واسمه سهل بن محمد بن عثمان بن القاسم. وكان يؤُمُّ الناس في المسجد الجامع بالبصرة، ويقرأ الكتب على المنبر، وكان حسن الصوت جهيره حافظًا للقرآم عالمًا بالقراآت والتفسير، وكان أحسن الناس علمًا بالعروض واستخراج المعمى، وكان يعدُّ من الشعراء المتوسطين، وكان راوية عن أبي زيد والأصمعي وعمرو بن كركرة النميري وأبي عبيدة. - وقدم بغداد وما قام له أحدٌ لتصرفه في العلوم، وكان دون المازني في النحو، وكان فيه دعابةٌ شديدة.
قال إبراهيم بن أحمد الغفاري القاضي عن أبيه: لأهل البصرة أربعة كتبٍ يفتخرون بها على أهل الأرض العين للخليل والنحو لسيبويه والحيوان للجاحظ والقراآت لأبي حاتم. - وكان الأصمعي يجله من أجل القرآن، ويقوم له ويعانقه.
قال أبو حاتم: ولي البصرة وأعمالها رجلٌ من بني هاشم سنةٍ ستٍ وسبعين ومائتين، وكان رجلًا له جلالةٌ وسنٌّ. قال: فدخلت عليه، فقال: من علماؤكم بالبصرة؟ قلت: المازني من أعلم الناس بالنحو، والرياشي من أرواهم لعلم الأصمعي، والزيادي من أعلمهم بأخبار أبي زيد، وهلال الرأي من أعلمهم بالرأي، وابن الكلبي من أكتبهم للشروط، والشاذ كوني من أرواهم للحديث، وأنا فأنسب إلى علم القرآن. قال: فأقبل على حاجبه وقال: إذا كان غدًا فاجمعهم عندي! فلما كان الغد جمعهم في مجلسٍ واحدٍ. فقال: أيكم أبو عثمان المازني؟ قال: هاأنا ذا. قال: فما تقول في الظهار، أيجوز فيها عتقُ عبد أعور؟ قال: وما علمي بهذا علم هذا عند هلال الرأي. فأقبل على هلال فقال: ماتقول في قول الله تعالى: (يَا أيها الذينَ آمنُوا عَلَيكمْ أنفُسَكُمْ) لِمَ نسب؟ قال: وماعلمي بهذا علمه عند أبي عثمان المازني. ثمّ أقبل على الزيادي فقال: مالعنجد في كلام العرب؟ قال: وماعلمي بهذا علمه عند الرياشي. فأقبل على الرياشي فقال: كيف تكتب وثيقةً بين رجلٍ وامرأةٍ إذا أختلفت من زوجها بترك صداقها؟ قال: وماعلمي بهذا علمه عند ابن الكلبي. فأقبل على ابن الكلبي وقال: كم رجلًا روى عن ابن عون الحديث؟ قال: وماعلمي بهذا علمه عند ابن الشاذ كوني. فأقبل على ابن الشاذكوني وقال: (ألا إنَّهُمْ يَثنُون صُدُورهم) . فقال: وماعلمي بهذا علمه عند أبي حاتم. فأقبل عليَّ فقال: اكتب لي كتابًا إلى أمير المؤمنين تصف فيه خصاصة أهل البصرة، ومانالهم من الآفات في نخلهم! قلت: أعزك الله، مالي بلاغةٌ ولاأحسن إنشاء الكتب إلى السلطان. قال: إنما مثلكم مثل الحمار، يبقى أحدكم في المعنى الواحد خمسين سنة ثمّ يقول: أنا عالم، لكن عالمنا بالكوفة، لو سئل عن هذا أجمع لأجاب فيه! - يعني نفسه. قال أبو حاتم: قضى لولايته بذلك وشرفه وموضعه من رسول الله ﷺ.
[ ٨٣ ]
قال أبو حاتم: كنت في المسجد الجامع بالبصرة وأنا إذ ذاك غلامٌ، فدخل أبو نواس فجلس إليَّ وجعل يعبث بي وينشدني، قلت: اللهمَّ خلصني منه! فدخل غلامٌ يقفيّ من أجمل الناس، فلما بصُر به هشَّ وتخلخل عن مكانه وأجلسه بيني وبينه وجعل يحادثه وينشده إلى أن أقيمت الصلاة، فالتفت إليَّ وقال " من السريع ":
أُتيحَ لي ياسهلُ مستظرفٌ تسحرُ عيني عينهُ الساحره
وهي أبياتٌ. ثمّ التفت إلى الغلام وقد قام، فنظر إلى كفله فإذا هو أرسح، فقال " من السريع ":
ماشئتَ من دُنياولكنّهُمُنافقٌ ليستْ له آخرهْ
قال أبو مالك عون بن محمد: كان هذا قبل التسعين ومائة، وأبو حاتم إذ ذاك غلامٌ يجمع العلم، وما مات حتى قارب التسعين. - وقال: كانت المعاني مدفونة حتى أثارها أبو نواس، وأنشد له " من الوافر ":
ولو أني استزدتك فوق مابي من البلوى لأعوزك المزيدُ
ولو عرضتْ على الموتى حياتي بعيشٍ مثل عيشي لم يريدوا
قال: وكان أبو حاتم يميل إلى الأحداث ميلًا كثيرًا ويفرط في ممازحتهم، وربما يضع يده يلمسهم، فعاتبه بعض البصريين وقال: إنك تفعل هذا وتقوم إلى الصلاة. فقال: متني قويٌّ وما أمذي! قال: وكان يحلف أنه لايتجاوز المدح.
قال محمد بن زكرياء الغلابي: كنا عند أبي حاتم بين العشاء والعتمة، فخالط عينيه الغمص، فأفلتت منه ضرطة، فقال فيه ابن الضيون " من السريع ":
إنَّا سمعنا ضرطةً افلتت من أستٍ سهلان أبي حاتمِ
فأفزعتْ من كان مستبهًا وأيقظت من كان من نائمِ
وظلَّ أهل الأرض في رجةٍ واعتلق المظلوم بالظالمِ
فذكر لأبي حاتم، فقال: ويلك هذه لم تكن ضرطة، هذه كانت نفخة الصور! قال: مرّ رجلٌ براهبٍ فقال له: عظني! قال: أعظكم وفيكم الفرقان ومحمد منكم؟! قال: نعم. قال: فاتعظ ببيت شعرٍ قاله رجلٌ منكم " من الطويل ":
تجرَّد من الدنيا فإنك إنما خرجت إلى الدنيا وأنت مُجرَّدُ
مات أبو حاتم ﵀ سنة خمسٍ وخمسين ومائتين.