هو محمد ﷺ وكُنْيتُه أبو القَاسِم، وكناه جِبْريل بأبي إبراهيم كَمَا في مُسْنَد أحمد (^١)، وقال بعضُ مَشَايِخِي في كُناه أبو الأرَامِل (^٢) انتهى، وَكَأنَّ هذه لَقَب، وإنْ صُدِّرت بأبٍ وكذا رأيت في كلام بعض فُضَلاء الحَنَفِيّة، وعَزَاها للإمام أبي عبد اللّه البَاهِلِي الإشبيليّ في كتابه "الذَّخَائر" عن التَّوْراة - ابن عبد اللّه بن عبد المُطَّلِب ويُدْعَى شَيْبَة الحَمْد بن هَاشِم وهو عَمْرو بن عَبْد مَنَاف، واسمه المُغِيرة بن قُصَيّ ويُسَمَّى زَيْدًا ويُدْعَى مُجَمِّعًا ابن كِلاب بن مُرَّة ابن كَعْب بن لُؤي - بالهَمْز وعَدَمِه - ابن غَالب بن فهر وهو قُرَيش، ويُقَال: النَّضْر بن كِنَانَة قاله جَمَاعة وقيل: إلياس، وقيل: مُضَر وقول خامس … (^٣) شيخنا أنّه قصَيّ، وقال: حكاه المَاوَرْديِ وغيره انتهى، وهذا القول
_________________
(١) لم أقف عليه في مسند الإمام أحمد، وذكره الهَيْثَمي في مجمعه ٤/ ٣٣٢ في باب الغيرة وقال: رَوَاه البزَّار، وفيه ابن لهيعة، وحديثه حَسَنٌ، وبقية رجاله رجال الصحيح وهو في كشف الأستار ٢/ ١٨٩ وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة ١/ ١٦٤ من حديث أنس بن مالك وأخرجه ابن سعد في الطبقات ٨/ ٢١٤. وذكره ابن عساكر في تاريخه وعزاه للدارمي والبيهقي كما في تهذيب تاريخ دمشق ١/ ١٧٨ وانظر تاريخ الإسلام للذهبي قسم السيرة ص ٣٤ وسبل الهُدَى والرشاد ١/ ٦٦٥ وانظر أيضًا "الإشارة إلى سيرة المصطفى ص: ٤٦ مع التعليقات.
(٢) ذكره الصالحي في سُبُل الهدى والرشاد ١/ ٦٦٥ وقال: ذكره ابن دحية وقال: ذكره صاحب الذخائر والأعلاق قلت: صاحب الذخائر هو أبو الحسن سم بن عبد الله الباهلي الإشبيلي واسم كتابه: الذَّخَائر والأعلاق في آداب النفوس ومكارم الأخلاق ذكر ذلك الصالحي أيضا في سبل الهدى والرشاد ١/ ٦٦٥.
(٣) هنا كلمة لم أستطع قراءتها.
[ ١ / ٧٣ ]
باطل، لأنه يقتضِي أنّ أبا بكر وعمر ليْسا بِإمَاميْن، وهذا خِلاف إجماع المسْلمِيِن، وكأنّه قول رافضيّ (^١). وفهر هو ابن مَالِكِ بن النَّضْر بن كِنَانة بن خُزَيْمَة بن مُدْرِكَة ابن إلياس - بالوَصلْ والقَطْع - ابن مُضَر بن نِزَار - بِكَسْر النُّون ابن مَعَدّ بن عَدْنَان، هَذَا هو الصَّحيِح المُجْمَع عليه في نَسَبِه، ومَا فَوق ذلك فَمُخْتَلف فيه، فُمقِلّ ومُكْثر، وَلا خِلاف أنَّ عَدْنَان من ولد إسماعيل نَبِيّ اللّه ابن إبراهيم خَليِل اللّه صَلّى اللّه عليهما وسَلَّم، والَّذِي رَجَّحَه بعض النَّسَّابِين في نَسَب عَدْنَان أنَّه ابن أدّ بن أُدَد بن اليسع بن الهميسع بن سَلامَان بن نَبْت بن حمل بن قيدار بن الذَّبِيح إسماعيل بن الخَلِيل إبراهيم بن تارِح وهو آزَر بن نَاحَور بن سَارُوْخ بن أَرْعَو بن فالغ بن عَابِر بن شَالخ بن أَرْفَخشذ بن سَام بن نُوح بن ملك بن مَتّوشَلَخ بن أخْنُوخ، وهو إدريس النَّبِيّ ﷺ ابن يَارِد بن مهلائيل بن قينان بن أنُوش بن شيث وهو هبة اللّه بن آدم صلى اللّه عليهما وسلّم، ولَمّا ذكر شَيْخُنا العِرَاقِيّ النَّسَب إلى عَدْنَان قَالَ: وبعده أي بعد عدنان خُلْف كَثيِر جَمّ، أَصَحّه حَوَاه هَذَا النَّظْمُ، فذكر، بعد عدنان أدد وتفسيره أدّا يعنى بعد عدناني فَيقُول: عَدَنَان بن أدّ بن أدَد بن مُقَوّم بن نَاحُور بن تَيْرح بن يَعْرُبُ بن يَشْجُب بن نَابِت بن إسماعيل بن إبراهيم بن تَارِح وهو آزر بن نَاحُور بن سَارُوح بن أَرغُو بن فَالخ بن عَيْبَر بن شَالِخ بن أَرْفَخْشَذ بن سَام بن
_________________
(١) في سبل الهدى والرَّشَاد ١/ ٣٣٣: وقيل: إنهم بنو فُصَيّ بن كلاب، حكاه الماوردي وأبو عمرو ابن الأثير في الجامع وغيرهما، وهو قول المُبَرِّد، قال في النور: وهو قول بَاطِل، وكأنَه قول رَافِضِي، لأنّه يقتضي أن يكون أبو بكر وعمر ليسا من قريش، وإذا لم يكونا من قريش فإما متهما باطلة، وهذا خلاف إجماع المسلمين انتهى قلت: لأن نسب أبى بكر وعمر ﵄ يشترك مع نسب رسول الله ﷺ بعد قُصَيّ، وذلك معلوم من ترجمتهما.
[ ١ / ٧٤ ]
نُوح بن لامَك بن مُتَوَشْلِخ بن خَنُوْخ وهو إدريس فيما زعم أهل التاريخ، ابن يَرْد بن مَهْليل بن قَيْنَين بن يَانِش بن شِيْت بن آدم ﷺ …) (^١).
وأمَّه ﵇ آمنة بنت وهب بن عبدمناف بن زُهْرَة بن كِلاب بن مُرَّة، وهو مرة المَذْكُور في نَسَبِه إلى أبيه.
مَوِلْدُه يوم الفِيل، ويُقَال: عَامَه، وقيل: غير ذلك يَوْم الاثين لاثنَتي عَشرة لَيْلَةً مَضَتْ من شَهْر رَبِيع الأوَّل، والاخْتِلاف في كم في الشهر؟ مَعْرُوفٌ، وقال الزُّبَيْر: حَمَلَته أمُّه ﷺ في أيّام التَّشْرِيق في شعب أبي طَالِب عند الجَمْرةِ الوُسْطَى، وولد ﵇ في الدَّار الَّتي تُدْعى لمحمد بن يُوسُف أخي الحَجَّاج بن يُوسُف يومَ الاثنين لاثنتي عَشرة لَيْلَةً خَلَت من شهر رَمَضَان، وفي الشَّهْر اختلاف غير ما ذكرتُ أيضًا وتوفى أبوه، وهو حمل أو بعد وضعِه، وقد اختلف في تاريخ حين وفاة أبيه، وولد ﵇ مَعْذُورًا أي مَخْتُومًا، وفيه خلاف، ذكرتُه مَبْسُوطًا في تعليقي على سِيْرَة أبى الفتح (^٢) مسرورًا أي مَقْطُوع السُّرَّة، ووقع إلى الأرض مَقْبُوضَة أصَابِع يده مُشيرًا بِالسَّبَّاحَة (^٣) كالمُسَبّح بها، أرضَعَتْه ثوَيْبَة، وفي إسلامها اختلافٌ، ثم حَلِيمَة، وفي إسلامها أيضًا اختلاف، والرَّاجح إسلامها، وامرأة أُخْرَى سَعْدِيّة غير حَلِيمة، ذكرها ابن قَيّم الجَوْزِيّة الحَافِظ شمس الدِّين الحَنْبَلِيّ في أوّل الهدي (^٤) ويقال:
_________________
(١) بعد قوله: ﷺ: كلمة لم أستطع قراءتَها لعَلّها: "انتهى" أو"كذلك" واللّه أعلم.
