هو أبو الأسود ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل بن يعمر بن حلس - ويقال حُلَيس - بن نُفاثة بن عدي بن الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة.
قال يونس: الدُول في بني حنيفة ساكنة الواو، والديل في عبد القيس ساكنة الياء، والدُؤل مهموز في بني كنانة رهط أبي الأسود. وقال عيسى بن عمر: الدُئلي بكسر الهمز والقياسُ الفتح. - أدرك أبو الأسود حياة رسول الله ﷺ، قال: وُلدتُ عام الفتح. وهاجر الى البصرة على عهد عمر بن الخطاب، واستعمله عليٌّ على البصرة خلافة لعبد الله بن العباس، وكان شيعةً له، وهو شاعر مجيد مكثر، وعنه أخذ يحيى بن يعمر.
[ ٢ ]
قال أبو الأسود: دخلت يومًا على علي بن أبي طالب، فرأيته مطرقًا يُفكر، فقلت: مالي أراك ياأمير المؤمنين مفكرًا؟ فقال: قد سمعت من بعض مَنْ معي لحنًا، وقد هممت أن أصنع كتابًا أجمع فيه كلام العرب. فقلتُ: إن فعلت ذلك أحييت قومًا وأبقيت العربية في الناس. فألقى إليَّ صحيفة فيها الكلامُ كلُّه: اسم وفعل وحرف، فالاسم مادلَّ على المسمى، والفعل مادلَّ على الحركة، والحرف ماجاء لمعنى ليس باسم ولافعلٍ. فاستأذنته في أن أضع في نحو ماصنع شيئًا أعرضه عليه، فأذن لي؛ فألفت كلامًا وأتيته به، فزاد فيه ونقص، وكان هذا اصل النحو.
قال ابن الأعرابي: الفصحاء في الإسلام أربعة: أبان بن عثمان والحسن بن يسار البصري وأبو الأسود الدُؤْلي وقبيصة بن جابر الأسدي. - وكتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى الأشعري وهو على البصرة: أما بعد، فتفقهوا في الدين، وتفهموا العربية، وأحسنوا عبارة الرؤيا، وليعلم أبو الأسود أهل البصرة الإعراب، وعلموا أولادكم العوم الدرية، وألقوا الرُكب، وأنزوا على الخيل نزوا! - الرُكب جمع ركاب - وقيل: إن أبا الأسود أتى ابن عباس فقال: إني أرى ألسنة العرب قد فسدت، فأردت أن أضع لهم شيئًا يقيمون به ألسنتهم. قال: لعلك تريد النحو، أما إنه حق، وأستعين بسورة يوسف ﵇. - وقال الشعبي: قاتل الله أبا الأسود! ماكان أعف أطرافه وأحضر جوابه! كان استعمل عليّ أبا الأسود على البصرة وزيادًا على الديوان والخراج، فبلغ أن زيادًا يطعن عليه عند علي، فقال:
رأيت زيادًا ينتحيني بشره وأعرضُ عنه بادٍ مقاتله
وكلٌّ امرئٍ، والله بالناس عالمٌ له عادةٌ قامت عليه شمائله
تعوَّدها فيما مضى من شبابه كذلك يدعو كُلَّ أمرٍ أوائله
ويُعجبه صّفحي له وتحملي وذو الجهل يجزي الفحش من لايعادله
ولما هلك عليّ ﵇ قال أبو الأسود:
ألا أبلغ معاوية بن حربٍ فلا قرَّت عيون الشامتينا
أفي الشهر الحرام فجعتمونا بخير الناس طُرًا أجمعينا
قتلتم خير من ركب المطايا وخيَّسها ومن ركب السفينا
ومن لبس النعال ومن حذاها ومن قرأ المثاني والمئينا
