ابن محمد بن عائشة، كان شاعرًا مجيدًان وكان متصلًا بابن أبي دواد وكان يتسخط عليه ولا يرضى أفعاله، فمن هجائه له " من الكامل ":
أنت أمرؤ غثُ الصنيعة رثها لاتحسنُ النعمى إلى أمثالي
فأسلم لغير صنيعة أسديتها إلا لنجبر فاقة الأنذالِ
وكتب إليه أبوه يسأله عن حاله مع ابن أبي دواد، فكتب إليه " من الرمل ":
أنا في الخان أؤدي كلَّ يومٍ درهمين
نازلٌ فيه على نفسي على سخنةِ عين
٣ف - أراني عن قليلٍ لابسًا خُفَّي حُنينِ ثمّ مات عبد الرحمان سنة سبع ومائتين، فخرج أبوه إلى سرَّ من رأى لأخذ ميراثه، فنزل بقرب دار أبي دواد، فكان الناس يقصدون ابن أبي دواد ويجدون ابن عائشة قريبًا فيدخلون إليه، فكثر امتناعهم بذلك عليه، فقال عبيد الله " من الطويل ":
سأكشفُ من تسليم أهل مودتي لهم مكشفًا لايستفيدُ لهم حمدا
يفرق ما بين المحبين أنني ممرٌ لإخواني وآتيهم قصدا
وأقام مديدة فلم يرض أيضًا بفعل ابن أبي دواد، فانصرف إلى البصرة.
قال عبد الصمد بن المعذَّل: كنَّا ببغداد في مجلس ابن عائشة، قال: وحضر المجلس صباح بن خاقان ومصعب بن عبد الله الزبيري، فتحدث الشيخ فأحسن، ثمّ أنشد شعرًا فيه لفظةُ يجيزها بعض وبعضٌ لايجيزها، فوثبا عليه يريدان نقصه، فقالا: هذا لحنٌ! فاحتج عليهما الشيخ وأعانه ابنه عبد الرحمان، ثمّ انصرف. فلمَّا صار عبد الرحمان إلى منزله ونحن معه فاح إبطاه، فأنشأ يقول " من الخفيف ":
من يكن إبطهُ كآباطِ ذا الخلق فإبطاي في عداد الفقاح
لي إبطان يرميان جلييس بشبيه السُلاح وقت السُلاح
وكأني ما بين هذا وهذا جالسٌ بين مصعب وصباح
وله في أحمد بن إسرائيل في أيام الواثق وهو يكتب لابن الزيَّات " من المتقارب ":
[ ٧٦ ]
يسبحُ لا من تُقى أحمدُ يُريدُ التظرفَ بالسبحه
ومجرى مخارج أنفاسهِ يفتقُ في اللفظ عن سلحه
وله " من الرمل ":
أنا مذ بنتَ أسيرُ للكمد زائد الصبوة منقوص الجلد
ذو منى فيك كذوب وعدها تخدع النفس بيومٍ وبغد
لاترعني بفراقٍ بعد ذا أنا راضٍ باجتماع وبصد
أنت كلُ الناس عندي فإذا غبت عن عيني لم ألق أحد
لي عشق فاضلٌ فيك كما لك فضلُ الحسن في وجه وقد
وكتب إلى صديق له كتابًا في ظهر وكتب فيه يعتذر إليه " من السريع ":
كتابنا ياصاح في الظهر يخبر أني ظاهرُ الفقرِ
فاعذر بنفسي أنت من سيدٍ فالعذر أولى بالفتى الحُرِ
وأعلم وإن كنت الذي علمه يفوق أهل البدو والحضر
أن الغنى يصلح دين الفتى والفقر مشتق من الكفرِ
مات عبيد الله بن محمد بن عائشة بالبصرة في شهر رمضان سنة ثمان وعشرين ومائتين، وصلى عليه جعفر بن القاسم أمير البصرة وهو ابن خمس أو ست وثلاثين سنة.