ولا ثقات العجلي … لكن مشايخ شعبة جياد إلّا النَّادر، واللّه أعلم، وقال في ترجمة (توبة أبو صدقة مولى أنس) تائيدًا لتوثيق الذَّهَبِيّ له: يعني ومشايخ شعبة جياد.
هذه بعض ما تميز به كتابنا هذا، ولا ندري كم من القواعد والفوائد والميزات ستظهر في الصفحات والأجزاء الآتية، هذا مع ما اشتمل على لُبّ كتاب المِزِّيّ والذَّهَبِيّ والمغلطاي ومع احتوائه على خلاصة كتب المؤتلف والمختلف، وكتب المراسيل، والتدليس وغير ذلك، وانظر إلى ما قال المؤلّف نفسه في المقدمة: وأرجو من فضل الله تعالى أنّ النَّاظر في هذا المؤلَّف لا يحتاج معه إلى كتب المؤتلف والمختلف، ولا إلى كتب الجرح والتعديل أو هما، ولا إلى من تُرَدّ روايتُه أم لا، ولا إلى كتب المراسيل، ولا أنّه مدلس أم لا … بل هو كتاب فارغ المؤنَة في الرجل المذكور فيه، وأقول هنا كما قال الحافظ ابن حجر في صَدَد مدحه كتابَه "تهذيب التهذيب" في آخر مقدمته، فقال: فلو لم يكن في هذا المختصر إلّا الجمع بين هذين الكتابين الكبيرين (تهذيب الكمال وإكمال تهذيب الكمال) في حجم لطيف لكان معنى مقصودًا انتهى، فأقول: وهذا المعنى الّذِي أشار إليه الحافظ ابن حجر - مع الزيادات التي أَشار إليها السبط في مقدمة كتابه، ونقلتها قبل قليل موجود في كتابنا هذا أيضًا.
وبعد هذا أرجو أن بَانَ بما تَقَدّم أنّه كتاب جليل، كثير الأهمية، لا يستغني عنه المشتغل بهذا الفَنّ، وإهمال إخراجه غمط له، وحرمان لأهل العلم منه.
[ ١ / ٥١ ]