(٢) واسم كتابه هذا "نور النبراس على سيرة ابن سيد الناس" ونسخة المؤلف محفوظة في مكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة برقم (١٦٧).
(٣) كذا (بالسَّبَّاحة) في الأصل، كالمُسَبِّح بها تؤكد صحة الكلمة، وفي الروض الأنف ٢/ ١٥٠ مُشيرًا بالسَّبَّابَة كالمُسَبِّح بها.
(٤) كذا قراءتي للكلمة، ولعله يقصد به "زاد المعاد في هدي خير العِباد" وفي زاد المعاد ١/ ٨٣ فكان حمزة رَضيع رسول اللَّه ﷺ من وجهين، من جهة ثُويبَة، ومن جهة السعدية.
[ ١ / ٧٥ ]
وخَوْلَة بنت المُنْذِر، ويُقَالُ: وأمّ أَيْمَن، وفي "الاستِيعَاب" في ترجمة سَيَابَة (^١) بن عَاصِم ما لَفْظُه: والقَوْلُ الثَّانِي يَعْني في قوله: أنا ابن العوَاتِك أنّ رَسُولَ اللّه ﷺ مَرَّ بِنْسْوَةٍ أَبْكَارٍ من بني سُلَيم، فأخْرَجْن ثَدْيَهُنّ، فَوَضَعْنَها فِي فِي رَسُولِ اللّه ﷺ فَدَرّت (^٢)، وفي كَلام السُّهَيْلِيّ أنَّ ثَلاث نِسْوَةٍ من بَنِي سُلَيم أرْضَعْنَه كُلُّهُنّ (^٣).
وشُقَّ صَدْرُه عند ظِئْرِه حَلِيَمة، وبعد شَقِّ الصَّدْر جُعِل الخاتم بين كَتِفَيْه، وهَذَا صَرِيح أنَّه خُتِم بَعد شَقِّ الصَّدْرِ في الحَالِ، وهَذِه المَسْألةُ يُسْأل عنها كَثيِرًا، فيُقَالُ فيها: هل وَلَدَته أمُّه مَخْتُومًا أو جُعِل الخَاتمُ بَيْن كَتِفَيْه بعد ذلك أو حِين نُبِّئَ، وجَوَابُه ما تَقَدَّم من أنَّه حِين شُقُّ صَدْرُه خُتِم بخاتم النُّبُوَّة، وقد رَوَي ابن أبي الدُّنْيَا مِنْ حَديث أبي ذَرّ: قَالَ: قلتُ: يا رَسُولَ "اللّه (^٤)] كَيْفَ عَلِمْتَ أَنَّكَ نَبِيٌّ حَتى استَيقَنْتَ؟ قَالَ: يَا بَا ذَرّ! أتانِي مَلَكَان وأَنَا ببطحّاء مَكّة، فَوَقَعَ أحدُهما بالأرض، فَذَكَر قصَّة، وأَنَّه وُزِن بِرَجُلٍ ثم بِعَشْرة ثم بمائة ثم بألْفٍ إلى أنْ قَالَ: وجُعِل الخَاتم بَيْن كَتِفي كما هُوَ الآن، ثم ولَّيَا عَنِّي، فكأنّما أُعَايِن الأَمْرَ مُعَايَنَةً (^٥)،
_________________
(١) في الإكمال ٥/ ١٤: وأمَّا السيابة: بسين مهملة بعدها ياء مفتوحة معجمة باثنتين من تحتها وبعد الألف ياء معجمة بواحدةٍ انتهى وفي التوضيح: ٥/ ٢٧١: سَيَابَة: بمهلة مفتوحة تليها الياء المثناة تحت ثم ألف، ثم موحدة مفتوحة، ثم هاء.
(٢) الاستيعاب ٢/ ٦٩٢ والحديث أخرجه الطبراني في معجمه الكبير ٧/ ٢٠١ والبيهقي في دلائل النبوة ٥/ ١٣٥ - ١٣٦ وذكره الهيثمي في مجمعه ٨/ ٢٢٢ وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، وذكره الصالحي في سُبُل الهدى والرشاد ١/ ٣٨٤ وعزاه لسعيد بن منصور والطبراني وابن عساكر وقال: بسند رجاله ثقات، وصححه ضياء الدين المقدسي في المختارة.
(٣) الروض الأنف ١/ ٤٣٢ وفيه تحت حديث "أنا ابن العَوَاتِك من سُلَيم": وقد قيل في تأويل هذا الحديث: إنَّ ثَلاثَ نِسْوةٍ من سُلَيم أرْضَعْنَه، كُلُّهُنّ تُسَمَّى عَاتِكه …
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من النسخة، فأثبتُّه من السياق.
(٥) ذكره ابن عساكر في تاريخ دمشق كما في تهذيبه ١/ ٣٧٠ وذكره الصالحي في سُبُل الهدى والرشاد ٢/ ٨٦ وعَزَاه للدارمي والبَزَّار والروياني وابن عَسَاكِر والضياء في المختارة.
[ ١ / ٧٦ ]
وقَالَ الحَافِظ مُغْلَطَاي: وخُتِم حِين وَضَعه بِالخَاتم، ذَكَرَه ابن عَايِذ انتهى (^١) وعَايِذ بِالمُثنَّاةِ تَحت وبِالذَّال المُعْجَمَة، وابن عَايِذ مشهور الترْجَمة، وفي كلام ابن عَايِذ أَنَّه حين شُقّ صَدْرُه، ويُقَالُ: إنّه وُلِد به، وقوله في حَدِيثِ أبى ذَرّ: بِبَطْحَاء مَكّة لم يذكرها البَزَّار في حديث أبى ذَرّ، قال البَزَّارْ: ولا أعلم لِعُرْوَة سَمَاعًا من أبي ذَرّ انتهى.
والحِكْمَة في وَضْع الخَاتَم مِنْ جِهَة الاعتِبَار أنّه مُلِئ حِكْمَةً وإيْمَانًا، وخُتِم عليه كما يُخْتم على الوِعَاءِ المَمْلُوءِ مِسْكًا أو جَوْهَرًا ونَحْوَه، وقد جَاءَت رواياتٌ في صِفَة الخَاتَم. فجاءَ مِثْل زِرّ الحَجَلَة (^٢) بِتَقْدِيم الزَّاي المَكْسُورة على الرَّاءِ وعَكْسه (^٣)، وفي رِوَايةٍ: جُمْع عَلَيْه خِيْلانٌ كأَنَّهَا الثَّآلِيل السُّوْد عند نُغْض كَتِفِه اليُسْرَى (^٤)، وفي كتاب أبي نُعَيْم: الأيَمن (^٥)، وفي رِوَايَةٍ: مِثْلُ بَيْضَة الحَمَامَة (^٦)، وفي رِوَايَةٍ: شَعْرٌ مَجْتَمعٌ (^٧)، وفي رِوَايَة: مِثْلُ السِّلْعَة (^٨)، وفي رِوَايَةٍ: بضعة نَاشِزَة (^٩) وفي رِوَايَةٍ: كَشَيءٍ يُخْتَم به (^١٠)، وفي رِوَايةٍ: مِثلُ البُنْدقَة (^١١)، وفي
_________________
(١) الإشارة إلى سيرة المصطفى ﷺ ص: ٦١.
(٢) أخرجه البخاري في المناقب باب خاتم النبوة ٦/ ٥٦١ برقم (٣٥٤١) ومسلم في الفضائل ٤/ ١٨٢٣ (١١١) وغيرهما.
(٣) أشار الحافظ ابن حجر في شرح الحديث المذكور إلى هذه الرواية وهى رواية ابن حمزة، كما في فتح الباي ٦/ ٥٦٢.
(٤) أخرجه مسلم في الفضائل أيضا ٤/ ١٨٢٤ (١١٢).
(٥) لم أجد في معرفة الصحابة له، وقد ذكره القسطلاني في المواهب اللَّدنية (مع شرح الزَّرقَاني) ١/ ١٥٤ من كتاب أبي نعيم، ثم قال الزرقاني: ولاشكّ في شذوذ هذا، لمباينة ما في الصحيح الواجب تقديمه.
(٦) أخرجه مسلم في الفضائل ٤/ ١٨٢٣ برقم (١١٠) وأبو نعيم في الدلائل ١/ ٢٦٢ وغيرهما.
(٧) أخرجه أحمد في مسنده ٥/ ٣٤١.
(٨) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٢/ ٢٢٦، ٢٢٧، ٢٢٨ والبيهقي في الدلائل ١/ ٢٦٥ وغيرهما.
(٩) ذكره الصالحي في سُبُل الهُدَى والرَّشَاد ٢/ ٦٤ وقال: رواه الترمذي.
(١٠) ذكره الصالحي أيضًا في سُبُل الهدى والرشاد ٢/ ٦٧ وعزاه لابن أبي شيبة.