إذا استقبلت وجه أبي حُسين رأيت البدر راق الناظرينا
لقد علمت معد حيث كانت بأنك خيرها حسبًا ودينا
ولما حمل عبيد الله بن زياد ولد الحسين بن علي ﵁ وحرمه إلى يزيد بن معاوية شيَّعهم جمعٌ من أهل الكوفة، فلما بلغوا النجف وقفوا لتوديعهم، فأنشأت أم كلثوم بنت عليّ بن أبي طالب:
ماذا تقولون، إنْ قال النبي لكم: ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم
بأهل بيتي وأنصاري ومحرمتي منهم أسارى وقتلى ضُرجوا بدمِ
ماكان هذا جزائي إذ نصحت لكم أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي
والشعر لأبي الأسود. - قال: (رَبَّنا ظَلْمنا أنْفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) . وقال أبو الأسود:
أترجو أمَّةٌ قتلت حُسينًا شفاعة جده يوم الحساب
وأرسل معاوية إلى زياد رسولًا فهما في أمر أراده فقال: سترى عنده أبا الأسود الدؤلي شيخًا عليه عمامة سوداء، يجلس عن يمينه، لايتقدمه عنده أحدٌ في الكلام، فقل له: أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول لك: خبرني عن قولك:
يقول الأرذلون بنو قُشير: طوال الدهر لاتنسى عليا
أحِبُّ محمدًا حُبًا شديدًا وعبَّاسًا وحمزة والوصيا
أُحبهم لحُب الله حتى أجيءَ إذا بُعثت على هويّا
هوىً أعطيته منذ استدارت رحى الإسلام لم يعدل سويا
وما أنسى الذي لاقى حسينُ ولاحسن بأهونهم عليا
بنو عم النبي وأقربوه أحب الناس كلهم إليا
فن يك حبهم رشدنا ولست بمخطيءٍ إن كان غيا
[ ٣ ]
أشككت في حبهم أرُشد هو أم غيٌّ؟ فلما حضر عند زياد قال لأبي الأسود ذلك، فقال أبو الأسود: قل له: ماكنت أحب إلا تعلم أني متحقق متيقن في حبهم أنه رشد، فإن الله ﷿ قال: (وإنا أو إياكم لعلى هُدى أو في ضلال مبين)، أفيرى الله ﷿ شك في ضلالتهم ولكنه حققه بهذا عليم؟! ولما وقعت الفتنة بالبصرة في أيام ابن الزبير مر أبو الأسود على مجلس بني قشير فقال: يابني قشير، على ماذا اجتمع رأيكم في هذه الفتنة؟ قالوا: ولم تسألنا؟ قال: لأخالفه، فإن الله لايجمعكم على هدى! - وأنشد عمر في هذا المعنى:
إذا اشتبه الأمران يومًا وأشكلا عليَّ ولم أعرف صوابًا ولم أدر
سألت أبا بكر خليلي محمدًا فقلت له: ماتستحب من الأمر
فإن قال قولًا قلت خلافه لأن خلاف الحق قول أبي بكر
وقال زياد لأبي الأسود: كيف حبك لعلي؟ قال؛ حبي يزداد له شدة كما يزداد بغضك له شدة، ويزداد لمعاوية حبا، وأيم الله إني لأريد بما أنا فيه الآخرة وما عند الله، وإنك لتريد بما أنت فيه الدنيا وزخرفها، وذلك زائل بعد قليل! فقال له زياد: إنك شيخ قد خزفت، ولولا أني أتقدم إليك لأنكرتني. فقال أبو الأسود:
غضب الأمير بأن صدقت وربما غضب الأمير على البري المسلم
ودخل أبو الأسود على معاوية، فقال له: أصبحت جميلًا ياأبا الأسود، فلو علقت تميمة تدفع عنك العين! فقال أبو الأسود وعرف أنه يهزأ به:
أفنى الشباب الذي فارقت بهجته كر الجديدين من آت ومنطلق
لم يتركا لي في طول اختلافهما شيئًا أخاف عليه لذعة الحدق
قد كنت أرتاع للبيضاء أنظرها في شعر رأسي وقد أيقنت بالبلق
والآن حين خضبت الرأس فاقني ما كنت التذ من عيشي ومن خلقي
وقال زياد لأبي الأسود: لولا أنك قد كبرت لاستعنا بك في بعض أمورنا. فقال: إن كنت تريدني للصراع فليس عندي، وإن كنت تريد رأيي وعقلي فهو أوفر مما كان. وأنشأ يقول:
زعم الأمير بأن كبرت وربما نال المكارم من يدبُّ على العصا
أأبا المغيرة رُبَّ أمر مبهمٍ فرَّجته بالمكر مني والدَّها
مر عبيد الله بن زياد على أبي الأسود وعليه ثياب رثة يكثر لبسها، فقال: إلا تستبدل بجبتك هذه؟ فقال: رب مملولٍ لايستطاع فراقه! فأرسل إليه عبيد الله ثمانين ثوبا - وقيل: مائة -، فقال أبو الأسود:
كساك ولم تستكسه فاشكرن له أخُ لك يعطيك الجميل وناصر
وإن أحق الناس إن كنت شاكرًا بشكرك من أعطاك والوجه وافر
وقال أبو الأسود لابنه: يابني، إذا كنت في قوم فحدثهم على قدر سنك، وسائلهم على قدر محلك، ولاترتفع عن الواجب فتستثقل، ولا تنحط عنه فتحتقر! وإذا أوسع الله عليك فابسط، وإذا أمسك عليك فأمسك، ولاتجاود الله ﷿، فالله أجود منك! - وزوّج ابنتيه فقال لإحداهما: يابنية، أكرمي أنف زوجك وعينيه وأذنيه! يريد: لايشم منك إلا طيبا ولايرى إلا جميلا ولايسمع إلا حسنا. وقال للأخرى: يابنية، أمسكي عليك الفضلين! يريد: فضل النكاح وفضل الكلام. - وقال لأولاده: أحسنت إليكم كبارًا وصغارًا وقبل أن تولدوا! قالوا: أحسنت إلينا صغارا وكبارا، فكيف قبل أن نولد؟ قال: طلبت لكم النسيب كيلا تعيروا.
وقيل له: من أكرم الناس عيشا؟ قال: من حسن عيش غيره في خيره. فمن أسوأ الناس عيشا؟ قال: من لايعيش في عيشه أحد. - وقال: البلاغة سلاطة اللسان. وقيل: مارضيته الخاصة وفهمته العامة. وقال: ليس شيءٌ أعز من العلم، وذاك لأن الملوك حكام على الناس والعلماء حكام على الملوك. وقال:
العلم زين وتشريف لصاحبه فاطلب هديت فنون العلم والأدبا
لاخير فيمن له أصل بلا أدب حتى يكون على ما زانه حدبا
كم من حسيب أخيٍ عيٍ وطمطمة فدم لدى القوم معروق إذا انتسبا
في بيت مكرمة أباؤه نجب كانوا رؤوسًا فأمسى بعدهم ذنبا
وخامل مقرف الأباء ذي أدب نال المعالي بالآداب والرتبا
[ ٤ ]
أضحى عزيزًا عظيم الشأن مشتهرًا في خده صعر قد ضل محتجبا
العلم كنز وذخر لانفاد له نعم القرين إذا ما صاحب صحبا
قد يجمع المرء مالًا ثم يسلبه عما قليل فيلقى الذل والحربا
وجامع العلم مغبوط به أبدا ولا يحاذر منه الفوت والسلبا
يا جامع العلم نعم الذخر تجمعه لاتعدلن به درّا ولاذهبا
وقال:
وإذا وعدت الوعد كنت كغارم دينًا أقرّ به وأحضر كاتبا
حتى أنفذه كما وجهته وكفى عليَّ له بنفسي طالبا
