[ ٢٩ ]
هو يحيى بن المبارك بن المغيرة العدوي، وإنما سمي اليزيدي لصحبته يزيد بن منصور خال المهدي، وبذلك كبر وارتفع صيته، وكان من غلمان أبي عمرو بن العلاء. - ثم أدب المأمون وكان ابنه محمد لاصقًا بالمأمون من أهل أنسه، وكان يدخل إلى المأمون مع الفجر فيصلي به ويدرس عليه المأمون ثلاثين آية، وكان لايزال يعادله في أسفاره ويفضي إليه بأسراره. - وكان شاعرا فصيحًا نحويًا، روى عنه أبو عبيد القاسم بن سلام. وله " كتاب نوادر في اللغة " على مثال كتاب نوادر الأصمعي الذي عمله لجعفر بن يحيى البرمكي، وفي مقدار عدد ورقه، وله جامع شعر جيد. وأخذ عن الخليل بن أحمد العروض وغيره، وكتب عن أبي الوليد عبد الملك بن جريج، وتوفي ابن جريج سنة خمسين ومائة. - قال ابو هفان: أشعر العلماء النبل أربعة: الكميت والطرماح والكساني واليزيدي.
وله من الأولاد محمد وإبراهيم وإسماعيل وعبد الله ويعقوب وإسحاق، وترتيبهم في السن على هذا النسق: فيعقوب وإسحاق تزهدا وكانا عالمين بالحديث، والأربعة برعوا في اللغة العربية، ونادم المأمون من هذه الجماعة محمد وإبراهيم، وكان محمد المتقدم وهو الخارج مع المعتصم حين خرج إلى المبيضة بمصر، فمات محمد بها ومات الباقون ببغداد.
قال اليزيدي: اجتمعت مع الكسائي عند المهدي فقال: كيف نسبوا إلى البحرين؟ فقالوا: بحراني! ونسبوا إلى الحصنين؟ فقالوا: حصني! ولم يقولوا: حصناني؟ قلت: أصلح الله الأمير، إنهم لو نسبوا إلى البحرين فقالوا بحري لم يعرف إلى البحرين نسبوه أم إلى البحر، ولما جاؤا إلى الحصنين لم يكن موضع آخر يقال له الحصن ينسب إليه غير الحصنين فقالوا حصني. قال أبو محمد اليزيدي: فسمعت الكسائي يقول لعمر بن بزيع: لو سألني الأمير لأخبرته فيها بعلة هي أحسن من هذه. قال أبو محمد: قلت: اصلح الله الأمير! إن هذا يزعم أنك لو سألته لأجاب بأحسن مما أجبت به. قال: فقد سألته. فقال الكسائي: لما نسبوا إلى الحصنين كانت فيه نونان فقالوا: حصني اجتراء بإحدى النونين من الأخرى، ولم يكن في البحرين إلا نون واحدة فقالوا بحراني. فقلت: أصلح الله الأمير، كيف ينسب رجلًا من جنان يلزمه أن يقول جني لأن في جنان نونين؟ فإن قال كان ذلك، فقد سوى بينه وبين المنسوب إلى الجن! فقال المهدي: فتناظرا! قال: فتناظرنا.
قال: وسأل المأمون اليزيدي عن شيء، فقال: لا وجعلني الله فداءك يا أمير المؤمنين! فقال: لله درك! ما وضعت واو قط موضعًا أحسن من وضعها في لفظك هذا! - وشكا اليزيدي إلى المأمون خلَّة أصابته ودينًا ارتكبه، فقال: ماعندنا في هذه الأيام ما إن أعطيناكه بلغت به ماتريد.