(١١) راجع عيون الأثر ٢/ ٣٢٨ وسُبُل الهدى والرشاد ٢/ ٦٥.
[ ١ / ٧٧ ]
رِوَاية: كالتُّفَّاحَة (^١)، وفي رِوَايةٍ كأَثَر المِحْجَم القَابِضة على اللَّحْم (^٢)، وفي رِوَايَةٍ: شَامَةٌ خَضْراء مُحْتَفرة في اللّحم (^٣)، وَفي رِوَايَةٍ: شَامَةٌ سَوْدَآء تَضْرِب إلى الصُّفْرة، حَوْلَها شَعْرَات مُتَراكِبَات كأنّها عُرْف الفَرَس (^٤)، وفي رِوَايَةٍ: ثَلاث شَعْراتٍ مُجْتَمَعات (^٥)، وفي كتاب الترِّمِذيِّ الحَكيِم محمد بن عَلِيّ الهَرَوِيّ - وفيه مقال من جهة الاعتقاد كَبَيْضَة حَمَام، مَكْتُوب في بَاطِنِها: اللّه وَحْدَه لا شَرِيكَ له، وفي ظَاهِرَها: تَوَجَّه حيث شِئْتَ فإنَّكَ مَنْصُور (^٦)، وفي "كتاب المَوْلِد" لابن عَايِذ - وَقد تَقَدَمّ قَرِيبًا نَصُّه -: كَانَ نُوْرًا يتلألأً (^٧)، وفي رِوَايَةِ: كعُذْرَة الحَمَامَة يعنى قرطمة الحَمَامَة (^٨)، وفي تَارِيخ نَيْسَابُور: مِثْلُ البُنْدَقة من لَحْم مَكْتُوبٌ فيه باللَّحْمِ: مُحَمْد رَسُولُ اللّه (^٩)، وفي رِوَايَةٍ: كَتِيْنَةٍ صَغِيرَةٍ تضرب إلى الدُّهمة، قالت
_________________
(١) عيون الأثر ٢/ ٣٢٨ والروض الأنف ٢/ ٢٢٣ وسُبُل الهدى والرشاد ٢/ ٦٥.
(٢) الروض الأنف ٢/ ٢٢١ وسُبُل الهدى والرشاد ٢/ ٦٥.
(٣) ذكره ابن سيد الناس في عيون الأثر ٢/ ٣٢٨ وذكره الصالحي في سُبُل الهدى والرشاد ٢/ ٦٦ وفيه محتضرة بدل محتفرة وقال الصالحي: نقله ابن أبى خيثمة في تاريخه عن بعضهم، ثم قال: وسيأتى في ثامن التنبيهات أنّه غير ثَابتٍ.
(٤) ذكره الصَّالحِي أيضا في سُبُل الهدى والرشاد ٢/ ٦٦ وقال: وسيأتى في ثامن التنبيهات أنّه غير ثابت أيضًا.
(٥) ذكره الصَّالحِي أيضا في سُبُل الهدى والرشاد ٢/ ٦٦ وغزَاه لأبى عبد اللّه القُضَاعِي في تاريخه.
(٦) في سُبُل الهدى والرشاد ٢/ ٧٢: ونَقَل أبو الخَطَّاب ابن دحِيَة رحمه اللّه تعالى عن الحكيم الترمذي أنّه قال: كان الخاتم الّذِي بين كتفي رسول اللّه ﷺ كأنّه بيضة حَمَامَة مكتوب في باطنها: اللّه وَحْدَه، وفي ظَاهِرها: تَوَجَّه حيثُ شئتَ فإنّك منصور، قال ابن دحية: وهذا غريب، واستنكروه …
(٧) راجع سُبُل الهدى والرشاد ٢/ ٦٦.
(٨) ذكره الصالحي في سبل الهدى والرشاد ٢/ ٦٦ وعَزَاه لابن أبى عاصم في سيرته.
(٩) قال الصَّالحِيّ في سُبُل الهدى والرشاد ٢/ ٦٥: روى ابن حبان فيِ صحيحه عن طريق إسحاق بن إبراهيم قَاضِي سمرقند حدثنا ابن جُرَيج عن عطاء عن ابن عُمر ﵄ قال: كان خَاتَم النَّبُوة على ظهر النَّبِيّ ﷺ مثل البندقة من لحم، مكتوب فيها:. محمد رسول اللّه، قال الحافظ أبو الحسن الهيثمى في "مورد الظمآن إلى زوائد حِبَّان" بعد أن أورد الحديث: اختلط على بعض الرُّواة خَاتَم النُّبُوّة بالخاتم الّذي كان يختم به الكتب انتهى.
[ ١ / ٧٨ ]
عائشة ﵂: فَلَمَسْتُه حِينَ تُوَفي، فَوَجَدتُّه قَدْ رُفِعَ، كذا قال مُغْلطاي (^١)، وقال السِّبْط فَتْح الدِّين ابن سَيِّد النَّاس إنّ الَّتي لَمَسَتْه أسماء بنتُ عُمَيْس (^٢) انتهى، فَلَعَلّهما لَمَسَتَاه، فَعَرَفَتَا مَوْتَه ﵇ بِفَقْدِه، والله أَعْلَم.
تَنْبِيْه: في "خ، م" أنّه شُقَّ صَدْرُه لَيْلَة الإسراء (^٣)، ولا التفات إلى مَنْ أنْكَرَه لَيْلَة الإسَراءِ - وقد تَقَدَّم أنَّه شُقَّ صَدْرُه عند حَلِيمَة، وهذه في مُسْلم وهي المشهورة (^٤)، وفي دَلائل النُّبُوّة لأبي نُعَيم، والأَحَادِيثِ الجِيَاد، للْحَافِظ ضياء الدِّين المَقْدِسيّ أَنَّه شُقَّ صَدْرُه وعُمْرُه عَشْر سِنين، وَقَدْ قَال مُغْلطَاي بَعد قَوْلِه: زنْه بعشرة من أُمَّتِه: أنّ ذَلك كَانَ، وعُمْرُه عَشْر سِنين فيما ذَكَرَه أبو نُعيْم انتهى (^٥)، ورأيتُ أنَا في زَوَائد المُسْنَد لعبد اللّه بن أحمد أنّه كَانَ عُمْرُه عَشْر سنِين وأشْهُرًا (^٦)، انتهى وهي تُجْمَع مع الّتى قبلها، ورأى ﵇ في النَّوْم أَنَّ بَطْنَه أُخْرِج فَنُثِر وغُسل، ثم أُعِيدَ، وعن القُرطُبِيّ المُفَسِّر أَنَّ شق الصَّدْر ثلاث مَرَّات، عند حَلِيمة وبِحِرَاء حِين جَاءَ المَلَك، ولَيْلَة الإسراء (^٧) انتهى، فهذه خَمُس
_________________
(١) الإشارة إلى سيرة المصطفى ص: ٧٢.
(٢) عيون الأثر ٢/ ٣٢٩.
(٣) أخرجه البخارى في كتاب الصلاة باب كيف فرضت الصلوات في الإسراء ١/ ٤٥٨ برقم (٣٤٩) وطرفاه برقم (١٦٣٦، ٣٣٤٢) ومسلم في صحيحه في كتاب الإيمان ١/ ١٤٨ برقم (٢٦٣).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان ١/ ١٤٧ من حديث أنس برقم (٢٦١).
(٥) دلائل النُّبَّوة لأبي نعيم ص: ١٧٥ وفيها: إني لفي صحراء أمشي ابن عشر حجج إذا أنا برجلين … الحديث. وانظر الإشارة إلى سيرة المصطفى للمغلطاي ص: ٦٧ أيضا.
(٦) أخرجه عبد اللّه بن أحمد في زوائد المسند من حديث محمد بن أبى بن كعب ٥/ ١٣٩. وذكره الهيثمي في مجمعه ٨/ ٢٢٥ - ٢٢٦، وقال: رَوَاه عبد اللّه، ورجاله ثقات وَثَّقَهم ابن حِبَّان وانظر سبل الهدى والرشاد ٢/ ٨٣ أيضا، فإنه ذكر مصادر أخرى للحديث أيضًا.
(٧) لم أجد كلام القرطبي في تفسير سورة الإسراء ولا في تفسير سورة العَلَقَ ولا في تفسير سورة الانشراح، ولعله ذكره في مكان آخر لمناسبة.
