قال محمد بن العباس اليزيدي: قال جدي محمد " " وأنشدها المأمون " من الكامل ":
الجهل بعد الأربعين قبيح فزعِ الفؤاد وإن ثناه جموح
وبع السفاهة بالوقار وبالنهى ثمن لعمرك إن عقلت ربيح
وأغنم بقايا من شبابك آذنت بتصرم والجسم منك صحيح
فلقد حدا بك حاديان إلى البلى ودعاك داعٍ بالرحيل فصيح
إلى غير ذلك من النمط، فبعث إليه الرشيد: مالنا وما لهذا الشعر يا محمد؟ فقال " من الكامل ":
يسعى إليك بها غلام أهيف من جيبه ريح العبير يفوح
ميسان أما دلّه فمخنثٌ غنج وأما وجهه فمليح
وقال " من الوافر ":
صحيحٌ وُدٌّ من أمسى عليلًا ليكتب أو يرى لكم رسولا
رآك نشوبه الهجران حتى إذا ما أعتل كنت له دليلا
هما موتان موتُ هوى وهجرٍ وموت الهجر شرهما سبيلا
وقال غيره في المعنى وأحسن منه " من الطويل ":
يودُّ بأن يمسي سقيمًا لعلها إذا سمعت عنه بشكوى تراسله
ويهتزُ للمعروف في طلب العلى لتحمد يومًا عنه سلمى شمائله
قال محمد: دخلتُ على المأمون، فقال لي: أما ترى عتق هذا الشراب حتى لم يبق إلا أقله، ما أحسن ما قيل في قدم الشراب؟ فقلت: قولُ الحكمي " من المديد ":
[ ٣٢ ]
عُتِقت حتى لو أتصلت بلسان ناطقٍ وفم
لاتبت في القوم ماثلة ثمَّ قصت الأمم
فقال: كان هذا في نفسي. ثمّ نكت في الأرض ورفع رأسه وقال: يا محمد، قد قلت شعرا في شربنا! ثمّ أنشدني " من البسيط ":
إني وأنت رضيعًا قهوةٍ نطفت عن العيان ودقَّت عن مدى الفهم
مابيننا رحمٌ إلا إدارتها والكأس حُرمتها أولى من الرحم
وقال محمد بن يزيد: كنتُ بباب المأمون، إذ جاءه محمد بن أبي محمد اليزيدي، فقال له الحاجب: قد أخذ أمير المؤمنين دواءٍ وأمرني أن لاآذن لأحد. فقال له: فأمرك ألا تدخل رقعة؟ قال: لا. فدعا بدواةٍ وقرطاس وكتب " من الوافر ":
هديتي التحية للإمام إمامِ العدل والملك الهمام
لأني لو بذلت له حياتي وما أحوي لقلا للإمام
اراك من الدواءِ الله نفعًا وعافيةً تكون إلى تمام
وأعقبك السلامة منه ربٌّ يريك سلامةً في كل عام
ااذن في الدخول بلا كلام سوى تقبيل كفك والسلام
فأدخل الحاجب الرقعةَ وخرج مبادرًا وأدخله، فقبل يده، ثمّ ضمه إليه، وحمل معه ثلاثة آلاف دينار. - وقال " من الكامل ":
نعم المحدّث والنديمُ كتابُ تلهو به إن ملك الأحباب
لا مفشيًا سِرًا إذا استودعته ولديه ما تحيى به الألباب
لا عيب فيه غير أنَّ ندامهُ لا أكلَ فيه وليس ثمَّ شراب