[ ٣٦ ]
كنيته أبو الحسن، بصري الأصل، نزل مرورود وهي من بلاد بني مازن؛ وكان راوية عن البصريين، سمع من ابن عونٍ وشعبة بن الحجاج وأشكال هؤلاء، كان ثقة ثبتًا صاحب عربية، وكان يدعو إلى السُنَّة، ومات بمرورود سنة أربع وقيل ثلاث ومائتين.
قال النضر: دخلت على المأمون يومًا بمرو وعليَّ أطمار ثيابٍ رثةٍ، فقال: أتدخل على الخليفة في مثل هذه الاطمار؟ فقلت: إن حرَّ مرو لايدفع إلا بمثل هذه الأخلاق. قال: ولكنك متقشف! ثمّ تجارينا الحديث، فقال المأمون: حدثني هشيم بن بشير عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان في ذلك سدادٌ من عوز. وكان المأمون متكئًا فاستوى جالسًا وقال: يانضر، السداد لحن! قلت: هو في هذا الحديث لحن، وإنما لحنه هشيم لأنه كان لحانةً. فقال: مالفرق بينهما؟ قلت: السداد القصد في الدين والسبيل، والسداد البلغة! - وقال الجوهري والسداد ما يسد به الشء - فقال: فهل تعرف العرب ذلك؟ قلت: نعم، هذا العرجي من ولد عثمان بن عفان حيث يقول " من الوافر ":
أضاعوني وأيَّ فتىً أضاعوا ليومِ كريهةٍ وسداد ثغر
فأطرق المأمون مليًا وقال: قبح الله من لاأدب له! ثمّ قال: أنشدني، يانضر، أخلب بيت للعرب! قلت: قول ابن بيضٍ، يا أمير المؤمنين " من المنسرح ":
تقول لي والعيون هاجعةٌ: أقم علينا يومًا فلم أقم
أيَّ الوجوه انتجعت، قلت لها: لا لي وجهٌ إلا إلى الحكم
متى يقل حاجبًا سرادقه هذا ابن بيض بالباب يبتسم
قد كنت أسلمت فيك مقتبلًا فهات إذ حلَّ أعطني سلمي
فقال المأمون: لله درُّك! فكأنما شُقَ لك عن قلبي؟ ثمّ أنشدني أقنع بيت قالت العرب! قلت: قول ابن عبدلٍ - وقال الجوهري: قول راعي الإبل - " من المنسرح ":
إني امرؤ لم أزل وذاك من الله أديبًا أعلمُ الأُدبا
أقيم بالدار ما أطمأنت بي الدارُ وإن كنتُ نازحًا طربا
أطلب ما يطلب الكريم من المال بنفسي وأحسن الطلبا
وأحلُبُ الثرة الصفيَّ ولا أجهد أخلاف غيرها حلبا
إني رأيت الفتى الكريم إذا رغبَّته في كريمة رغبا
والنذل لايطلب العلاء ولا يعطيك شيئًا إلا إذا رهبا
ولم أجد غرة الخلائق إلا الدين مهما اختبرت والحسبا
قد يرزق الخافض المقيم وما شدَّ لعنس رحلا ولا قتبا
ويحرم الرزق ذو المطية والرحل ومن لايزال مغتربا
فقال: أحسنت أحسنت أحسنت - ثلاثا -، هذه أحسن من الأولى! فعندك ضدُّ هذا؟ قلت: نعم، أحسن منه. قال: هات! فأنشدته " من الوافر ":
يدُ المعروف غيمٌ حيث كانت تحملها شكور أو كفورُ
قال: أحسنت، فأنشدني أنصف بيت قالته العرب! فقلت: هذا ابن أبي عروة - وقال الزبير بن بكار: هذا ابن أبي عروبة - " من الكامل ":
إني وإن كان ابن عمي كاشحًا لمزاحم من خلفه وورائه
ومفيده نصري وإن كان آمرأً متزحزحًا في أرضه وسمائه
وأكون والى سره فأصوته حتى يحين عليَّ وقت أدائه
وإذا دعا باسمي ليركب مركبا صعبًا قعدت له على سيسائه
وإذا استجاش رفدته ونصرته وإذا تصعلك كنت من قرنائه
وإذا الحوادث أجحفت بسوامه قرنت صحيحتنا إلى جربائه
وإذا أتى من وجهه لطريقه لم أطلع مما وراء خبائه
وإذا رأيت عليه ثوبًا ناعمًا لم يلفني متمنيًا لردائه
ويروى.