[ ١ / ٧٩ ]
مَرَّات، وذلك زِيادةً في التَّطْهِير، وإنْ كَانَ طَاهِرًا، وتوفيت أمّه آمنة، وله سِتّ سِنين بِالأَبْوَاء، بين مَكَّة والمَدِينَة، ثم سَافَر مع عَمّه أبى طَالِب [واسمه] (^١) عبد مَنَاف عَلَى الأصَحّ، وقيل: اسمه قُتَيْبَة، وقيل: عمران، وفيه نظر - إلى بُصْرَى، واتَّفَقَ له مع بَحيْرَا الرَّاهب مَا هُو مَعْرُوف، ثُمّ شَهِد حَرْب الفجار، ثم سَافَرَ مَرَّةً ثَانيِةً في تِجَارةٍ لِخَدِيجة مع غُلامها مَيْسَرة -[ولم] (^٢) يبلغني إسلام مَيْسَرة - إلى الشَّام، واتَّفَق له مع نَسْطورا الرَّاهِب مَا هُو مَعْرُوف، ثم تَزَوَّجَ بعد ذلك بِخَدِيجة، وقد اختلف في سِنِّهما إذ ذَاك على أقوال … (^٣) ثم بَنَت قريش الكَعْبَة، وله خمس [وثلاثون] (^٤) سَنَةً، وقِيل غير ذلك … (^٥) فَوَضَعَه ﵇ بِيَدِه الشَّرِيفَة، ثم بُعِث نَبِيًا، وَلَه من العُمر أَرْبَعُون سَنَةً، وفي سِنِّه إذْ ذاك أيضًا أَقْوَال أُخْرَى، وما قَدَّمْتُه هو الصَّحِيح، فَدَعَا قَوْمَه إلى الإسْلام، فأَسْلَم منهم من أرَادَ اللّه به الخَيْرَ، ولَقِي من أَذَى قَوْمِه مَا هُو مَسْطُور في الكُتُب، وانْشَقّ لَه القَمَر، وسَيَأتي في المُعْجزات إن شَاءَ اللّه تَعَالَى، ثم هَاجَرَ بعضُ المُسْلِمِين إلى الحَبَشَة سَنَة خَمْس من النُّبُوَّة، فَهَاجَرَ في المَرَّة الأُوَلى اثْنَا عَشر رَجُلًا، وقيل غير ذلك وأرْبَع نِسوَة، ثم رَجَعُوا عندما بَلَغَهم عن المُشْرِكين سُجُودهم معه ﵇ في سُوْرَة النَّجْم، ثم هَاجَر المُسْلِمُون ثَانِيَةً، وكَانُوا ثَلاثَةً وثمانين رَجلًا - إن كان فيهم عَمَّار بن يَاسِر، فَفِيه
_________________
(١) ما بين المعقوفين ساقط في أقصى الحاشية، فأثبته من السياق.
(٢) ما بين المعقوفين ساقط أثناء التصوير في نهاية السطر، فأثبته من السياق.
(٣) بقدر كلمة بياض في النسخة.
(٤) ما بين المعقوفين غير واضح وغير مقروء في أقصى الحاشية، فزدتُّه من مصادر أخرى.
(٥) بقدر نصف سطر شبه ممسوح في النسخة في نهاية الصفحة، لم أتمكن من قراءته.
[ ١ / ٨٠ ]
خِلافٌ، وقِيل غير ذلك - وثَمَانِي عَشْرَة امرأَةً، وهُم وهُنَّ مَعْرُوفُون مَذْكُورُوْن، ثم أَسْلَم عُمَر بن الخَطَّاب، ثم دَخَل بَنُو هَاشِم وبَنُو المُطَّلِب الشِّعبَ، وقد اختلف في إقَامَتِهم فيه، فقيل: ثَلاث سَنين، وقبل: سَنَتَان، ثم خَرَجُوا منه، ثم جَاءَ وَفْدُ نَجْرَان، وهم عِشْرون رَجُلًا أو قَرِيب من ذلك، فآمنُوا به، وصَدَّقوه، ثم تُوفّيت خَدِيجة ﵂ وأبو طَالِب، فَسَمَّاه ﵇ عَامَ الحُزْن، ثم خَرَج ﵇ إلى الطَّائف وَحْدَه، ويُقَال: ومعه زيد بن حَارِثَة في شَوَّال سنة عشر من النُّبُوّة، وجَرَى له مع ثَقِيف مَا هُو مَسْطُور في الكُتُب، ثم أسْلَم الجِنُّ، ثم أُسْرِي بِرُوْحِه وجَسَده على الصَّوَاب إلى بَيْتِ المَقْدس، ثم عُرِج به إلى السَّمَواتِ، وصَلَّى بالأنبياء ﵈ الصَّلاة الشَّرْعِيّة فوق السموات، ومن حديث أنَسٍ أنّه صَلَّى بهم ببيت المَقْدس، فعليه صَلَّى بِهم مرتين، وقد أنكر حُذَيْفَة كما نَقَلَه عِياض في "الشِّفَاء" (^١) عنه صَلاتَه بهم ببِيْت المَقْدس، فَقَالَ: فَمَا زَالا عن ظَهْرِ البُرَاق حَتى رَجَعَا (^٢)، وقد اختلف في رويتهِ رَبَّه ﷿، والأكْثَرون على أنّه رَآه، لا كما قَالَه عثمان بن سَعيِد الدَّارِميّ نَقْلًا عن الصَّحَابة (^٣)، وهو غريبٌ، وفُرِضت عليه الصَّلوَات الخَمْس، وعلى أُمَّتِه، ثم عَرَضَ نَفْسَه على قَبَائل العَرَب، ثم أَسْلَم بعض الأَنْصَار - وهما اثنان، أَسْعَد بن زُرَارَة وذكوان بن عبد قَيْس، فَلَمّا كَانَ العَامُ القَابِل في رَجَب أَسْلَم منهم سِتَّةٌ وقيل: ثَمَانِيةٌ، وهم مَعْرُوفون - في العَقبة
_________________
(١) الشفاء ١/ ١١٤.
(٢) وأخرج مسلم في صحيحه ١/ ١٤٥ برقم (٢٥٩) من حديث أنس في حديث طويل وفيه: حتى أتيت بيت المقدس، قال: فربَطْتُه بالحَلَقة الّتي يربط بها الأنبياء، قال: ثم دخلتُ المَسْجِدَ، فَصَلّيتُ فيه ركعتين، ثم خرجتُ .. فلا يَصحّ قوله: فما ذالا عن ظَهْر البُرَاق … أو يقال إنّ الإسراء تعدد واللّه أعلم.
(٣) قال السهيلي في الروض والأنف ٣/ ٤٢٤ … وقد حَكَي عثمان بن سعيد الدَّارمِي اتفاق الصَّحَابة على أنّه لم يَرَه …
[ ١ / ٨١ ]
الأُوْلَى، فَلَمّا كَانَ العَامُ المُقْبِل قَدِم من الأَنْصَارِ من الخَزْرَج اثنا عشر رَجُلًا، وقيل غير ذلك، منهم خمسة من السِّتَّة المشار إليهم، فأسْلَمُوا، ثم أَسْلَم سَعْد بن مُعَاذ وأُسَيْد بن الحُضَير بالمَدِينة المُشَرَّفَة على يَدَي مُصْعَب بن عُمَيْر، ثم العَقَبة الثَّانيِة، ومعهم البَرَاء بن مَعْرُور: بِالعَيْن المُهْمَلة، وقد اختلف في عَدَدِهم، فيقال، ثَلاثَة وسَبْعُون، وقيل غير ذلك، وهم مَعْرُوفُون، ومَعَهُم امرأتَان، نَسيِبَةُ بنتُ كعب أمّ عُمَارَة، وأسماء بنت عَمْرو بن عَدِيّ أمّ مَنيِع، ثم هَاجَرَ ﵇ إلى المَدِينة المُشَرَّفَة ومعه أبو بكر الصِّدِّيق، ومَوْلاه عَامِر بن فُهَيْرَة، ودليلهم عبد الله بن أُريْقط - وَكَان إذ ذَاك لم يُسلم ثم أسْلَم، وصَحَّت (^١)، فَدَخَل الغار في ثَوْر ومعه الصِّدِّيق، فَعَشْعَش على باب الغَار حَمَامَتَان وَحْشِيّتَانِ، ويُقَال: إنْ حَمَام الحَرَم منهما، ونَسَج العنكبوت على الغَارِ، ونَبَتَت على بابه شَجَرةٌ يُقَال لها: الرَّاءَة (^٢)، فَلِبثَا فيه ثَلاث لَيَالٍ وفي حديث مُرْسَل أكثر من ذلك.
