وهو أن يسقط اسم شيخه الذي سمع منه ويرتقى إلى شيخ شيخه أو من فوقه، فيسند ذلك إليه بلفظ لا يقتضى الاتصال، بل بلفظ موهم، كقوله (عن فلان) أو (أن فلانًا) أو (قال فلان كذا) موهمًا بذلك أنه سمعه ممن رواه عنه، وإنما يكون تدليسًا إذا كان المدلس قد عاصر المروى عنه، أو لقيه، ولم يسمع منه، أو سمع منه، ولم يسمع منه ذلك الحديث الذي دلسه عنه. وقد حده أبو الحسن بن القطان، قال: يروي عمن قد سمع منه ما لم يسمع منه من غير أن يذكر أنه سمعه منه انتهى (^١).
وقد يكون التدليس بغير أداة، قال علي بن خشرم: كنا عند ابن عيينة، فقال (^٢): الزهري، فقيل له: حدثكم الزهري؟ فسكت، ثم قال (^٣): الزهري: فقيل له سمعته من الزهري؟ فقال: لا، لم أسمعه من الزهري، ولا عمن سمعه من الزهري حدثني عبدُ الرزاق، عن معْمر، عن الزهري (^٤).
_________________
(١) = العوام، عباد بن يعقوب، عبد الله بن عيسى، ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عبد الرزاق ابن همام، عبد الملك ابن أعين، عبيد الله بن موسى العبسي، عدي بن ثابت الأنصاري، علي بن الجعد، علي بن هاشم بن البريد، الفضل بن دكين، فضيل بن مرزوق الكوفي، فطر بن خليفة، محمد بن جحادة الكوفي، محمد بن فضيل بن غزوان، مالك بن إسماعيل أبو غسان، يحيى بن الخزاز، هؤلاء وسموا بالتشيّع وهو تقديم علي على الصحابة.
(٢) ثور بن زيد المدني، ثور بن يزيد الحمصي، حسان بن عطية المحاربي، الحسن بن ذكوان، داود بن الحصين، زكريا بن إسحاق، سالم بن عجلان، سلام بن مسكين، سيف بن سليمان المكي، شبل بن عباد، شريك بن أبي نمر، صالح بن كيسان، عبد الله بن عمرو، أبو معمر عبد الله بن أبي لبيد، عبد الله بن أبي نجيح، عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عبد الرحمن إسحاق المدني، عبد الوارث بن سعيد الثوري، عطاء بن أبي ميمونة، العلاء بن الحارث، عمرو بن زائدة، عمران بن مسلم القصير، عمير بن هانئ، عوف الأعرابي، كهمس بن المنهال، محمد بن سواء البصري، هارون بن موسى الأعور النحوي، هشام الدستوائي، وهب بن منبه، يحيى بن حمزة الحضرمي، هؤلاء رموا بالقدر، وهو زعم أن الشر من خلق العبد. بشر بن السري، رمى برأي أبي جهم وهو نفي صفات الله تعالى والقول بخلق القرآن.
(٣) عكرمة مولى ابن عباس، الوليد بن كثير، هؤلاء الحرورية، وهم الخوارج الذين أنكروا على علىّ التحكيم وتبرؤا منه ومن عثمان وذويه وقاتلوهم.
(٤) علي بن هشام رمى بالوقف، وهو أن لا يقول القرآن مخلوق أو غير مخلوق.
(٥) عمران بن حطان من القعدية الذين يرون الخروج على الأئمة ولا يباشرون ذلك. فهؤلاء المبتدعة ممن أخرج لهم الشيخان أو أحدهما.
(٦) انظر تدريب الراوي (١/ ٢٢٤). ثم قال ابن عبد البر: والفرق بينه وبين الإرسال أن الإرسال روايته عمن لم يسمع منه. اهـ.
(٧) ، (^٣) وفي "مقدمة ابن الصلاح" (ص ٣٤). [فقال: قال] وفي بعض نسخ "المقدمة" كما هنا أي بحذف (قال). وهذا أدل على مراد المصنف هذا والله أعلم.
