وهو أن يُسْقِطَ اسم شَيخِه الّذيِ سَمِع منه، ويَرْتَقِي إلى شَيْخ شيخِه أو مَنْ فَوقَه، فَيُسنِد ذلك إليه بلفظ لا يَقْتَضي الاتّصَال، بل بلِفْظ مُوهِم، كَقَوْلِه: عن فُلانٍ أو أَنَّ فلانًا أو قَال فُلانٌ، كَذَا مُوْهِمًا بذلك أنَّه سَمِعَه مِمَّن وَوَاه عنه، وإنّما يكونُ تدليسا إذا كَانَ المُدَلّسُ قَدْ عَاصَر المَرْوِي عنه، أو لَقيِه، ولم يَسْمَع منه، أو سَمِع منه ولم يَسْمَع منه ذلك الحَدِيثَ الّذِي دَلّسَه عنه، وقد حَدَّه أبو الحَسَن بن القَطَّان بأن يَرْوي عَمّن قَد سِمَع منه مَا لَم يَسْمَع منه من غير أن يَذْكُرَ أنّه سَمِعَه منه انتهى، وقد يكونُ التَّدْليِس بِغَيْر أدَاة قالَ على بن خَشْرَم: كُنَّا عند ابن عُيَيْنَة فَقَال: الزُّهْرِيُّ فَقِيل له: حَدَّثكم الزُّهْرِيُّ؟ فَسَكَتَ، ثُمّ قَالَ: الزُّهْرِيّ فَقِيل له سَمِعْتَه من الزُّهْريّ؟ فَقَال؟ لا، لم أسْمَعْه من الزُّهْرِيّ، ولا مِمَّنْ سَمِعه من الزُّهْرِيّ، حَدَّثَنِي عبد الرّزَّاق عن مَعْمَر عن الزُّهْرِيّ، وقد اختلف في أَهْل هذَا القِسْم، فَقِيل: يُرَدّ حَدِيثُهم مُطْلَقًا، سَوَاء أَثْبَتُوا السِّمَاع أَمْ لا، وإنَّ التَّدْليِس نفسه جَرْحٌ، قَالَه فرِيق من أهل الحَدِيث والفُقَهاء،
_________________
(١) قال ابن حِبَّان في الثقات ٦/ ٢٨٤: كان يذهب مذهب الشُّرَاة، وكل من ترك حديثه على الإطلاق وهم، لأنّه لم يكن بِدَاعِيةٍ إلى مذهبه، والدُّعَاة يجب مجانبة رِوَاياتهم على الأحوال، فمن انتحل نحلة بدعة، ولم يَدْعُ إليها، وكان مُتْقِنًا كان جائز الشهادة مُحْتَجًا بروايته، فإن وجب ترك حديثه وجب ترك حديث عكرمة لأنّه كان يذهب مذهب الشراة مثله.
(٢) الكفاية ص: ١٩٥.
[ ١ / ١٢٦ ]
والصَّحِيحُ التَّفْصِيلُ، فَإنْ صَرَّح بالاتّصال كَقَولِه: سمعتُ، وحَدَّثَنا، وأخبرنا فهو مَقْبُول يُحْتَجّ به، وإن أَتَى بِلَفْظٍ مُحْتَمَلٍ فَحُكْمُه حُكْم المُرْسَل، وإلى هذا ذهَبَ الأَكْثَرُون (^١).
والقِسْم الثَّانِي: تَدْلِيس الشُّيُوخ، وهَذَا أَمْرٌ خَفِيف، وهو أن يَصِف المُدَلّس شَيْخَه الَّذِي سَمع منه بما لا يُعرف به من اسم أو كُنْيَةٍ أو قَبِيلَةٍ أو صَنْعَةٍ أو نحو ذلك كَي يُوَعِّر الطَّرِيق إلى مَعْرِفة السَّامِع له، القِسْمُ الثَّالِث: تَدْليِس التَّسْوِية، وهو قَادِح في عَدَالَة الشَّخْصِ الفَاعِل له، وصُوْرَتُه: أن يَرْوِي المُدَلِّس حَدِيثًا عن شَيْخٍ ثِقَةٍ غَير مُدَلِّسٍ، وذلكَ الثِّقَة يَرْوِيه عن ضَعِيفٍ عن ثِقَة، فَيَأتِي المُدَلِّس الّذِي سمع الحَدِيث من الثِّقَة الأَوَل، فَيُسقط الضَّعِيف الّذِي في السَّنَد، ويَجْعَل الحَدِيث عن شَيْخِه الثِّقَة الثَّانِي بِلَفْظ مُحْتَمل، فيستوي الإسنادُ كُلّه ثِقَات (^٢)، وقد اختَلَف في أهْل القِسْم الأَوّل، فَقِيل: يُرَدّ حَدِيثُهم مُطْلَقًا، سواء أثَبْتَوا السماع أم لَم يُثْبتُوا، وإنَّ هَذَا التَّدْلِيس جَرْح، حَكَاه ابن الصَّلاح عن فَرِيق من أَهْلِ الحَدِيث والفُقَهاء، والصَّحيح التَّفْصِيل، فإنْ صَرَّح بِالاتّصَال كَقَولِه: سمعتُ أو حَدَّثَنَا أو أخْبَرَنا فهو مَقْبُولٌ، وإن أتَى بلِفْظٍ مُحْتَمَل فَحُكْمُه حُكْمُ المُرْسَل (^٣)، وإلى هَذَا ذَهَب
_________________
(١) انظر التبين لأسماء المدلسين ص: ٣٤٢ (ضمن مجموعة الرسائل الكمالية).
(٢) راجع التبين لأسماء المدلسين ص: ٣٤٣.
(٣) قال ابن الصلاح في مقدمته ص: ٣٥: ثم اختلفوا في قبول رواية من عرف بهذا التدليس، فجعله فريق من أهل الحدايث والفقهاء مجروحًا بذلك، وقالوا: لا تقبل روايته بحال، بَيّن السماع أو لم يُبَيّن. والصحيح التفصيل، وأن ما رواه المدلس بلفظ محتمل لم يبين فيه السماع والاتصال حكمه حكم المرسل وأنواعه، وما رواه بلفظ مبين للاتصال، نحو سمعت وحدثنا، وأخبرنا وأشباهها، فهو مقبول محتج به انتهى.
[ ١ / ١٢٧ ]