ثُمّ خَرَجَا، ومَعَهُما عَامِر بن فُهَيْرَة والدَّليل، فَنَزَلُوا عَلَى أمّ مَعْبَد ﵂ بِقُدَيد، وخَبَرُها مَعَه مَعْرُوف، ثم هَاجَرَتْ هي وزوجُها فأسْلَمَا، ثم اعترضَهُم لَمّا رَاحُوا من عندها سُرَاقَة بن مَالِك بن جُعْشم، فَجَرىَ له ما هو مَذْكُور في الصَّحيح من حَدِيثِه (^٣)، ثم نَزَلَ بِقْباء يومَ الاثنين لاثنتي عشرة لَيْلَةً خَلَتْ من شَهْر رَبيِع الأوَّل وقتَ الضُّحَى على كُلْثُوم بن الهِدْم، وَكَان قد أَسْلَم، وقيل: إنّما أَسْلَم
_________________
(١) كذا "وصحت" في النسخة.
(٢) في الروض الأنف ٤/ ٢١٠: لما دخله أي الغار - وأبو بكر معه - أنْبَتَ اللّه على بابه الرَّاءَة، قال قاسم: وهي "شجرة معروفة، فحجبت عن الغار أعين الكفار، وقال أبو حنيفة: الرَّاءَة من أغلاث الشجر، وتكون مثل قامة لإنسان، ولها خيطان وزهر أبيض تُحْشَى به المَخَادّ، فيكون كالريش لخِفّتِه ولينه، لأنه كالقطن .. انتهى من الروض.
(٣) انظر خبر سُرَاقَة بن جُعْشم في صَحيح البخاري كتاب مناقب الإنصار ٧/ ٢٣٨ برقم (٣٩٠٦) مع الفتح. وانظر الحديث في الروض الأنف ٤/ ٢١٧ أيضا.
[ ١ / ٨٢ ]
بَعد نُزُوله، فَكَان نُزُولُه سَبَبَ إسلامِه، وكان يَجْلِسِ في بيت سَعْد بن خَيْثَمة، وقد نَزَل على كُلْثُّوم جَمَاعَةٌ من الصَّحَابَة، ويقَال: نَزَل ﵇ على كُلْثُوم، ويُقَال: على سَعْد بن خَيْثَمة، ثم انتَقَلَ ﵇ إلي المَدِينة المُشَرَّفَة بعد أيّام اختلف في عَدَدِها، فاعترضه الأَنْصَار قَبِيلَة قَبِيلَة في النزول عَلَيهِم، فَنَزَل على أبى أيُّوب خَالِد بن زَيْد الأَنْصَارِيّ مِنْ بني مَالِك بن النَّجَّار أخي عَدِيّ بن النَّجْار جَدّه، ثُمّ أَسْلَم عبد اللّه بن سَلَّام، ثم بَنَي مَسْجِدَه المُشَرَّف، وبعد مَقْدَمِه المدينةَ بشِهْرٍ زِيد في صَلاة الحَضر لاثنتي عشرة لَيْلَةً خَلَتْ من رَبِيع الآخر، قال الدُّولابِيّ: يَوْمَ الثلاثاء، وَقَال السُّهَيْلِيّ: بَعْدَ الهِجْرَة بِعَامٍ أو نَحْوهِ انتهى وقيل: غير ذلك ثم وَادَع اليَهُود، وكُتِب بينهم وبين المُسْلِمِين كِتَابٌ بذلك، ثم آخَى بين المُهَاجِرِين والأَنْصَار، وكَانُوا مائةً، خَمْسُون من كُلّ صِنْفٍ ويُقَال: تِسْعُون، خَمْسَة وأَرْبَعُون من كُلّ صِنفٍ وهذِه المُوَاخَاة مُتَّفَقٌ عَلَيْها وأمّا المُوَاخَاة بمكَّة بَيْنَ المُسْلِمِين، بَعْضِهم مع بَعْضٍ فقد أنكرها الحَافِظ أبو العَبَّاس بن تَيمِيَّة، ثم أُرِيَ عبد اللّه بن زَيْد بن عبد رَبِّه الأَذَان في السَّنَة الأُوْلَى، وقيل: الثَّانِية، ورَآه أيضًا عُمُر بن الخَطَّاب، فَكَتَمَه، ثُمّ أخْبَرَ به، وقِيل: رَآه سَبْعَةٌ من الصَّحَابة، كَذَا في كُتُب بَعْضِ الفُقَهاء، وقِيلَ: رَآه بضعة عشر نَفَرًا منهم، وقد أَنَكَر هَذَا أبو عَمْرو بن الصَّلاح وتَابَعَه النَّوَوِي على الإمام الغَزَالِي، ثم قَدِم عليه ﵇ وفدُ نَصَارَى نَجْرَان، وهم سِتُّون رَاكِبًا، فِيهم أَرْبَعَة عَشْرَ نَفَرًا من أَشْرَافِهم مَذْكورُوْنَ، فَوَادَعُوه وانصَرَفُوا إلى بِلادِهم، ثم بعث حَمْزةَ بن عبد المُطَّلب، وعُبَيْدَة بن الحَارِث بن المُطَّلب بن عَبْد مَنَاف وكانت رَايةُ حَمْزَة أوّل رَايَةٍ عُقِدت، وذلك أنّ بَعْثَه وبَعْث عُبَيْدة كَانَا مَعًا، فَشُبِّه على النَّاس، وفي بَعْضِ ما أَذْكُر من تَقْدِيم بَعْضِه على بَعْضِ اختلافٌ، ثم سَرِيّة سَعْد بن أبى وَقَّاصَ إلى الخَرَّار، ثم غَزْوة رَسُولِ اللّه ﷺ للأَبْواء، وَهِي وَدَّان، ثم غَزْوَة بُوَاط، ثم غَزْوَة
[ ١ / ٨٣ ]
العُشَيرْة وهي يَنْبُع، ثُمّ بَدْر الأوَلى، ولم يَتَّفِق فيها قِتَالٌ، ثم سَرِيّة عبد اللّه بن جَحش، ثم تَحْوِيل القِبْلَة إلى مَكَّة من بَيْت المَقْدِس، ثُمّ غَزْوَةِ بَدْر الكبرى الَّتي اتّفَقَ فيها القِتَال، والقَتْل والأسْرُ، وكَانَتْ يَوْمَ الجُمُعَة صَبِيحة سَبْع عشرة من رَمَضَان من السَّنَة الثَّانِيَة، ثم هَلَك أبو لَهَبٍ عبد العُزَّى بعدها بأَيّامَ قَلائل مَعْرُوفَة العَدَد، ويُقَال: قبل بَدْر، ثم سَرِيّة عُبيد بن عُمير، ثُمّ سَرِيّة سَالِم بن عُمَيْر، ثم غزوته ﵇ بِنَفسه بني سُلَيم، ثم غَزَوَة بني قينقاع، ثم غَزْوَة السَّوِيق، ثم غَزْوَة قَرْقَرَة الكَدر، ثُمّ السّريّة لقتل كَعْب بن الأَشْرَف لَعَنَه اللّه، وكان الخَارِج فيها خَمْسة من المُؤمنين رأسهم محمد بن مَسْلَمة، فَقُتِل كَعْبٌ، ثم خبر مُحَيِّصَة بن مَسْعُود مع ابن سُبَيْنَة اليَهُودِيّ، فَقُتِل لَعَنَه الله، ثم سَريّة غطفان بناحية نَجْد، ثم غَزْوَه بُحْران (^١) ثُمّ سَرِيّة زَيْد بن حَارِثَة إلى القردة، ثم غَزْوَة أحُد، وقد اتَّفَق للنّبِيّ ﷺ والمُسْلِمين ما هو مَعْرُوفٌ، وقد اختلف في عَدَدِ الشُّهَدَاءِ فيها، فقيل: سَبْعُون، وقيل: أكْثَر، وقيل: أقَلّ، ثم غَزْوة حَمْراء الأَسَد، ثم سَرِيَّة أبى سَلَمة عبد اللّه بن عبد الأَسَد إلى قَطَن، ثم سَرِيّة عبد اللّه بن أُنَيس إلى سُفْيان بن خَالِد بن نُبَيح الهُذَلِيّ بُعرنة، فَقَتَلَه وأخَذَ رَأسَه، ثم دَخَل في غَارٍ فَضَربَت العَنكَبُوت عليه، ثم غَزْوَة الرَّجيع وكانوا عَشْرة كما في الصَّحِيح (^٢)، وقَالَ ابن إسحاق: سِتَّة، وقد نَظّمهم حَسَّان بن ثَابِت في بَيْتَيْن سِتَّة، فَقَال:
_________________
(١) بُحْرَان كذا ضبط بالقلم في النسخة، وكتب (معا) فوقها كأنه إشارة إلي أنّ الباء الموحدة بالضم وبالفتح مَعًا، وفي معجم البلدان ١/ ٣٤١: بُحْرَان: بِالضَّمِّ، موضع بناحية الفُرُع، قال الواقدي: بين الفرع والمدينة ثمانية برد، وقال ابن إسحاق: هو معدن بالحجاز في ناحية الفرع … ثم ذكر عن ابن إسحاق في سيرة عبد اللّه بن جحش: فَسَلك على طريق الحجاز حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له: بُحْرَان أضَلّ سعد بن أبى وقاص وعتبة بن غزوان بَعيرًا لهما كانا يعتقبانه، وذكر القَصّة، كذا قَيّده ابن الفرات بفتح الباء ههنا، وقد قيده في مواضع بضمها، وهو المشهور، وذكره العمراني والزّمَخْشري، وضَبَطَاه بالفتح واللّه أعلم.