واذا ارتدى ثوبًا جميلًا لم أقل ياليت أنَّ عليَّ حسن ردائه
[ ٣٧ ]
فلم يكلمني عندها بشء وأخذ القرطاس ومدّ يده إلى دواة وجعل يكتب شيئًا لاأدري ماهو، ثمّ قال: يانضر، كيف تأمر إذا أردت أن تترب الكتاب؟ قلت: أتربه! قال: فمن الطين؟ قلت: طنه! قال: فهو ماذا؟ قلت: مترب مطين. قال: هذه أحسن من الأولى. ثمّ ناول الكتاب خادما، فمضى به إلى الفضل بن سهل، ففتح الكتاب وقال لي: مالسبب الذي وصلك فيه أمير المؤمنين بثلاثين ألفا؟ فأخبرته. فقال: سبحان الله ألحنت أمير المؤمنين؟ قلت: كلا، أيها الوزير، وإنما لحنه هشيم لأنه كان لحانه! فقال: حدثني عن الخليل بن أحمد! قلت: أتيت أبا ربيعة الأعرابي وكان من أعلم الناس - وقال ابن مخلد والجوهري: صرت أنا والخليل إلى أبي ربيعة الأعرابي، فإذا هو على سطحٍ، فسلمنا فرد علينا السلام وقال لنا: استتوا! فبقينا متحيرين لم ندر ما قال. فقال أعرابي بحنبه: إنه يقول لكم: ارتفعوا! فاستخرجها الخليل من قول الله ﷿: (ثُمَّ اسنوى إلى السَّماءِ وَهيَ دُخانٌ) أي ارتفع. فصعدنا فقال: هل لكم في خبز فطير ولبن خمير وماء نمير؟ فقلنا: لا! فقال: سلامًا! فبقينا أيضًا متحيرين لم ندر ماقال لنا. فقال الأعرابي: إنه سألكم متاركة لاخير بيننا ولاشرَّ! فاستخرجها الخليل من قول الله ﷿: (وإذا خاطبهمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلاَما) . فقال الفضلُ: هذا أحسن مما حكيت للخليفة! فزادني من عنده عشرين ألفًا، فانصرفت بخمسين ألفًا.
ومرض النضر، فدخل الناس إليه يعودونه، فقال له رجل: مسح الله مابك! فقال النضر: لاتقل مسح بك، ولكن مصح! ألم تسمع قول الأعشى " من الرمل ":
وإذا ما الخمر فيها أزبدت أفل الإزبادُ فيها فمصحْ
فقال الرجل: لابأس! السين قد تعاقب الصاد فتقوم مقامها. فقال النضر: إن كان كذا فينبغي أن تقول لمن أسمه سليمان صليمان، وتقول: قال رصول الله! ثمّ قال النضر: لايكون هذا في السين إلا مع أربعة أحرف، الطآء والخآء والقاف والغين، فيبدلون السين بهذه، وربما أبدلوها بزاي، كما قالوا: سراط وصراط وزراط. - قال الصولي: وهذه يقال لها حروف الاستعلاء، تبدل إذا كانت بعد السين، فأما إذا كانت قبل فلا.
وقال النضر يومًا: أنشدونا من زهد ابي نواس! فأنشده " من الطويل ":
وما الناس إلا هالك وابن هالكٍ وذو نسبٍ في الهالكين عريقِ
فقال: قاتله الله لكأنه سمع الحسن يقول: إن امرءًا ليس بينه وبين آدم ﵇ إلا أب ميت لنعرق في الموت. - وحدث حرب بن ميمون قال: رأيت خاتم النبي ﷺ عند النضر وهو فضة أبيض.
ومات النضر ﵀ سنة أربع ومائتين.