وإذا منعت منعت منعًا بيتنا وأرحت من طول العناء الراغبا
لاأشتري الحمد القليل بقاؤه يوما بذم الدهر أجمع واصبا
وقال:
إذا لم يكن للمرء عقل فإنه وإن كان ذا مال على الناس هين
وإن كان ذا عقل أجل لعقله وأفضل عقل عقل من يتدين
وقال:
وعدد من الرحمان فضلا ونعمة عليك إذا ماجاء للخير طالب
وأن أمرا لايرتجى الخير عنده يكن هينًا ثقلًا على من يصاحب
أرى دولًا هذا الزمان بأهله وبينهم فيه تكون النوائب
فلا تمنعن ذا حاجة جاء طالبًا فإنك لاتدري متى أنت راغب
وإن قلت في شيء نعم فأتمه فإن نعم دين على الحر واجب
وإلا فقل: لا، واسترح وأرح بها لكيلا يقول الناس: إنك كاذب
إذا كنت تبغي شيمة غير شيمة جبلت عليها لم تطعك الضرائب
تخلق أحيانا إذا ما أردتها وخلقك من دون التخلق غالب
وقال:
إا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ففاض ففي صدري لسري متسع
إذا فات شيء فاصطبر لذهابه ولاتتبعن الشيء إن فاتك الجزع
ففي اليأس عما فات عزٌ وراحة وفيه الغنى والفقر ياضافي الطمع
إذا صاحبا وصل بحبل تجاذبا فمل قواه أوهن الحبل فانقطع
ولاتحفرن بئرًا تريد أخا بها فإنك فيها أنت من دونه تقع
وكلُّ امرئ يبغي على الناس ظالمًا تصبه على رغم عواقب ما صنع
وذكرت العمائم عنده، فقال: العمامة خير ملبوس: جنة في الحروب وواقية في الأحداث، مسكنة من الحر ومدفئة من البرد، وقار في الندي وزيادة في القامة، وهي تعد من تيجان العرب.
وقال لابن قيس الرقيات:
وما خصلة قد تذل الرجال بأسوأ وأخزى من المسأله
فإن مت ضرًا فلا تسألن أخا الجهل من ماله خردله
فترجع من عنده نادمًا وتقطع من كفك الأنمله
وإن هو أعطاك مجهوده فليس بأعطى من المكحله
وقال:
وما طلب المعيشة بالتمني ولكن ألق دلوك في الدلاء
تجئك بملئها يومًا ويوما تجئ بحماة وقليل ماء
ولاتقعد على كسل التمني تحيل على المقادر في القضاء
فإن مقادر الرحمان تجري بأرزاق العباد من السماء
مقدرة بقبض أو ببسط وعجز المرء من سبب البلاء
وبعض الرزق في دعة وخفض وبعض الرزق يكسب بالعناء
بينا أبو الأسود يومًا في طريق إذ لقيته امرأة لها رواء، فقالت: يا أبا الأسود، هل لك فيّ؟ قال: ومن أنت؟ قالت: فلانة ابنة فلان. فعرفها فتزوجها؛ فلما مضت عليه أيام استكتمها سرا، فأفشته، فنهاها، ثم عادت لمثل مانهاها، فقال لها: أصنعي طعاما وابعثي إلي إخوتك حتى يأتوك! فلما جاؤوا وأكلوا وقف أبو الأسود عليهم وقال:
أرأيت امرأ كنت لم أبله أتاني فقال: اتخذني خليلا
فخاللته ثم صافيته فلم أستفد منه يومًا فتيلا
فعاتبته ثم ناقرته عتابًا رفيقًا وقولًا جميلا
فألفيته حين خاللته خؤون الأمانة خبا بخيلا
[ ٥ ]
ألست حقيقًا بهجرانه وإسماع أذنيه هجرًا طويلا
قالوا: بلى والله، من كان كذلك فهو محقوق بهذا. فقال: هي أختكم، خذوا بيدها! وطلقها.
