ويقال: كنيته أبو الحسن، من موالي بني الحارث بن كعب، ويقال: هو مولى آل الربيع بن زياد الحارثي، وتفسير سيبويه بالفارسية رائحة التفاح، وقيل: إن امرأة كانت ترقصه وهو صغير تقول له ذلك. أخذ النحو عن عيسى بن عمر ويونس بن حبيب والخليل بن أحمد، واللغة عن أبي الخطاب الأخفش وغيره. قال ابن دريد: هو من أهل أرجان.
وقيل: إنه كان يستملُّ على حماد بن سلمة، فقال له حماد يومًا: قال رسول الله ﷺ: ما أحدٌ من أصحابي إلا وقد أخذت عليه ليس أبا الدردراء. فقال سيبويه: ليس أبو الدردراء. فقال حماد: لحنت يا سيبويه! فقال سيبويه: لاجرم لأطلبن علمًا لاتلحنني فيه أبدًا! فطلب النحو ولزم الخليل.
قال المبرد: لم يقرأ أحدٌ كتاب سيبويه عليه وإنما قُرئ بعده على أبي الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش، وكان ممن قرأه على الأخفش صالح بن إسحاق الجرمي. - قال أبو زيد النحوي يفتخر: كلُّ ما حكى سيبويه في كتابه فقال: أخبرني الثقة، فأنا أخبرته. - قال الأخفش: كان الكسائي جاءنا إلى البصرة وسألني أن أقرئه كتاب سيبويه، ففعلت، فوّجه إليَّ خمسين دينارًا. وكان الأخفش أسنَّ من سيبويه، ولم يأخذ عن الخليل.
وقال الفراء: كان سيبويه عضلة من العضل، ولما قال بشار في وصفه السفينة " من الطويل ":
تُلاعب نينان البحور وربما رأيت نفوس القوم من جريها تجري
أنكر سيبويه ذلك على بشار وزعم أن العرب لاتجمع النون على نينان، وأتصل ذلك ببشار، فقال: ويحه! أما يقول: حُوت وحيتان وغول وغيلان؟! - وقيل: إن الذي عاب عليه ذلك أبو الحسن الأخفش - وتوعد بشار سيبويه ولدغه بأبيات، فكف سيبويه عن تتبع شعره واحتج ببعضه تقربًا إليه واستكفافًا لشره. وقد كان في نسيب هذه القصيدة " من الطويل ":
على الغزلي مني السلام فربما لهوت بها في كلّ مخضرّة زهرِ
يريد بالغزالي الغزل، فعاب عليه سيبويه " الغزالي " وقال: لم يسمع هذا من العرب. واتصل ذلك ببشار فقال: هذا مثلُ النقري والجفلي والمرطي وهو السرعة في المشي. وقال بشار فيه " من الطويل ":
اسيبويه يا ابن الفارسية مالذي تحدثت من شتمي وما كنت تنبذُ
أطلت تغنى سادرًا بمساءتي وأُمك بالمصرين تعطي وتأخذ
فقيل لبشار: تنسبه إلى الفارسية؟ فقال: نسبته إلى أعرف أبويه. قيل: فلم جعلتها فارسية؟ قال: إن بفارس الوضيع والشريف. - وقال أبو محكم: كانت بالبصرة امرأة زانية يقال لها الفارسيَّة، مشهورة بالزنا، فكان أهل البصرة إذا أرادوا أن يزنُّوا إنسانًا قالوا: يا ابن الفارسية! وإلى هذا ذهب بشار.
قال ابن سلام: سألت سيبويه عن قوله ﷿: (لَلَوْلا كانتْ قَرْيَةٌ آمنَتْ فَنَفَعها إيمانَهُا إلا قَوْمَ يُونُس) على أي شيء نصب؟ قال: ألا إذا كانت بمعنى لكنَّ نصبت.
[ ٣٥ ]
وقيل: كان سبب ميتة سيبويه أنه كان عنده صديق له، فتمسى عنده وأخذ منه الشراب، فحرص به صاحب المنزل أن يبيت عنده، فأبى فوجّه معه غلامًا ليوصله إلى منزله، فصار إلى دربه وقد أغلق دونه، فتسور الدرب ومكث الغلام مكانه، فتردى من أعلى الدرب على رأسه فوقص فسمع وهو يقول " من الطويل ":
يَسُرُّ الفتى ماكان قدَّم من تقى إذا أبصر الداءَ الذي هو قاتله
وقيل: إنه مات من علة وله ثمان وثمانون سنة. - وقيل له في علته التي مات فيها: ماتشتهي؟ فقال: أشتهي أن أشتهي. وقيل: لما احتضر وضع رأسه في حجر أخيه، فأغمي عليه، فدمعت عبنُ أخيه فقطرت قطرة من دموعه على خده، فأفاق من غشيته فرأى أخاه يبكي فقال " من الطويل ":
أخَييَّنِ كنَّا فرَّقَ الدَهْرُ بيننا إلى الأمدِ الأقصى فمن يأمن الدَهْرا
وقال ابن دريد: مات سيبويه بشيراز وقبره بها. وقال عبد الباقي بن قانع: مات بالبصرة سنة احدى وستين ومائة. قال المرزباني: وهم فيهما جميعًا أعني في الموضع والتاريخ.