قال المبرد: اسمه بكر بن محمد بن عدي بن حبيب من بني مازن ابن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل. وكان إماميًا، يرى رأي ابن ميثم، وكان يقول بالإرجاء. - قال المبرد: لم يكن بعد سيبويه أعلم بالنحو من أبي عثمان. قال المازني: خرقت سبع عشرة نسخة لكتاب سيبويه من كثرة دراستي له. وكان يسمى الصندوق. وكان الرياشي قرأ سيبويه على المازني: - قال الجَمَّاز يمدحه " من الرمل ":
أعلم الناس بنحوٍ وبشعرٍ وغريبْ وبأيام جميع الناس بكر بنُ حبيبِ
قال المازني: كان سبب طلب الواثق لي أنّ مخارقًا غنَّى في مجلسه " من الكامل ":
أظُلَيْمُ إنّ مصابكم رجلاص أهدى السلام إليكمُ ظلمُ
فتابعه بعضٌ وخالفه آخرون، فسأل الواثق عن من هو من رؤساء النحو، فذكرت له، فأمر بحملي وإزاحة علتي. فلَّما وصلت إليه وسلمت عليه قال لي: ممن الرجل؟ قلتُ: من بني مازن. قال: أمن مازن تميم أم من مازن قيس أم من مازن ربيعة أم من مازن اليمن؟ قلت: من مازن ربيعة. قال لي: باسمك؟ - يريد: مااسمك؟ وهي لغة في قومنا. فقلت على القياس: مكرٌ! - أي بكر. فقال: اجلس واطمئنَّ! فجلست فسألني عن البيت فانشدته " من الكامل ":
أظليمُ إنّ مصابكم رجلا
فقال لي: أين خبر إنّ؟ قلتُ: " ظُلْمُ " الحرف الذي في آخر البيت. ثمّ قلتُ: أما ترى، يا أمير المؤمنين، أنّ البيت كلَّه مُعلَّقٌ لامعنى له حتى يتَّم بهذا الحرف؟! إذا قال:
أظلُيم إنّ مصابكم رجلًا أهدى السلام إليكمُ
فكأنه ما قال شيئًا حتى يقول؟ ظُلْمُ؟. فقال: صدقت! ألك ولدٌ؟ قلت: بنية لاغير. قال: فما قالت حين ودعتها؟ قلتُ " من المتقارب ":
تقول ابنتي حين جدّ الرحيلُ أرانا سواءً ومن قد يتمْ
أبانا فلا رمت من عندنا فإنَّا بخيرٍ إذا لم ترمْ
أرانا إذا أضمرتك البلا د نُجفى وتُقْطَع منَّا الرَحِمْ
قال: فما قلت لها؟ قلتُ لها ما قال جرير " من الوافر ":
ثقي بالله ليس له شريكٌ ومن عند الخليفة بالنجاح
فقال: ثقْ بالنجاح إن شاء الله! إن ههنا قومًا يختلفون إلا أولادنا، فامتحنتهمْ! فمن كان منهم عالمًا ينتفع به ألزمناهم إياه، ومن كان بغير هذه الصفة قطعناه عنهم. ثمّ أمر فجمعوا إليَّ فامتحنتهم، فما وجدت طائلًا، وحذروا ناحيتي، فقلت: لابأس على أحد! فلمَّا رجعت إليه قال: كيف رأيتهم؟ قلتُ: يفضل بعضهم بعضا في علوم يفضل الباقون في غيرها، وكلٌّ محتاجٌ إليه. قال لي الواثق: إني خاطبت منهم واحدًا، فكان في نهاية الجهل في خطابه ونظره. فقلت: ياأمير المؤمنين، أكثر من تقدم منهم بهذه الصفة، ولقد أنشدت فيهم " من الكامل ":
إنّ المعلم لايزالُ مضعفًا ولو ابتني فوق السماء بناء
من علَّم الصبيان صّبَّوا عقله حتى بنى الخلفاء والأمراء
[ ٨١ ]
فقال: لله درُّك يابكر! كيف لي بك؟ فقلت: ياأمير المؤمنين، الغنم والفوز في قربك والنظر إليك، ولكني ألفت الوحدة وأنست بالانفراد، ولي أهل يوحشني البعد عنهم ويضر بهم ذلك، ومطالبة العادة أشدُّ من مطالبة الطباع. فأمر لي بألف دينار وكسوة وطيب، وانصرفت. - قال الصوليّ: البيت الأول للحارث بن خالد المخزومي.
قال عبد الصمد بن المعذَّل يهجوج " من المديد ":
وفتىً من مازنٍ سادَ أهل البصره أمُّه معرفةٌ وأبوه نكره
ومن شعر المازني في الفضل بن إسحاق أمير البصرة " من السريع ":
أخطأتُ في مدحك أخطأتُ وكُلُّ ما قلت عُضَيهاتُ
رمى لساني طمعٌ كاذبٌ إليك والسادات أمواتُ
والدهرُ ذو صرفٍ وفي صرفه أوابدُ تأتي وآفاتُ
أولَّها أنت على مصرنا مصيبةٌ فيها مصيباتُ
وقال يرثى رجلًا " من الوافر ":
جسورٌ لايُروَّع عند همٍ ولا يثني عزيمته اللقاءُ
حليمٌ في شراستهِ إذا ما جنى الحلماء أطلقها المراءُ
حميدٌ في عشيرته فقيدٌ يطيبُ عليه في الملاء الثناءُ
فإن تكن المنية أقصدته وحُمَّ عليه بالتلف القضاءُ
فقد أودى به كرمٌ وخيرٌ وعودٌ بالفضائل وابتداءُ
سمع المازني من بطن رجلٍ قرقرة فقال: هذه ضرطة مضمرة. - وقال: جاري أبو حفص بن سلمة الغفاري يخفضني منذ أربعين سنة، كلَّ غداة يمرَّ عليَّ فيها يقول لي: يا أبي عثمان، كيف أصبحت؟ توفي المازنيُّ في سنة ثلاث وثلاثين ومائتين في أيام المتوكل على الله.