وخاصمت أمرأة أبي الأسود أبا الأسود في ولدها إلى معاوية - وكان معاوية قد حج المدينة، وكان أبو الأسود كبيرًا عنده يقرب مجلسه ويسأله عن أشياء، فيقول فيها بعلم - فقالت: أصلح الله أمير المؤمنين، أمتع به! إن الله جل وعز جعلك خليفة في البلاد، ورقيبا على العباد، يستسقى بك المطر، ويستنبت بك الشجر، ويؤمن بك الخائف، ويردع بك الحائف، فأنت الخليفة المصطفى، والأمير المرتضى، فأسأل الله ﷿ النعمة من تغيير، والبركة من غير تقتير، فقد ألجأني إليك - ياأمير المؤمنين - أمر، ضاق به عني الهم، ولينصفني من الخصم، وليكن ذلك على يديه، وأنا أعوذ بعد لك من العار الوبيل، والأمر الجليل، الذي يستتر على الحرائز ذوات البعول. فقال لها معاوية: من هذا الذي شعرك بشناره؟ فقالت: أمر طلاق كان من بعل غادر، لاتأخذه من الله مخافة، ولايجد بأحد رأفة. قال: ومن بعلك؟ قالت: هو أبو الأسود. فالتفت معاوية إليه وقال: أجق ماتقول هذه المرأة؟ قال: إنها لتقولن من الحق بعضا، وليس يطيق أحدُ عليها تقضا، أما ما ذكرت من طلاقها فهو حق، وسأخبرك عن ذلك بصدق، أما والله ما طلقتها لريبة ظهرت، ولامن هفوة حضرت، كرهت شمائلها، فقطعت حبائلها. قال: وأي شمائلها كرهت؟ قال: إنك مهيجها علي بلسان شديد، وجواب عتيد. قال: لابد لك من مجاوبتها، فأردد عليها قولها عند محاورتها. قال: هي ياأمير المؤمنين كثيرة الصخب، دائمة الذرب، مهينة للأهل، مؤذية للبعل، إن ذكر خير دفنته، وإن ذكر شر أذاعته، تخبر بالباطل، وتطير مع الهازل، ولاتنكل من صخب، ولايزال منها زوجها في تعب. فقالت: أما والله لولا حضور أمير المؤمنين، ومن حضره من المسلمين، أرددت عليك بوادر كلامك بنوادر تردع كل سهامك. فقال معاوية: عزمت عليك لما أجبته! فقالت: ياأمير المؤمنين، هو والله سؤول جهول، ملحاح بخيل، إن قالفشر قائل، وإن سكت فذو ضغائن، ليث خبيث مأمن ثعلب حين يخاف، شحيح حين يضاف، إن ألتمس الجود عنده انقطع، لما يعلم من لؤم أبائه، وقصور بنائه، ضيفه جائع، وجاره ضائع، لايحمي ذمارا، ولايضرم نارا، ولايرى جوارا، أهون الناس عليه من أكرمه، وأكرمهم عليه من أهانه. فقال معاوية: ما ر أيت أعجب من هذه المراة! أنصرفي إليَّ رواحا! فلما كان العبثي جاءت، ومعاوية يخطب. فقال أبو الأسود: اللهم أكفني شرها! قالت: قد كفاك الله شري، وأرجو أن يعيذك من شر نفسك! فقال معاوية: مارأيت أعجب من هذه المرأة! فقال أبو الأسود: ياأمير المؤمنين، إنها تقول من الشعر أبياتا، فتجيدها. قال: فتكلف أنت لها أبياتا، لعلك أن تقهرها بالشعر. فقال أبو الأسود:
مرحبا بالتي تجور علينا ثم أهلا بحامل محمول
أغلقت بابها علي وقالت: إن خير النساء ذات البعول
شغلت قلبها عليَّ فراغا هل سمعتم بفارغ مشغول
فقالت تجيبه:
ليس من قال بالصواب وبالحق كمن جار عن منار السبيل
كان حجري فناءه حين يضجي ثم ثديي سقاءه بالأصيل
لست أبغي بواحدي ياابن حرب بدلا ما رأيته والجليل
وفي رواية أنها قالت: إن هذا يريد أن يغلبتي على ابني، وقد كان بطني له رعاء، وثديي له سقاء، وحجري له فناء. فقال أبو الأسود: أبهذا تريدين أن تغلبيني على ابني، فوالله لقد حملته قبل أن تحمليه، ووضعته قبل أن تضعيه. فقالت: ولاسواء إنك حملته خفا وحملته ثقلا، ووضعته شهوة ووضعته كرها. فقال معاوية:
ليس من غذاه طفلا صغيرا وسقاه من ثديه بالخذول
هي أولى به وأقرب رحما من أبيه، وفي قضاء الرسول
أنه ما حنث عليه ورقت هي أولى بذا الغلام الجميل
فدفعه معاوية إليها.