فقال: عندك منادمون فيهم ما إن حركته نلت منهم ما أريد، فأطلق لي الحيلة فيهم! قال: قل مابدا لك! قال: إذا حضروا وحضرت الباب فمر فلانا الخادم أن يوصل إليك رقعتي، فإذا قرأتها فأرسل إليّ: دخولك في هذا الوقت متعذر، ولكن أختر لتفسك من أحببت ينادمك! فقال: أفعل! فلما علم أبو محمد بجلوس المأمون واجتماع ندمائه إليه أتى الباب فدفع الرقعة إلى الخادم الذي ذكره للمأمون، فأوصلها إليه، فقرأها فإذا فيها " من السريع ":
ياخير إخوان وأصحاب هذا الطفيلي على الباب
خبر أنذَ القوم في دعوة يرنو إليها كلُّ أواب
فصيروني بعض جلاسكم أو أخرجوا لي بعض أصحابي
فقرأها المأمون على من حضره، فقالوا: ما ينبغي أن يدخل علينا الطفيلي. فأرسل إليه المأمون: دخولك في هذا الوقت متعذر، فأختر لنفسك من أحببت نخرجه إليك لتنادمه! فقال: ماأرى لنفسي اختيارًا غير عبد الله بن طاهر. فقال له المأمون: قد وقع اختياره فصر إليه! فقال: ياأمير المؤمنين، فأكون شريك الطفيلي؟! قال: فما يمكت ردُّ أبي محمد عن أمرين فإن أحببت أن تخرج وإلا فافد نفسك! فقال: ياأمير المؤمنين، له عليَ عشرة آلاف درهم! قال: لاأحسب ذلك يقنعه منك ومن مجالستك. قال: فلم يزل يزيده عشرة والمأمون يقول له: لاأرضى له بذلك! حتى بلغ المائة، فقال له المأمون: فعجلها له! فكتب بها إلى وكيله ووجه معه رسولًا. فأرسل المأمون إلى أبي محمد: تقبض هذه في هذا الوقت أصلح لك من منادمته على مثل حاله وأنفع عاقبة.
[ ٣٠ ]
وقيل: إنه استأذن على المأمون ينادمه، فأخطا في كلام تكلم به، فانقبض المأمون من ذلك، فعرفه ذلك بعض الناس، فأتاه وهو متكفن متحنط وأنشده " من الطويل ":
أنا المذنب الخطاء والعفو واسع ولو لم يكن ذنب لما عرف العفو
فقبل عذره وعفا عنه.
اجتمع اليزيدي وسلم الخاسر عند عيسى بن عمر، فقال سلم لليزيدي: اهجني وليكن على روي قصيدة امرئ القيس " من المديد ":
ربَّ رام من بني ثعل مخرج كفيه من ستره
فقال اليزيدي وكان حييًا عفيفًا: مالك ولهذا؟ قال سلم: كذلك أريد! فقال اليزيدي: ما أغنانا عن التعرض للنشر فلتسعك العافية! وأراد سلم أن يعرف عيسى أن لليزيدي مفحم عيي، فقال سلم: إنك لتحتجز بغاية الاحتجاز. فقال عيسى: سألتك يا أبا محمد إلا فعلت! فأخذ نعله وقلبها وكتب عليعا " من المديد ":
ربَّ مغموم بعافية غمط النعماء من أشره
وامرئ طالت سلامته فرماه الدهر من غيره
بسهام غير مشويةٍ نقضت منه قوى مرره
وكذاك الدهر منقلب بالفتى حالين من عصره
يخلط العسرى بميسرة ويسار المرء في عسره
عق سلم أمه سفهًا وأبا سلم على كبره
كلُّ يومٍ خلقه رجلٌ رامح يسعى على أثره
يولج الغرمول سبته كولوج الضب في حجره
فقال سلم: هكذا استدعاء الشر والشقاء، ما كان أغناني عن هذا! فقال عيسى: لاأبعد الله غيرك! ولاأتعس إلا جدك! قد كان الرجل يستعفيك ويحترز منك أشد الاحتراز، بقيًا على دينه فأبيت إلا ماسمعت.