(٢) راجع صحيح البخاري ٧/ ٣٧٨ مع فتح الباري، في المغازي باب غزوة الرجيع …
[ ١ / ٨٤ ]
أَلا لَيْتَنِي فيها شَهِدتُ ابن طَارِق … وزَيْدًا وما تُغنِي الأَمَانِي ومَرْثَدًا
ودَافَعتُ عن حِبّي خُبَيْب وعَاصِم … وَكَانَ شِفَاءً لو تَدَاركْتُ خَالِدًا (^١)
وقال ابن سَعْد: إنَّهم عَشْرَةٌ، فَذَكَر فيهم مُعَتِّب بن عُبَيد (^٢)، فَقُتِل الكُلّ، ثم قِصّة بئر معونة، وَكَانُوا سَبْعِين ويُقَال: أَرْبَعُون، ويُقَال: ثَلاثُون وغَالِبُهُم من الأنْصَار، فقُتلِوا غَير وَاحِدٍ، فإنَّه جُرِح، فَارْتُثّ من بَيْن القَتْلَى، وعَاشَ، حتى شَهِد الخَنْدَق، مَاتَ تشهَد (^٣)، وكان في سَرْح القوم عَمْرو بن أمَيَّة الضَّمْرِي والمُنْذِر بن محمد بن عُقْبَة بن الجلاح، فَقَاتَل المُنْذِر حَتّى قُتِل، وجَاءَ عَمْرو فأَخْبَرَه ﵇ بِمُصَاب القَوْم، ثم غَزْوَة بَنِي النَّضِير على رأس خَمْسةِ أَشْهُر (^٤) من أُحُد، ثم غَزْوة ذَات الرِّقَاع، كَذَا عَمِلَها ابن إسحاق، وتُوبِع، وينبغي أن يُؤخَّر إلى بعد خَيْبَر لأَنَّ أبا هُرَيْرَة وأبا مُوسَى الأَشْعَرِيّ حَضَراهَا، وأبو مُوسَى جَاءَ مع أَصْحَاب السَّفِينتَين هِنَ الحَبَشَة بعد قِتال خَيْبَر وقبل القِسْمَة، وكَذَا أبو هُرَيَرْةَ جَاء بعد القِتَال وقَبْل القِسْمَة أَيْضًا. ثم بَدْر المَوْعِد، فلم يقدم أبو سُفْيَان صَخْر بن حَرْب لموعده ببدر، بل رَجَع بِالمشركين هن مجنّة من نَاحِية مَرّ الظّهران، وبَعْضُهم يَقُولُ: قد بَلَغَ عُسْفَان، ثم رَجَعَ، ثم غَزْوَة دَوْمَة الجَنْدَل، ثم غَزْوَة
_________________
(١) البيتان ذكرهما ابن سيد الناس في عيون الأثر ٢/ ٤٢.
(٢) طبقات ابن سعد ٢/ ٥٥ وعنون ابن سعد بقوله: سرية مرثد بن أبى مرثد.
(٣) كذا "مات تشهد" واضح في المخطوطة، وفي عيون الأثر ٢/ ٤٤ … فعاش حتى قتل يوم الخندق شهيدًا ﵀.
(٤) انظر السيرة النبويّة لابن كثير ٣/ ١٤٥ فإنّ فيها خلاف هذا.
[ ١ / ٨٥ ]
بَنِي قُريْظَة بعد مَرْجِعِه ﵇ من الخَنْدَق، فَقَتَل المُقَاتِلَة، وهم ستّمائة أَوْ سَبْعمائة، والمُكْثِر يَقُولُ: كانوا بين الثَّمَانمائة والتّسعمائة، ويُقَالُ في عَدَدِهم غير ذلك، فَخَنْدَقَ لهم خَنَادِق في سُوقِ المَدِينَة المُشَرَّفَة، وضُرِبت أَعْنَاقُهم، ثم سَرِيّة محمد بن مَسْلَمَة إلى القرطاء من هَوَازن، ثم بَعث عبد الله بن عَتِيك لِقَتْل أبي رَافِع سَلام: بتَخفِيف اللَّام ابن أبي الحُقيق، فَخَرجَ إليه خَمْسة مِنَ الخَزْرَج فَقَتَلُوه عَلى كُفْرِه، ثم غَزْوَة بَنِي لحْيَان، ثم غَزْوة ذي قرد، ويقال لها: الغابة، ثم سرية سعيد بن زيد إلى العُرَنيّين في شَوّال سَنَة سِتّ، ثم غزوة بَنِي المُصْطَلِق، ثم غَزْوَة المُريَسع، وفيها اتّفَقَ الإِفْك، واختلف في تَارِيخِها، فعند ابن إسحاق سَنَة سِتّ، وعند مُوسَى بن عُقْبَة سَنَة أَرْبَع، وفي سَنَة خَمْس عند ابن سَعْد (^١)، ثم سَرِيّة عُكَّاشَة بن مِحْصَن إلى الغَمْر، ثم سَرِيّة محمد بن مَسْلَمَة إلى ذِي القَصّة (^٢)، ثم سَرِيَّة أبي عُبَيْد بن الجَرَّاح إلى ذِي القَصَّة (^٣)، ثم سَرِيّة زَيْد بن حَارِثَة إلى بَنِي سُلَيم بالجَمُوم، ثم سَريَّته إلى العَيْص، ثم سَرِيَّتَه إلى الطَّرَف، ثم سَريّته إلى حِسْمَى (^٤)، ثم سَرِيّتَه إلى وَادِي القُرَى، ثم سَريّة عبد الرَّحْمن بن عَوْف إلى دَوْمَة الجَنْدَل، ثم سَريَّة زَيْد بن حَارِثَة إلى مَدْيَن، ثم سرية عَلِيّ بن أبي
_________________
(١) كذا في النسخة مع أنّ غَزْوة بني المصطلق هي غزوة المريسيع، ولذلك يقول ابن سيد الناس في عيون الأثر ٢/ ٩١: غزوة بني المصطلق، وهى غزوة المريسيع.
(٢) طبقات ابن سعد ٢/ ٦٣.
(٣) قَصَّة: بالفتح وتشديد الصاد … وذو القَصَّة موضع بين زُبَالةِ والشُّقُوق دون الشقوق بميلين قُلْب للأعراب يدخلها ماء السماء عَذْبًا زُلالًا، وإلى هذا الموضع غزاة أبى عبيدة، قاله ياقوت في معجم البلدان ٤/ ٣٦٦ وفي عيون الأثر ٢/ ١٠٤: سرية محمد بن مسلمة إلى ذي القَصة: بفتح القاف والصَّاد المهملة.