اشترى أبو الأسود جارية - يقال لها صلاح - لتخدمه، فطمعت فيه وأقبلت تتطيب وتتعرض لفراشه، فأنشأ يقول:
أصلاح إني لاأريدك للصبا فذري التشكل حولنا وتبدَّلي
إني أريدك للعجين وللرحا ولحمل قربتنا وغلي المرجل
[ ٦ ]
إذا تروح ضيف أهلك أو غدا فخذي التأهب نحو آخر مقبل
وقال له رجل: إنك والله ظريف لفظ، وظرف علم، ووعاء حلم، غير أنك بخيل. فقال: وما خير ظرف لايمسك مافيه؟! - وسلّم أعرابي عليه فقال: كلمة مقولة. قال: أتأذن في الدخول؟ قال: وراءك أوسع عليك! قال: هل عندك شئٌ يؤكل؟ قال: نعم. قال: أطعمني! قال: عيالي أحق به! قال: مارأيت ألأم منك! قال: نسيت نفسك! - وكان يقول: ليس السائل الملحف مثل الردّ الجامسّ أي الجامد.
وكان أبو الأسود قد أتخذ دكانًا على باب داره بقدر مجلسه، لايسع غيره وغير طبق يكون بين يديه يأكل منه، فإذا مرّ به مار فسلم عليه عرض عليه طعامه، فينظر فلايرى لنفسه موضعًا، فيدعو له وينصرف. فمر به أعرابي وهو يأكل، فدعاه، فأجابه وأقبل يأكل معه وهو قائم؛ فلما اشتد عليه القيام أخذ الطبق فوضعه في الأرض وقال له: إن كان لك في الطعام حاجة فانزل وكل! وأقبل الأعرابي يأكل، وأبو الأسود ينظر إليه ويتغيظ، ثم قال: ماأسمك، يأعرابي؟ قال: لقمان. فقال: لقد أصاب أصلك اسمك! ثم أنشأ يقول:
أنظر الى جلسته ومطه ولقمه مبادرًا وغطه
ولفه رقاقه ببطه كأن جالينوس تحت ابطه
وسأله رجل فمنعه، فقال: ماأصبحت حاتميًا! قال: بلى أصبحت حاتميًا من حيث لاتدري! أليس حاتم الذي يقول:
أماويَّ إما مانعٌ فمبين وأما عطاءٌ لاينهنهه الزجر
وكانت له ناحية من عبد الله بن عامر، فأنكر بعض شأنه ورأى منه جفوة، فقال أبو الأسود:
ألم تر مابيني وبين ابن عامر من الود قد بالت عليه الثعالب
وأصبح ماقد كان بيني وبينه كأن لم يكن، والدهرُ فيه العجائب
فقلت: تعلم أن صرمك جاهرا ووصلك عنه شقةٌ متقارب
فما أنا بالباكي عليك صبابة ولا بالذي تأتيك مني المثالب
إذا المرء لم يحببك إلا تكرها فذلك من أخلاقه ما يغالب
فللنأي خير من دنو على أذى ولاخير فيمن خالفته الضرائب
كان أبو الأسود صديقا لحوثرة بن مسلم عامل إصبهان، فخرج إليه، فلم يحفل به حوثرة، فكتب إليه:
إنك اليوم امرؤ محتقرٌ خصَّه الله بلؤم وضعه
يسأل الناس ولا يعطيهم هبلته أمه ما أخضعه
لاتؤاخ الدهر خبا راضعًا ملهب الشد سريع المنزعه
خفق النعل إذا ماقلته واحذرن مخزاته في المجمعه
لايكن برقك برقا خلبًا إن خير البرق ما الغيث معه
لاتشوبن بحق باطلا إن في الحق لذي الدين سعه
أولها:
سل خليلي ماالذي غيَّر لي وده والنصح حتى ودعه
لاتهني بعد إذ أكرمتني فشديد عادةٌ منتزعه
فلما قرأها أعياه جوابه. فعرضه على جماعة شعراء، فلم يجترؤا على أبي الأسود، فأجابه عنه عطية بن حمزة بأبيات لم يلتفت إليها، فأجابه أبو الأسود:
ألم تر أني والتكرم شيمتي وكلُّ أمرىٍ جارٍ على ماتعودا
أطهر أثوابي من الغدر والخنا وأنجو إذا ماكان خيرا وأنجدا
أعود على المولى إذا زال حلمه بحلمي وكان الحلم أبقى وأحمدا
وكنت إذا المولى بدا لي غشه تجاوزت عنه وانتظرت به غدا
لتحكمه الأيام أو غيره عليَّ ولم أبسط لسانًا ولايدا
فحمل إليه حوثرة مائة درهم.