(٨) قال عياض: سفيان بن عيينة على جلالته من كبار أصحاب الزهري، وسمع منه كثيرًا وأخذ عن أصحابه كثيرًا مما لم يسمعه من الزهري فربما حدث فقال: قال الزهري، أو قال: قال الزهري عن فلان. وقد عرف بالتدليس فسئل، فمرة يقول (سمعته منه) ومرة يقول: (حدثني عنه فلان) أو (فلان عن فلان عنه). اهـ حاشية بنت الشاطئ على المقدمة (٢٣٠). =
[ ١ / ٧٥ ]
وقد اختلف في أهل هذا القسم فقيل: تدليسًا منهم مطلقًا سواء أثبتوا السماع أم لا، وأن التدليس نفسه جرح، قاله فريق من أهل الحديث والفقهاء، والصحيح التفصيل فإن صرح بالاتصال كقوله: سمعت وثنا وأنا فهو مقبول يحتج به، وإن أتى بلفظ محتمل فحكمه حكم المرسل، وإلى هذا ذهب الأكثرون.
[والقسم الثاني]: تدليس الشيوخ، وهذا أمر خفيف: وهو أن يصف المدلسُ شيخَه الذي سمع منه بما لا يُعرف به من اسم أو كُنْيَةٍ أو نسبة أو صنعة أو نحو ذلك كي يُوعّر الطريق إلى معرفة السامع له.
[والقسم الثالث]: وهو تدليس التسوية، وهو قادحٌ في عدالة الشخص الفاعل له، وصورته: أن يروي المُدَلِّسُ حديثًا عن شيخ ثقة غير مدلس، وذلك الثقة يرويه عن ضعيف عن ثقة، فيأتي المدلس الذي سمع الحديث من الثقة الأول، فيسقط الضعيف الذي في السند، ويجعلُ الحديث عن شيخه الثقة الثاني بلفظ محتمل [فيستوى] الإسناد كله ثقات.
• وقد اختُلف في أهل القسم الأول: فقيل: يرد حديثهم مطلقًا، سواء أثبتوا السماع، أم لم يثبتوا، وأن هذا التدليس جرحٌ، حكاه ابن الصلاح (^١) عن فريق من أهل الحديث، والفقهاء.
والصحيح التفصيل، فإن صرح بالاتصال، كقوله (سمعت، أو حدثنا، أو أخبرنا) فهو مقبول، وإن أتى بلفظ محتمل فحكمه حكم المرسل، وإلى هذا ذهب الأكثرون، ولم يذكر ابن الصلاح ذلك عن الأكثرين.
وممن حكاه عن جمهور أئمة الحديث، والفقه، والأصول شيخ شيوخنا الحافظ صلاح الدين العلائي في كتاب "المراسيل" له (^٢).
وقد حكى الشيخ محيي الدين النووي في "شرح المهذب" أن المدلس إذا لم يصرح بالتحديث لم يُقبل اتفاقًا.
وقد حكاه البيهقي في "المدخل" عن الشافعي وسائر أهل العلم بالحديث.
وحكاية الاتفاق هنا غلط، أو محمول على اتفاق من لا يحتج بالمرسل.
وأما تدليس الشيوخ، فلا يقدح، وقد قدمت أن أمره أخف، وقدمت أن تدليس التسوية قادح (*). والله أعلم.
_________________
(١) = وقال العراقي: القول الأول هو المشهور - أي أن يروى الثقة من عاصره ما لم يسمعه منه بصيغة تحتمل السماع وهو لم يسمعه -. وقيده شيخ الإسلام (ابن حجر) بقسم اللقاء، وجعل قسم المعاصرة إرسالًا خفيًا. ومثل (قال) و(عن) و(أن) ما لو أسقط أداة الرواية وسمى الشيخ فقط، فيقول فلان. قال علي بن خشرم: كنا عند ابن عيينة فقال: الزهري، فقيل له: حدثكم الزهري؟ فسكت، ثم قال: الزهري، فقيل له: سمعته من الزهري؟ فقال: لا، ولا ممن سمعه من الزهري، حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري اهـ. قال السيوطي لكن سمى شيخ الإسلام (ابن حجر) هذا تدليس القطع. اهـ "تدريب الراوي" (١/ ٢٢٤).
(٢) "مقدمة ابن الصلاح" (ص ٣٥).
(٣) "جامع التحصيل" (ص ٩٨). (*) قال العلائي: هذا النوع أفحش أنواع التدليس مطلقًا وشرها. وقال العراقي: هو قادح فيمن تعمد فعله. =
[ ١ / ٧٦ ]
وقد ذكرتُ من قيل فيه إنه مدلس من الرجال المذكورين في هذا المؤلف في أماكنهم، وأفردت من قيل إنه مدلس بمؤلف مفرد.