قال أبو عمرو بن الصلاح، والحكم أنه لا يقبل من المدلس حتى يبين. قد أجراه الشافعي ﵁ فيمن عرفناه دلس مرة، وممن حكاه عن الشافعي البيهقي في "المدخل".
• فائدة: ليعلم الواقف على ذلك أن المدلسين من الثقات ليسوا على حد واحد بحيث أن يُتوقف في كل ما قال فيه كل واحد منهم (عن) ولم يصرح بالسماع بل هُم على طبقات (^١).
[أولها] تدليس سفيان بن عيينة، فاعلم أن ابن عبد البر قد حكى عن أئمة الحديث أنهم قالوا يُقبل تدليسه لأنه إذا وقِّف أحال على ابن جريج، ومعمر ونظرائهما (^٢)، وهذا ما رجحه ابن حبان بكسر الحاء كما تقدم - وقال: هذا شيء ليس في الدنيا إلا لسفيان بن عيينة، فإنه كان يدلس، ولا يدلس إلا عن ثقة متقن، ولا يكاد يوجد لابن عيينة خبر دلس فيه إلا وقد بين سماعه عن ثقة مثل ثقته (^٣). فالخلاف المعروض في المدلس هو في غير ابن عيينة، فاعلمه.
[الطبقة الثانية] من لم يوصف بذلك إلا نادرًا جدًا بحيث أنه لا ينبغي أن يُعد فيهم، كيحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة، وموسى بن عقبة (^٤).
[ثالثًا] من احتمل الأئمة تدليسه، وخرجوا له في الصحيح، وإن لم يصرح بالسماع، وذلك إما لإمامته أو لقلة تدليسه في جنب ما روى، أو أنه (^٥) لا يدلس إلا عن ثقة، وذلك كالزهرى، وسليمان الأعمش، وإبراهيم النخعي، وإسماعيل بن أبي خالد، وسليمان التيمي، وحُميد الطويل، والحكم بن عُتيبة، ويحيى بن أبي كثير، وابن جريج، والثوري (^٦)، وشريك، وهشيم، ففي [خ م] وغيرهما لهؤلاء الحديث الكثير مما ليس فيه التصريح بالسماع، فبعض (^٧) الأئمة حمل ذلك على أن [خ م] اطلعا على سماع الواحد لذلك الحديث الذي أخرجه بلفظة (^٨) (عن) ونحوها من شيخه، وفيه نظر.
_________________
(١) = وقال الحافظ ابن حجر: لا شك أنه جرح، وإن وصف به الثوري والأعمش فلا اعتذار أنهما لا يفعلانه إلا في حق من يكون ثقة عندهما ضعيفًا عند غيرهما، قال: ثم ابن القطان إنما سماه تسوية بدون لفظ (تدليس) فيقول سواه فلان، وهذه تسوية. والقدماء يسمونه تجويدًا، فيقولون جوده فلان - أي ذكر ما فيه من الأجود وحذف غيرهم - قال: والتحقيق: أن يقال متى قيل (تدليس التسوية) فلا بد أن يكون كل من الثقات الذين حذفت بينهم الوسائط في ذلك الإسناد قد اجتمع الشخص منهم بشيخ شيخه في ذلك الحديث وإن قيل التسوية بدون لفظ التدليس لم يحتج إلى اجتماع أحد منهم لمن فوقهم كما فعل مالك، فإنه لم يقع في التدليس أصلًا ووقع في هذا، فإنه يروى عن ثور عن ابن عباس. وثور لم يلقه، وإنما روى عن عكرمة عنه، فأسقط عكرمة لأنه غير حجة عنده. وعلى هذا يفارق المنقطع بأن شرط الساقط هنا أن يكون ضعيفًا فهو منقطع خاص. اهـ.
(٢) "جامع التحصيل" للعلائي (ص ١١٣).
(٣) "التمهيد" لابن عبد البر (١/ ٣١).
(٤) "تدريب الراوي" (ص ٢٢٩).
(٥) "جامع التحصيل" للعلائي (ص ١١٣).
(٦) كذا في (ط) وفي جامع التحصيل (أو لأنه) ص ١١٣.
(٧) وفي "جامع التحصيل" قال: (وابن عيينة) ص ١١٣.
(٨) وفي "جامع التحصيل" قال: (وبعض) ص ١١٣.