(٤) في معجم البلدان ٢/ ٢٥٨ حِسْمَى: بالكسر ثم السكون، مقصور، يجوز أن يكون أصله من الحسم، وهو المنع، وهو أرض ببادية الشام، بينها وبين وادي القُري ليلتان …
[ ١ / ٨٦ ]
طَالِب إلى بني سُعْد بن بَكْر بِفَدَك، ثم سَريّة زَيْد بن حَارِثة إلى أمّ قِرْفَة بِوَادِي القُرَى، فَقُتِلَت - لَعَنَها اللّه - شَرّ قَتْلةٍ، ثم سَرِيّة عبد اللّه ابن رَوَاحَة إلى أُسَير بن رِزَام اليَهُوديّ بِخَيْبَر، فَهَمّ - لَعَنَه اللّه - بالغَدْر بِعَبْد اللّه بن أُنَيْس، فَقَتَلَه عبدُ اللّه بن أُنَيْس، ثم سَرِيَّة عَمْرو بن أمَيّة الضَّمْرِيّ وسَلَمَة بن أَسْلَم بن حَرِيش أو جَبَّار (^١) بن ضَمْر عِوَضَه إلى أبى سُفْيَان صَخْر بن حَرْب بِمَكَّة، ثم غَزْوَة الحُدَيْبيَّة، وفيها بيْعَةُ الرّضْوَان في ذِي القَعْدة سَنَة سِتّ، ولم يَتَّفِق فيها قِتَالٌ، بل صُلْح على وَضْع الحَرْب عَشْر سِنينَ على الصَّحِيح من أَقْوال، ولَمّا انْصَرَف ﵇ منها يُقَال: كَتَبَ إلى المُلُوك وأَعَدّ الخَاتَم، وقِيل: الكِتَابة سَنَة خَمْس، وقِيل: سنة سَبْعٍ وأعَدَّ فيها الخَاتَم، وسَيَأتِي ذِكْرُ كُتَّابِه بِانْفَرادهِم في تَرْجَمةٍ، وذِكْرُ مَنْ كَتَب إليه ﵇ في ذِكْر رُسُله إلى المُلُوك، ثم غَزْوَة خَيْبَر، ثُمّ أمر وَادِى القُرَى، ثم صَالَح أهل تَيْمَاء على الجزْيَة، ثم سَريّة عُمر بن الخَطَّاب [إلى تُرَبَة، ثم سَرِيّة أبِى بكر الصَّدّيق] (^٢) إلى بَنِي كلاب بِنجْد ثم سَرِيّة بَشِير بن سَعْد إلى فَدَك، ثم سَرِيّة غَالِب بن عبد اللّه اللَّيْثِيّ إلى المَيْفَعَة، وهى مِنْ وراء بَطْن نخل، ثم سَرِيّة بَشِير بن سَعْد الأَنْصَارِيّ إلى يَمن وجَبَّار (^٣)، ثم عُمْرة القَضَاء في ذِي القَعْدَة سَنَة سَبْع، ثم سَرِيَّة ابن أبى العَوْجَاء السُّلَمِيّ إلى بَنِي سُلَيْم، ثم سَرِيَّة غَالِب بن عبد الله اللَّيثِيّ إلى بَنِي المُلَوَّح بالكديد، ثم سَرِيّة غَالِب بن عبد اللّه
_________________
(١) جَبَّار: بفتح الجيم والباء المشددة المعجمة بواحدة، قاله الأمير في الإكمال ٢/ ٣٧ وانظر أيضا توضيح المشبّه ٢/ ١٤٠.
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من النسخة، ولابد من هذه الزيادة، لأنّ كتب السيرة متفقة على أنّ سَرِيّة عمر بن الخَطّاب إلى تُرَبَة وسريّة أبي بكر إلى بن كلاب بنجد، راجع طبقات ابن سعد ٢/ ١١٧، ١١٨ وعيون الأثر ٢/ ١٤٥، ١٤٦.
(٣) جَبَّار: بالفتح وتشديد ثانيه، من قُرَى اليمن كما في معجم البلدان ٢/ ٩٩.
[ ١ / ٨٧ ]
اللَّيْثِيّ إلى مُصَاب بَشير بن سَعْد بِفَدَك، ثم سَرِيّة شُجَاع بن وَهْب الأَسَديّ إلى بني عامر بالسِّيِّ، ثم سَرِيّة كَعْب بن عُمَيْر الغِفَارِيّ إلى ذَاتِ أَطْلاح (^١) من وَرَاء وَادِي القُرَى، وفي صَفَر سَنَة ثَمانٍ من الهِجْرة أَسْلَمَ عَمْرو بن العَاص وخَالِد بن الوَلِيد وعُثْمَان بن طَلْحَة، وقيل في إسلام عَمْرو وخَالِد غير ذلك، ثم غَزْوَة مُؤتَة من أرض البَلْقَاء في جمادى سَنَة ثَمانٍ، فقُتِل بها زَيْد بن حَارِثَة وجَعْفَر بن أبى طَالِب وعبد اللّه بن رَوَاحَة وغيرهم، وقد اختلف، هل انتَصَر جَيْشُ النَّبِيّ ﷺ كما في الصَّحِيح (^٢)، أو انكَسَرَ كما قَالَه ابن سَعْد، وهو أَحَدُ القَوْلَيْن عنده (^٣)، أو لم يَنْتَصِر أحدُ الفَرِيقَيْن، كَمَا قَالَه ابن إسحاق، وفي سَنة ثَمانِ صُنِع المِنْبَر بمَسْجِد النَّبِيّ ﷺ، وقيل: في السَّابِعَة، وعلى القَوْل بأَنَّ تَميمًا صَنَعَه، فيكون في التَّاسِعَة، لأَنَّ تَميمًا إنَّما صَنَعَه وهو مُسْلِم كَمَا جَاءَ في حَدِيثٍ (^٤) قال ابن عبد البَرّ أَنَّه أَسْلَم في التَّاسِعَة (^٥)، وقد اختلف في اسم صَانِعِه على أقْوَال مَعْرُوفَة (^٦)، ثم بَعْث عَمْرو بن العَاص إلى ذَاتِ السَّلاسِل، وهي من وَرَاء وَادِي القُرَى، ثم سريَّة الخَبَط أَمِيرُها أبو عُبيدة بن الجَرَّاح في رَجَب سَنَة ثَمَانٍ، وفيها خَبَر في العَنْبَر، وقَولُه في هذه السَّرِيّة كما في الصَّحِيح:
_________________
(١) أطْلاح: بالحاء المهملة، ذات أطلاح: موضع من وراء ذات القرى إلى المدينة كما في معجم البلدان ١/ ٢١٨.
(٢) انظر صحيح البخارى مع الفتح ٧/ ٥١٢ برقم (٤٢٦٢) وفيه … حتى أخَذَ الرَّايَة سيف من سُيُوف اللّه حتى فَتَح اللّه عليهم.
(٣) طبقات ابن سَعْد ٢/ ١٣٠.
(٤) أخرجه ابن سعد في طبقات ١/ ٢٤٩ - ٢٥٠ وانظر فتح الباري ٢/ ٣٩٨.
(٥) الاستيعاب ١/ ١٩٣، وهو تميم بن أوس الدّاري، كَانَ نَصْرانيًا، وكان إسلامه في سنة تسع من الهجرة …
(٦) ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٢/ ٣٩٨ تسعة أقوال.
[ ١ / ٨٨ ]
نَرْصد عِيْرًا لِقُرَيش (^١)، فيه نَظَرٌ ظَاهِرٌ، لأَنَّ بعد صُلْح الحدُيبيّة لم يَكُن ﵇ يُعَرّض لِقُرَيش، حتى نَقَضُوا الصُّلح، فَأَتَاهُم ﵇ بَغْتَةً، فَكَان الفَتْح في رَمَضان سنة ثمانٍ ثم سَرِيّة أبى قَتَادَة بن رِبْعِيّ إلى خَضِرَة (^٢)، وهى أرض مُحَارب، ثُمّ سَرِيّته إلى بَطْن إضم، ثم سريّة ابن أبى حَدْرَد الأَسْلَمِيّ إلى الغَابَة، ثم فتح مَكّة شَرَّفَهَا اللّه تَعَالَى في رَمَضَان سَنَة ثَمَانٍ كما تَقَدَّم أَعْلاه، ثُمّ سَرِيَّة خَالِد بن الوَلِيد لِهَدْم العُزَّى، ثم سَرِيّة عَمْرو بن العَاصِ إلى سُواع، ثم سَرِيَّة سَعْد بن زَيْد الأَشْهَلِيّ إلى مَنَاة، ثُمّ سَرِيّة خَالِد بن الوَلِيد إلى بَنِي جَذِيَمة من كنانة، وكَانُوا بأَسْفَل مَكَّة على لَيْلَة بِنَاحِية يَلَمْلَم لِهَدْم العُزّى، ثم غَزْوَة حُنَيْن، فَكَان لْلِمُسْلمِين جولة، ثم انْتَصَر المُسْلِموُن، ثم أَوْطَاس، بَعَثَ إلَيْهَا أَبَا عَامِر الأَشْعَرِيّ مَع جَمَاعَةٍ فَقُتِل أبو عَامِر من المُسْلِمِين، وقُتِل فيها دُرَيد بن الصِّمَّة وغيره من المُشْرِكين، وقَدِم على رَسُولِ اللَّه ﷺ وَفْد هَوَازِن، وهم أَرْبَعة عَشر رَجُلًا، ورأسُهم زُهَيْر بن صُرَد، وفيهم أبو بُرْقَان عَمُّ رَسُولِ اللَّه ﷺ مِنَ الرَّضَاعَة، وسَرِيَّة الطُّفَيْل بن عَمْرو الدَّوْسِيّ إلى ذِي الكَفَّيْن، ثم غَزْوَة الطَّائف، ثم بَعْثه ﵇ المُصَدِّقِين هلالَ المُحَرَّم سَنَة تِسْع، ثم سَرِيَّة عُيَيْنَة بن حِصْن الفَزَاريِّ إلى بَنِي تَميم، فَقَدِم فيهم عِدّةٌ من رُوسَائهم، عُطَارد بن حَاجِب والزِّبْرِقَان بن بَدْر وغيرهما، ثم سَرِيَّة قُطْبَة بن
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي ٨/ ٧٧ برقم (٤٣٦١) وقال الحافظ ابن حجر في الفتح في شرح هذا الحديث: لكن تلقي عير قريش ما يتصور أن يكون في الوقت الذي ذكره ابن سعد في رَجَب سنة ثمان، لأنَّهم كانوا حينئذ في الهدنة، بل مقتضى ما في الصَّحِيح أن تكون هذه السَّرِيّة في سنة سَتّ أو قبلها قبل هدنة الحديبية، نعم يحتمل أن يكون تلقيهم للعير ليس لمحاربتهم بل لحفظهم من جُهَيْنَة، ولهذا لم يقع في شئ من طرق الخبر أنَّهم قَاتَلَوا أَحَدَّا، بل فيه أنَّهم قَامُوا نصف شهر أو أكثر في مكان واحد، واللّه أعلم.