ومن شعر اليزيدي " من السريع ":
من يلم الدهر ألا فالدهر غير معتبه
أو يتعجب لصرو ف الدهر أو تقلبه
وكل ذي عجوبة جار إلى تعجبه
مضى بذاك مثل من ير يومًا ير به
قول حكيم قاله في سالفات حقبه
ورأس أمر لامرئ خير له من ذنبه
حتف امرئ لسانه في جده أو لعبه
بين اللهى مقتله ركب في مركبه
ورب ذي مزح أفيتت نفسه في سببه
ليس الفتى كلَّ الفتى إلا الفتى في أدبه
وبعض أخلاق الفتى خير له من نسبه
يحلم عنك في الرضا كحلمه في غضبه
وذو النهى ليست تبا عات الهوى من أدبه
لما يرى من أفنه فيه ومن تشعبه
وآفة الرأي الهوى والحزم في تجنبه
والأصل ينمي فرعه والمرء عند حسبه
واظنن بكل كاذب ما شئت بعد كذبه
والصدق من أفضل ما يؤثر عن مكتسبه
من يقنع الدهر وإن قلَّ اثاث نشبه
يعش رحيبًا باله في ضيقه أو رحبه
ومن يصاحب صاحبًا ينسب إلى مستصحبه
بزانيات رشده أو شانيات رتبه
وربما عرَّ صحا حًا جرب بجربه
يعرف من حال الفتى في لبسه ومركبه
وفي شمأزيزته منك وفي تعتبه
عليك او إصغائه إليك أو تحببه
والحر قد تعرفه بلينه وقربه
وعزمه وحزمه ورأيه وحدبه
والمرء قد يدركه يومًا جنود منصبه
بجهله يعرف و سيماه في توثبه
وشرة النفس وفي إلحاحه وطلبه
رفيق كل مطمع بحرصه وتعبه
وقد تعدى طوره عن كنهات رتبه
وقال " من الكامل ":
آخ الكريم فإن صحبتك اللئام عليك وصمه
والمال أصلحه فليس لمقتر في الناس حرمه
وإذا استشرت فلا تشا ور غير من جربت حزمه
[ ٣١ ]
واحلم إذا جهل الجهو ل إذا دعتك الجهل حلمه
ودع المراء لأهله واحذر معرته وإثمه
وقال " من الكامل ":
استبق ودَّ أبي المقا تل حين تدنو من طعامه
سيان كسر رغيفه أو كسر شئ من عظامه
ويصوم كرها ضيفه لم ينو أجرا في صيامه
وقال " من الكامل ":
باعد أخاك ببعده وإذا دنا شيئًا فزده
كم من أخ لك ياابن بشار وأمك لم تلده
وقال يهجو علماء البصرة والكوفة " من السريع ":
وقل لمن يطلب علمًا ألا ناد بأعلى شرف ناد
ياضيعة النحو به مغرب عنقاء أودت ذات إصعاد
أفسده قوم وأزروا به من بين أغتام وأوغاد
ذوي مراء وذوي لكنة لئام آباء وأجداد
لهم قياس احدثوه هم قياس سوء غير منقاد
فهم من النحوواو عمرواأعمار عادٍفي أبي جاد
أما الكسائي فذاك امرؤ في النحو حادٍ غير مزداد
وهو لمن يأتيه جهلًا به مثل سراب البيد للصادي
كان أبو عبيدة معمر بن المثنى يتهم بالغلمان، فجاء أبو محمد وحمل غلاما على عاتقه وقال له: اكتب على السارية التي يجلس إليها أبو عبيدة " من البسيط ":
صلى الإله على لوط وأسرته أبا عبيدة قل بالله 'مينا
وأنت عندي بلا شكٍ تبيتهم منذ احتلمت وقد جاوزت سبعينا
فلما دخل أبو عبيدة المسجد وإذا السارية مكتوب في أعلاها البيتان، فحمل رجلًا على عنقه وقال: امحه! فقال: قد محوته وقد بقيت الطاء. فقال: امحها! فإنما البلاء في الطاء.
وقال أبو زيد الانصاري يهجو أبا محمد " من الخفيف ":
وجه يحيى يدعو إلى البصق فيه غيلا أني أصون عنه بصاقي
وقال أبو محمد " من الوافر ":
متى ما تسمعي بقتيل عشق أصيب فإنني ذاك القتيل
فأخذ المعنى ابنه أبو عبد الله فقال " من الوافر ":
بكيت ولم يهج حزني رسومٌ لا ولا طلل
ولكن للنوى أبكي وطول العهد ياأمل
أتيتك عائذا بك منك لما ضاقت الحيل
وصيرني هواك وبي لحيني يضرب المثل
فإن سلمت بكم نفسي فما لاقيته جلل
وإن قتل الهوى رجلًا فإني ذلك الرجل
وقال أبو محمد " من السريع ":
قومٌ كرامٌ ماعدا أنهم صولتهم منهم على جارهم
وتوفي أبو محمد ﵀ اثنتين ومائتين وكذا ذو الرئاستين.
آخر الجزء الاول من نور القبس والحمد لله وحده