[ ١١٣ ]
قال البغويون الذي كانوا مع أبي مسلمٍ: مكثنا مع أبي جعفر المنصور هنة نغدو من قطربل إلى الموضع الذي فيه المدينة نرتاد موضعًا، فبينا نحن إذ وقف على قائم - في باب الشأم - وفيه راهبٌ، فأشرف عليه، فقال: أراك منذ شهور تدور وتكثر الترداد. فقال: أريد أن أبني في هذا الموضع مدينة. فقال له الراهب: لست صاحبها، إنَّا نجد أن صاحبها يقال له مقلاصٌ! فقال أبو جعفر المنصور: أنا والله صاحبها، كنتُ أُدعى وأنا صبيٌّ في الكتَّاب بمقلاص! فأمر حينئذ أن تُصور له المدينة.
ووضع المنصور أول لبنة بيده وقال: بسم الله والحمد لله (يُورثها مَنْ يشاء من عبادهِ والعاقبةُ للمُتَّقين)، ابنوا على بركة الله! - ووليَّ أبا حنيفة الفقيه القيام ببناء المدينة وبضرب اللبن وعدده حتى فرغ من استتمام بناء المدينة مما يلي الخندق، وذلك في سنة تسع وأربعين ومائة.
وخرج الأمر بأن يعمل على المدينة ثمانية أبوابٍ حديد ممَّا يلي كلُّ ربع - بابين بابًا على الخندق وبابًا على السور. قال: فمن الثمانية خمسةٌ مما كان على مدينة الزندورد، وهي مدينة كانت في ظهر واسد من عمل الشياطين لسليمان ان داود، فنقلها الحجَّاج إلى واسط حين بناها، وهي الأربعة الأبواب الداخلة من كل باب، والخامس بابُ البصرة الخارج؛ وأمَّا الباب السادس الخارج من باب خراسان من عمل الشأم فهو من عمل الفراعنة، وباب الخارج من باب الكوفة جيء به من الكوفة عمله خالد بن عبد الله القسري، وباب الشأم الخراج عمله المنصور وهو أضعفها.
ولمَّا تمّ بناء المدينة وأراد المنصور النقلة إلى قصره بباب الذهب وقف على باب القصر يتأمله، فإذا على الحائط مكتوب: ادخل القصر " من الخفيف ":
ادخُلِ القَصْر لاتخافُ زوالا بعد ستين من سنيك رحيل
فوقف مليًا، فتغرغرت عينه، ثمّ قال: بقية لعاقل وفسحة لجاهل! كأنه حسب ما بقي من السنين. - ومات أبو جعفر المنصور ببئر ميمون لست من ذي الحجة سنة ثمان وخمسين وهو ابن أربع وستين سنة، فعاش بعد بناء المدينة اثنتي عشرة سنة، وفد عليه بطريق من بطارقة الروم، فأمر الربيع أن يطوف به في المدينة وما حولها. فلمَّا انصرف قال: كيف رأيتها.؟ قال: حسنا إلا أنّ أعداءك معك. قال: ومن هم؟ قال: السوقى. قال: فلمَّا خرج البطريق أمر بإخراجهم من المدينة، ثمّ أمر ببناء القصر الجديد الذي يُسمَّى الخُلد، وكان ينهي عن تسميته بهذا الاسم.