(٢) في معجم البلدان ٢/ ٣٧٧: خَضرِة بفتح أوّله وكسر ثانيه، أرض لمحارب يتجد، وقيل: هي بتهامة من أعمال المدينة.
[ ١ / ٨٩ ]
عَامِر بن حَدِيدَة إلى خَثْعَم ببيشَة قَرِيب من تُرَبة، ثم سَرِيّة الضَّحَّاك بن سُفْيَان الكِلابِيّ إلى بني كلاب، ثم سَرِيّة عَلْقَمَة بن مُجَزِّز المُدْلَجيّ إلى الحَبَشَة في ربيع الآخَر سَنَةَ تِسْعٍ ثُمّ سَرِيّة عَلِيّ بن أبى طَالِب إلى الفُلْس صَنَم طَيّ لِيَهْدِمَه، ثم سَرِيّة عُكَّاشَة بن مِحْصَن إلى الجِنَاب أرض عُذْرَة وَبلّي، ثم خَبَر كَعْب بن زُهير بن أبى سُلْمَى، وقَصِيدتُه بانَتْ سُعَاد، ثم غَزْوَة تَبُوك في رَجَب سَنَة تِسْع، وفيها قِصَّة كَعْب بن مَالِكِ ومُرَارَة بن الرَّبِيع العُمَرِيّ وهِلال بن أُمَيَّة الوَاقِفِيّ بعد قُدُومهم المَدِينَة، وتَوْبتِهم، ثم بَعَثَه ﵇ خَالِدَ بن الوَلِيد إلى أكَيْدَر بن عبد المَلِك بِدَوْمَة الجَنْدَل، ثم قِصَّة مَسْجِد الضِّرَار وإحراقه مَرْجِعَه ﵇ من تَبُوك.
وقد اختلف في الغَزَوات، فَقِيل: سَبْعٌ وعِشْرُون، والسَّرَايا كَانَت سَبْعًا وأَرْبَعين (^١)، وقِيل فيهما غير ذَلك، ويُقَال: سِتّ وخَمْسُون سَرِيّة، ويُقَال: فَوقَ سَبْعِين، وفي الإكْلِيل (^٢) أنَّ البُعُوثَ عَدُّها فَوقَ مائة، وهو غَرِيبٌ، وقد قَاتَل ﵇ من الغَزَوَات في تِسعٍ وقَالَ الوَاقِدِيّ: إحدى عَشْرة، منها الغَابَة ووادِي القُرَي (^٣) وأمّا التِّسع: فَبَدْر، وأُحُد، والمُرَيِسيع، والخَنْدَق، وقُرَيْظَة، وخَيْبَر، وفَتْح مَكّة، وحُنَيْن والطَّائف، وفي بَعْضِ الرِّوَايَات أَنَّه قَاتَل في بَنِي النَّضيِر، وفي غزاة وَاديِ القُرَى مُنْصَرِفَه من خَيْبَر، وقَاتَل في الغَابَة، واللّه أعلَم.
خَبَر وَفْدُ ثَقِيف، حَجُّ أبي بكر بِالنَّاس سَنَة تِسْعِ وفي هذه السَّنة قَدِمَت الوُفُود، وقَدْ تَقَدَّم وَفْدُ بَنِي تَمِيم، ووَفْد ثَقِيف، ووَفْد عَبس: بالموحَّدة، وفَزَارَة،
_________________
(١) راجع مغازي الواقدي ١/ ٧ وطبقات ابن سعد ٥/ ٢ - ٦.
(٢) لعله يريد به الإكليل الّذي ألَّفه الحاكم النَّيْسَابُوريّ، ولم أعثر على هذا الكتاب، انظر ذكر هذا الكتاب في سير النبلاء ١٧/ ١٦٧ في ترجمة الحاكم.
(٣) انظر مغازي الواقدي ١/ ٧ وطبقات ابن سعد ٢/ ٦.
[ ١ / ٩٠ ]
ومُرَّة، وثَعْلَبَةَ، ومُحَارِب، وسَعْد بن بكر، وكِلاب، ورؤاس، وعُقيل، ولَقِيط، وجَعْدَة، وقشير، وبكّاء، وكنانة، وعبد بن عَدِي وباهلة، وأشْجَع، وسُلَيم، وهلال بن عَامِر وقُدَر بِالرَّاء في آخرِه، وكذا رأيتُه عند الحافظ أبى الفتح ابن سَيّد النَّاس (^١)، وقَد نَظَّمَه شَيْخُنا العِرَاقِي في سِيَرته بِالدَّالِ (^٢)، وكذا ذكره الذَّهَبِيّ في تَجْرِيده (^٣)، كما رَأيتُه، وما أدرِي الحق مع مَنْ؟ أو أنّه يُقَال بهما، وعَامِر بن صعصعة (^٤). وتُجيب، وخولان، وجُعْف، ومراد، وزُبيد، وكندة، والصَّدف، وخشين، وسعد هذيم وبَلّيّ، وبهراء، وعذرة، وسلامان، وجهينة، وكلب، وجرم، والأسد، وغسان، والحارث بن كعب، وهَمْدان، وسعد العشيرة، وعَنَس بالنون، والدار، والرّهَا بفتح الراء قبيلة معروفة، وبِضَمِّها بلد معروف، وغامد، والنَّخع بفتح النون والخاء المعجمة، وبجيلة، وخثعم، وحضرموت، وأزد عمان، وغافق، وبارق، ودوس، وثُمَالَة بِضَمِّ الثَّاء المُثَلَّثَة وتَخْفيِف المِيم، والحُدَّان، وأسْلَم، وجُذَام، ومهرة، وحِمير، ونَجْوان وجَيْشَان، ومن الوحش السِّبَاع والذِّئاب، قال شَيْخُنا العِرَاقِي في سِيرته.
_________________
(١) لم أجد ذكر هذا الوفد أي وفد قُدَر أو قدد في عيون الأثر لابن سيد الناس.
(٢) وهذه المنظومة في السيرة اسمها: نظم الدر السنية في سيرة خير البرية، وشرحها المناوي وسَمَّى شرحه بالفتوحات السبحانية في شرح ألفية العرافي في السير النبوية، وهذا الوفد جاء ذكره فيها في البيت الحادى عشر في باب ذكر الوفود، ونَصُّه: لقيط بكر وابن عَمَّار قُدَد … مات رُجُوعًا وكلاب ووفد وقال المنادي في شرحه: وفد قُدَد بن عَمَّار: بِضَمّ القاف وفتح الدَّال الأولى …
(٣) لم أجد في التجريد قدَدا وفي التجريد ٢/ ١٣: قداد بن عَمَّار السلمي، له وفادة، ذكره ابن شاهين، وذكر ابن سعد، وفي طبقات ابن سعد ١/ ٣٠٨: أخبرنا هشام بن محمد قال: حَدّثنى رجل من بني سليم من بني الشريد قال: وفد رجل مِنَّا يقال له: قدر بن عَمَّار على النبي ﷺ بالمدينة، فأسلم.
(٤) بعد عامر بن صعصعة في حدود وثُلُث السطر مطموس في أقصى الحاشية، لم أتمكن من قراءته.
[ ١ / ٩١ ]
وفد السِّبَاع والذئاب ذُكِرا … في غَابَةٍ وغيرها واستُنْكِرا (^١).
لكِنّي رأيتُ وَفْدَ الذِّئاب في سُنَن الدَّارِمِيّ المَشْهُور بِالمُسْنَد في أَوَائلِه (^٢) بإسنادٍ صَحِيحٍ من حَدِيث صَحَابِيٍّ مَجْهُول، لكن الجَهْل بِعَيْن الصَّحَابي لا يَضُرّ، لأنّهم عَدُولٌ، كُلُّهم عَلَى الصَّحيِح.