ولما كبر أبو الأسود كان يكثر الركوب، فقيل له: قد كبرت، فلو تودعت ولزمت منزلك! فقال: صدقتم! ولكن الركوب يشد بضبعي، وأسمع من الخير مالاأسمع في بيتي، وأستنشق الريح وألقى الإخوان، ولو جلست في منزلي اغتم أهلي واستأنس بي الصبي واجترأت عليَّ الخادم، وكلمني من أهلي من كان يهاب كلامي، لإلفهم إياي وجلوسي عندهم.
وله:
أظل كئيبًا لو تشوكك شوكة وتفرح لو دهدهت من رأس حالق
لشتان مابيني وبينك في الإخا صدقتك في نفسي ولست بصادق
[ ٧ ]
أفق عنك لايذهب بك التيه سالمًا فإنك مخلوق ولست بخالق
وكل أخٍ عند الهوينا ملاطف ولكنما الإخوان عند الحقائق
وقال له رجل وكان حسن المتجرد: أشتهي أن يكون متاعي في سرَّتك! فقال: ياأحمق، إذا يصير جرداني في سبتك! - وقال له رجل: لايبقى إلا الله والعمل الصالح! إن العمل السوء يبقى حتى يخزي صاحبه.
ولما ولي حارثة بن بدر الغداني سرق كتب إليه أبو الأسود:
أحار بن بدر قد وليت ولاية فكن جرذا فيها يخون ويسرق
ولاتحقرن ياحار شيئًا فإنما يصيبك من مال العراقين سُرقُ
وإنك تلقى الناس إما مكذب يقول بما يهوى وإما مصدق
يقولون أقوالًا ولايبرمونها فإن قيل: هاتوا حققوا! لم يحققوا
وباه تميما بالغنى إن للغنى لسانًا به العي الهيوبة ينطق
وكن حازما في اليوم إن الذي به يجئ غد يومٌ على الناس مطبق
ولاتعجزن فالعجز أوطأ مركب وماكل من يدعى إلى الخير يرزق
إذا مادعاك القوم عدوك آكلا فكل حار أوجع لست ممن يحمق
وشيع أبو الأسود حارثة بن بدر لما ولاه عبيد الله بن زياد سرق، فلما أراد فراقه قال حارثة:
جزاك إله العرش خير جزائه فقد قلت معروفًا وأوصيت كافيًا
أشرت بأمر لو أشرت بغيره لألفيتني فيه لرأيك عاصيًا
ستلقى أخا يصفيك بالود حازما ويوليك حفظ العهد إن كان نائيًا
وأيسر ماعندي المؤاساة مسمحا إذا لم تجد يومًا صديقًا مؤاسيًا
فقال أبو الأسود:
إذا نلت الإمارة فاسم فيها إلى العلياء بالأمر الوثيق
ولاتك عندها حلوًا فتحسى ولا مرًا فتنشب في الحلوق
فكل إمارة إلا قليلا مغيرة الصديق على الصديق
وما استخبأت في رجل خبيئًا كدين الصدق أو حسب عتيق
ذوو الأحساب أكرم مخبرات وأصبر عند نائبة الحقوق
مرض أبو الأسود فقيل له: اصبر، فهذا أسر الله! قال: هو، أشد له! - مات ﵀ في الطاعون الجارف سنة تسع وستين، وسنة خمس وثمانون سنة.