ثم جاء الحافظُ الكبير أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المَقْدسىّ الجَمَّاعيلّي الحنبليّ (٥٤٤ - ٦٠٠) (^١)، فألف كتابه: "الكمال فى أسماء الرجال"، وتناول فيه رجال الكتب الستة.
وإذا كان الحافظ أبو القاسم بن عساكر أول من ألف فى شيوخ أصحاب الكتب الستة، فإِن الحافظ عبد الغنى أولُ من ألف فى رواة الكتب الستة حيث لم يقتصر على شيوخهم، بل تناول جميعَ الرواة المذكورين في هذه الكتب من الصحابة والتابعين، وأتباعهم إِلى شيوخ أصحاب الكتب الستة.
أما نِطاق الكتاب ومنهجُه، فيمكن تلخيصه بما يأتي:
١ - اجتهد أن يستوعب جميعَ رجال هذه الكتب غاية الإِمكان، لكنه قال: "غير أنه لا يمكن دعوى
_________________
(١) (*) • تنبيه هام: هذا الفصل اختصرناه من مقدمة "تهذيب الكمال" "للدكتور بشار عواد معروف" من (ص ٧١:٣٧)، وكذا التعليقات الموجودة في الهامش له أيضًا.
(٢) التقييد لابن نقطة الورقة: ١٥٨، والذيل لابن الدبيثي الورقة: ١٧٩ (مجلد باريس ٥٩٢٢)، والتكملة للمنذري، الترجمة: ٧٧٨.
[ ١ / ٢٣ ]
الإحاطة بجميع ما فيها؛ لاختلاف النسخ، وقد يَشِذُّ عن الإِنسان بعد إِمعان النظر، وكثرة التتبع مالا يدخل فى وسعه" (^١).
٢ - بَيّن أحوال هؤلاء الرجال حسب طاقته ومبلغَ جهده، وحذف كثيرًا مِن الأقوال، والأسانيد طلبًا للاختصار "إذ لو استوعبنا ذلك، لكان الكتاب من جملة التواريخ الكبار" (^٢).
٣ - استعمل عبارات دالة على وجود الرجل فى الكتب الستة أو في بعضها، فكان يقول "روى له الجماعة" إِذا كان فى الكتب الستة، ونحو قوله: "اتفقا عليه" أو "متفقٌ عليه" إِذا كان الراوى ممن اتفق على إِخراج حديثه البخارى، ومسلم في "صحيحيهما" وأما الباقي فسماه تسمية.
٤ - ابتدأ كتابه بترجمة قصيرة للرسول ﷺ أخذها بسنده من كتاب "السيرة" لابن هشام استغرقت صفحة واحدة فقط، وقال في نهايتها: "وقد أفردنا لأحواله ﷺ مختصرًا لا يستغنى طالبُ الحديث، ولا غيرُه من المسلمين عن مثله". وأَتْبَع ذلك بفصل من أقوال الأئمة في أحوال الرواة والنَّقَلَة، أورده بالأسانيد المتصلة إِليه استغرق ثمانَ أوراق (^٣).
٥ - أفرد الصحابة عن باقى الرواة، فجعلهم فى أول الكتاب، وبدأهم بالعَشَرة المشهود لهم بالجنة، فكان أوَّلهم الصديق أبو بكر ﵃، وأفرد الرجال عن النساء، فأورد الرجال أولًا، ثم أتبعهم بالنساء، ورتب الرواة الباقين على حروف المعجم، وبدأهم بالمحمَّدِين لشرف هذا الاسم.
وقد امتدحه العلماء، وأثنوا عليه، فقال ياقوت الحمويّ (ت ٦٢٦): "جَوَّدَه جدًا" (^٤). وقال الحافظ المِزِّىّ: "وهو كتاب نفيس، كثير الفائدة، لكن لم يَصْرِفْ مصنفه ﵀ عنايته إِليه حقَّ صرفها، ولا استقصى الأسماء التي اشتملت عليها هذه الكتبُ استقصاءً تامًا، ولا تَتَبَّع جميعَ تراجم الأسماء التي ذكرها في كتابه تتبعًا شافيًا، فحصل في كتابه بسبب ذلك إغفالٌ وإِخلال" (^٥).