الأرقط كنيته أبو عمرو - وقيل: أبو مخلد - ولقب بالأرقط لجدريّ كان به. قال خلادٌ: كنّا على باب أبي عمرو بن العلاء ومعنا التيميُّ، فتذاكرنا كتاب الحجاج إلى قتيبة بن مسلم: إني وإياك لدةٌ وإن امرأً سار خمسين حجة إلى منهل لقمن أن يرده. فقلنا: نصنع في هذا المعنى بيتًا. قال: فارتفع بيننا هذا البيت " من الطويل ":
وإن امرأً قد سار خمسين حجَّةً إلى منهلٍ من ورده لقريبُ
فاستلبه التيمي فأدخله في شعره. قال خلاد: وسار فانفردت أنا ببيت وهو " من الطويل ":
ومن كان في الدنيا على حال قلعة وإن طال فيها عمره لغريب
وقال خلادٌ: حضرنا يزيد بن عمر بن هبيرة في يوم مهرجان وهو أمير العراق، فأسندت له حديث رسول الله ﷺ: إذا أُتي أحدكم بهدية فجلساؤه شركاؤه فيها! وكان بين يديه صنوفُ مما أهدي إليه من الذهب والفضة والجوهر، فقام خلف بن خليفة الأقطع فقال " من المتقارب ":
كأنا شماميسُ في بيعةٍ تسبحُ في بعض عيداتها
وقد حضرت رسلُ المهرجان وصفوا كريمَ هداياتها
علوتُ برأسي فوق الرؤوس فأشخصته فوق هاماتها
لأثكسبَ صاحبتي صحفةً تغيظُ بها بعض جاراتها
فأمر له بجام ذهبٍ فيه صورة شجرة كرم، فقال " من الرمل ":
أصبحتُ صحفة أهلي من ذهب وصحافُ الناس حولي من خشب
وإذا سببُ لي خيرُ أتى إنَّ للصنع وجوهًا وسبب
فأصبنا صحفة منقوشةً نقشت فيها تصاويرُ العتب
زين الجام فلما نلته زيَّن الشيطان لي مافي الجُربُ
إنَّ شيطاني مريدٌ فاتكٌ لو أماليه عليها لوثب
قال: فأمر له بجراب ثياب، فقال: حسبي أيها الأمير، قد غنيتني! وأقبل يعطيه شيئًا بعد شيء وهو يقول " من الطويل ":
إذا الله سنى أمر شيءٍ تيسرا
[ ٦٦ ]
ثمّ أقبل علينا ابن هبيرة يحدثنا، فقال: إن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵁ ورد على يزيد بن معاوية، فقال له: كم كان أمير المؤمنين يعطيك؟ قال: كان ﵀ يعطيني ألف ألف. فقال يزيد: قد زدناك لترحمك عليه ألف ألف. قال: بأبي أنت،امي. قال: ولهذه ألف ألف. قال: أما أني لاأقولها لأحد بعدك. قال: ولهذه ألف ألف. قال: مايمنعني من الأطناب في وصفك إلا الإشفاق عليك من جودك. قال: ولهذه ألف ألف. وحمل المال معه، فقيل ليزيد: فرَّغت بيت مال المسلمين على رجلٍ واحدٍ. قال: إنما دفعته إلى أهل المدينة أجمعين. ثمّ وكل به من يعرفه خبره من حيث لايعلم، فلما دخل المدينة فرق المال فيها حتى أحتاج بعد شهرٍ الى القرض. قال: وأقبل ابن هبيرة يفرق الهدايا وينشد شعر الخثعمي " من البسيط ":
لاتبخلن بدنيا وهي مقبلةٌ فليس يقصها التبذيرُ والسرف
فإن توَّلت فأحرى أن تجود بها فالشكر منها إذا ماأدبرت خلف
وحدّث خلاد بإسناد له عن عروة بن الزبير أنه قال لعائشة: يأماه - أو: ياخالاه - نظرتُ في أمرك، فعجبت من أشياء ولم أعجب من أشياء، رأيتك من أفقه الناس! - فقلت: مايمنعها وهي زوجة رسول الله ﷺ - ورأيتك من أعلم الناس بالشعر! - فقلت: مايمنعها وهي ابنة أبو بكر الصديق - ورأيتك من أعلم الناس بالطب! قال: فأخذت بثوبي وجرَّتني إليها وقالت: ياأبا عُرَّية إن رسول الله ﷺ كان مسقاما، فكان أطباء العرب وأطباء العجم ينعتوتن له، فكنا نعالجه.
٣٦ - ومن أخبار أبي الحسن المدائني
وهو علي بن محمد بن عبد الله بن أبي سيف القرشي، مولى عبد الرحمان بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف. قال أبو خيثمة: هو صدوق ثقة. وقال يحيى بن معين: هو صدوق إذا حدث عن الثقات، فأحاديثه مستقيمة. وقال يحيى بن معين: من أراد اخبار الجاهلية فعليه بكتب أبي عبيدة، ومن أراد أخبار الإسلام فعليه بكتب المدائني.