(٩) وفي "جامع التحصيل" قال: (بلفظ).
[ ١ / ٧٧ ]
بل نقل بعض أصحابي لي عن الحافظ جمال الدين المزي شيخ شيوخنا، فقال: قال المزي: بل بعض تلك الأحاديث لم يوجد لها إلا طريق واحد، وما ثم إلا إحسان الظن بهما أو ما معناه هذا أو قريب منه انتهى -.
والظاهر أن ذلك لبعض ما تقدم آنفًا من الأسباب، قال [خ]: لا أعرف لسفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت، ولا عن سلمة بن كهيل، ولا عن منصور وذكر مشايخ كثيرة، لا أعرف له (^١) عن هؤلاء تدليسًا، ما أقل تدليسه!.
[رابعها] من توقف فيهم جماعة فلم يحتجوا إلا (^٢) بما صرحوا فيه بالسماع، وقبله آخرون مطلقًا كالطبقة الثانية (^٣) لأحد الأسباب المتقدمة كالحسن، وقتادة، وأبي إسحاق السبيعي، وأبي الزبير المكي، وأبي سفيان طلحة بن نافع، وعبد الملك بن عمير.
[خامسها] من اتفقوا على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع لغلبة تدليسهم وكثرته عن الضعفاء والمجهولين، كابن إسحاق - صاحب المغازي - وبقية (^٤)، وحجاج بن أرطاة، وجابر الجُعفي، والوليد بن مسلم، وسويد بن سعيد (^٥) وأضرابهم، فهؤلاء [هم] (^٦) الذين يحكم على ما رووه بلفظ (عن) بحكم المرسل.
[سادسها] من قد ضُعف بأمر آخر غير التدليس فرد حديثهم [به] لا وجه له، إذ لو صرح بالتحديث لم يكن محتجًا به كأبي جناب الكلبي، وأبي سعد البقال ونحوهما، فليعلم ذلك.
وهذا كله في تدليس الراوي ما لم يتحمله أصلًا بطريق ما ..
فأما تدليس الإجازة، والمناولة، والوجادة بإطلاق (أخبرنا)، فلم يُعده أئمة الفن في هذا الباب كما قيل في رواية أبي اليمان الحكم بن نافع، عن شعيب، ورواية مخرمة بن بُكير بن الأشج عن أبيه، وصالح بن أبي الأخضر، عن الزهري. وشبه ذلك.
بل هو إما محكوم عليه بالانقطاع، أو يُعد متصلًا، ومن هذا القبيل ما ذكره محمد بن طاهر المقدسي عن الحافظ أبى الحسن الدارقطني، أنه كان يقول فيما لم نسمع من البغوي: قرئ على أبي القاسم البغوي: (حدثكم فلان) ويسوق السند إلى آخره بخلاف ما هو سمعه، فإنه يقول فيه: (قُرئ على أبي القاسم البغوي، وأنا أسمع)، أو (أخبرنا أبو القاسم البغوي قراءة)، ونحو ذلك، فإما أن يكون له من البغوي إجازة شاملة بمروياته كلها، فيكون ذلك متصلًا له، أو لا يكون كذلك، فيكون وجادة، وهو قد تحقق صحة ذلك عنه. على أن التدليس في المتأخرين بعد سنة (٣٠٠) (^٧) يقل جدًا.
_________________
(١) وفي "جامع التحصيل" قال: (لسفيان)، (وكثير) بدلًا من (كثيرة).
(٢) وفي "جامع التحصيل" قال: (بهم).
(٣) وفي "جامع التحصيل" قال: (كالطبقة التي قبلها)، وهي الثانية عن العلاء، والثالثة عن سبط ابن العجمي، فانتبه.
(٤) أثبتناها من "جامع التحصيل" ص ١١٣، وليست في (ط).
(٥) في جامع التحصيل (ممن تقدم)، ولأنهم لم يتقدموا عند المصنف فحذفها.
(٦) أثبتناها من "جامع التحصيل" ص ١١٣، وليست في (ط).
(٧) كذا في المخطوط، وفي "جامع التحصيل" (ثلاثمائة).
[ ١ / ٧٨ ]
قال الحاكم: لا أعرف في المتأخرين من يُذكر به إلا أبا بكر محمد بن محمد بن سليمان الباغندي، والله أعلم (^١) انتهى.