وحدث المدائني بإسناد له عن معاذ بن جبل قال: مات ابن لي، فكتب إليَّ النبي صلى الله علسه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى معاذ بن جبل، أما بعد فعظم الله لك الأجر، وألهمك الصبر، ورزقنا وإياك الشكر، ثمّ إن أنفسنا وأموالنا وأهلينا من مواهب الله الهنيئة، وعواريه المستودعة، يمتع بها إلى أجل معدود، ويقبضها لوقتٍ معلوم، جعل عليه الشكر إذا أعطى، والصبر إذا ابتلى، وقد كان ابنك من مواهب الله الهنيئة، وعواريه المستودعة، متعك به في غبطة وسرور، وقبضه منك بأجرٍ كثير، إن صبرت واحتسبت! فلا يجتمعن عليك، يامعاذ، أن يحبط جزعك أجرك فتندم غدا على ثواب مصيبة، علمت أن المصيبة قد قصرت عنك، وأعلم أنَّ الجزع لايرد ميتا ولايدفع حزنا، فليذهب أسفك ماهو نازلٌ، فكأن قد.
وبإسناده عن أنس قال: وضع النبي ﷺ إبراهيم في حجره وهو يجود بنفسه، وقال: لولا أنه موعدٌ صادقٌ ووعدٌ جامع وأنّ الماضيَ فرطُ الباقي وأنّ الآخر لاحقُ الأول، لجزعنا عليك، ياإبراهيم! ثمّ دمعت عينهُ ﷺ، فقال: تدمعُ العينُ ويحزنُ القلبُ، ولا نقول إلا مايرضي الرّبَّ وإنَّا بك، ياإبراهيمُ، لمحزونون! - وبه عنه ﷺ: سُرعة المشي تذهب ببهاء المسلم.
وقال المدائني: ليست الفُتَّوةُ الفسقَ والفُجور إنما الفتوةُ طعامٌ موضوعٌ ونائلٌ مبذولٌ وعفافٌ معروفٌ وأذى مكفوف.
[ ٦٧ ]
وقال المدائني: كان عفّانُ بن أبي العاص مؤنثًا يلعب في الأعراس بالدُفّ، ومثله الحكم بن أبي العاص، وكان شيبة بن ربيعة حلقيًا وكان يأتيه منبه بن الحجاج بن سعد بن سهم وكذلك أبو جهل بن هشام، وكان النضر بن الحارث بن علقمة حلقيًا ويأتيه صفوان بن أمية بن خلف، وكان خالد بن خويلد بن حزام مؤنثًا ويأتيه ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان عنبسة بن أبي أحيحة سعيد بن العاص حلقيًا، وكان مصعب بن الزبير مؤنثًا، وكان عبد العزيز بن مروان حلقيًا محدودًا في خمر، وكان يزيد بن عبد الملك - وهو ابن عاتكة بنت يزيد بن معاوية - حلقيًا، وكان الوليد بن يزيد بن عبد الملك حلقيًا مؤنثًا، وكان ألحوص بن محمد مستوهًا، ويزيد بن المهلب وقبيصة بن المهلب حلقياَّن، وكان يزيد بن حاتم مخنثًا حلقيًا، وجميل بن محفوظ الأزدي مستوها، وكان خالد بن عبد الله القسري حلقيًا مستوها، وكان سفيان بن معاوية بن يزيد ابن المهلب حلقيًا مشهورًا بذلك، وكان محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم ابن أبي عقيل مسعود بن عامر بن معتب صاحب السند مستوهًا، وكان أبان بن الحجَّاج بن يوسف مأبوُنًا، وكان مالك بن المنذر بن الجارود مستوهًا، قال الفرزدق " من الطويل ":
لِكُلِ أُناسٍ مَسجِدٌ يعمرونه ومسجدُ عبد القَيس فَقْحَةُ مالك
وكان كردم السدوسي حلقيًا، والمقداد بن مجزأة بن ثور حلقيًا وكان مصقلة ابن رقبة العبدي مستوها.
وقال: أول من عمل الصابون سليمان بن داوود ﵉، وأول من عمل القراطيس يوسف بن يعقوب ﵉، وأول من عمل السويق ذو القرنين، وأول من خبز الرُقاق نمرود بن كنعان، وأول من كتب في القراطيس الحجَّاج بن يوسف، وهو أول من ترجم الديوان بالعربية وهو أول من عمل المحامل وأول من لبس الخفاف الساذجة بالبصرة ولبس الثياب الكتان زياد، وأول من لبس الخز وقور الطرازي عبد الله بن عامر.
قال المدائني: ولدت سنة خمس وثلاثين ومائة. قال الحسين: ومات سنة خمس وعشرين ومائتين. وقيل له في مرض موته: ماتشتهي؟ قال: أشتهي أن أعيش!