هو أبو عامر بن شراحيل الشعبيّ من حمير، وعداده في همدان وأمه من سبي جلولاء. قال الشعبي: ولدتُ عام جلولاء. قال قتادة: كان عام جلولاء في تسع عشرة سنة في سبع سنين من خلافة عمر.
قال عبد الله بن محمد بن مرة الشعباني: حدثنا أشياخ من الشعبان أنّ مطرا أصاب اليمن، فجحف السيلُ موضعًا فكشف عن أزجٍ عليه باب من حجارةٍ، فكسر الغلق ودخل فإذا بهوٌ عظيم فيه سريرٌ من ذهب وإذا عليع رجلُ، فشبرناه فإذا طوله اثنا عشر شبرًا، وإذا عليه جباب من وشيٍ منسوجة من ذهب، وإلى جنبه محجنٌ من ذهب، على رأسه ياقونة حمراء، مرَّجلُ الرأس واللحية، عليه ضفران، وإلى جنبه لوحٌ مكتوب فيه: " باسمك اللُهمَّ ربَّ حمير، أنا حسّان بن عمرو القَيلُ، إذ لاقيل إلا أنا، عشتُ بأملٍ ومتُ بأجل أيَّام وخزهيد، هلك فيه اثنا عشر ألف قيلٍ، فكنتُ آخرهم قيلًا، فأتيتُ جبل ذي شعبين ليجيرني من الموت فأخفرني "، وإلى جنبه سيفٌ مكتوبٌ فيه بالحميرية: " أنا قُبْار بي يُدرك الثار ".
[ ٨٧ ]
قال عبد الله بن محمد بن مرة: هو حسان بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن غوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن الحمير، وحسَّان هو ذو الشعبين. وهو جبلٌ باليمن نزله هو وولده ودفن به ونسب إليه هو وولده، ومن كان منهم بالكوفة قيل شعبيون، منهم عامر الشعبي، ومن كان منهم بالشأم قيل لهم شعبانيون، ومن كان منهم باليمن قيل لهم آلُ ذي شَعْبَين. فبنوا عليّ بن حسَّان بن عمرو رهط عامر ابن شراحيل بن عبد الشعبي، ودخلوا في أُحمور همدان، فعدادهم فيهم، والأحمور خارفٌ والصائديون وآل ذي بارق والسبيع وآل ذي حدان وآل ذي رضوان وآل ذي لعوة وآل ذي مرّان. وأعراب همدان غرر ويامٌ ونهمٌ وشاكر وأرْحبُ. وفي همدان من حمير قبائل كثيرةٌ، منهم آل ذي حوال، وكان على مقدمة تُبَّعٍ، منهم يعفر بن الصبَّاح المتغلب على مخاليف صنعاء اليوم.
كان الشعبي مليحًا فصيحًا يصبغ بالحناء، وكان دميمًا، سُئل فقال: زوحمتُ في الرحم! وذاك أنه ولد توءمًا.
كان الشعبي يتحدث فيقول: إن للحديث سكتات وإشارات وموافقات وتعريجات، فمواضع يتوقف فيها ومواضع يطوى فيها طيًَّا، وليس كلّ أحدٍ أعطي ذلك ويحسن ذلك. - وكان يقول له ابن شبرمة: يامُفوّت الحاجات! لما كان يشغل جلساءه بحسن حديثه عن حوائجهم.
سأله رجلٌ يوم عيدٍ وعليه مطرف خزٍ: ناترى في لبس الخز؟ فقال: أحمقُ يرى عليّ مطرف خزٍ ويسألني عن لبسها. وكان أكثر ما يلبس الخز الأحمر والرداء الكتان المُوَّرد ولم يُرْخ عمامته. ورُئي جالسًا على جلد أسد. قال مجالدٌ: رأيتُ عليه قباء سمُّور. وكان يتختم في يمينه ونقش خاتمه: " الحمد لله الحق المبين "، وقيل: " حسبيَ اللهُ ونعْمَ الوكيل ". قال: وهي أوّلُ كلمة قالها الخليلُ عليه السلان حين أُلقي في النار.
وكان لايقوم من مجلسه حتى يقول: أشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله ﷺ، وأشهد أنّ الدين كما أمر، وأشهد أنّ الإسلام كما وصف، وأشهد أنّ الكتاب كما بلَّغ، وأشهد أنّ القول كما حدث، وأشهد (أنَّ اللهَ هُوَ الحقُّ المُبينُ) ! فإذا ذهب ينهض قال: ذكر الله محمدًا منا بالسلام.
ولما ولي عمر بن عبد العزيز استعمل على الكوفة عبد الحميد بن عبد الرحمان ابن زيد بن الخطاب، فاستقضى عبد الحميد الشعبيَّ بأمر عمر، فقضى سنةً ثمّ استعفاه فأعفاه.
وكان موسرًا يشتري اللحم في كلّ جمعة بدرهم واحد، وكان يقول: لدرهم أعطيه في النوائب أحبُّ إليَّ من خمسة أتصدق بها. - مرّ على قوم وهم ينالون منه ولايرون، فلما سمع كلامهم قال " من الطويل ":
هنيئًا مريئًا غير داء مخامرٍ لعزَّةَ من أعراضنا ما أستحلتِ
وسمع رجلًا يشتمه فقال: إن كنت صادقًا فغفر الله لي، وإن كنت كاذبًا فغفر الله لك! ثمّ تمثلَّ " من الرمل ":
ليست الأحلامُ في حال الرضى إنما الأحلامُ في حال الغضَبْ
وهجاه رجلٌ قضى عليه لزوجته فقال " من الرمل ":
فُتنَ الشعبيُّ لمَّا رفعَ الطَرْفَ إليها
فتنته حين ولَّت ثمّ هزَّت منكبيها
فتنته بقوامٍ وبخطَّي حاجبيها
وبنان كالمداري وبحسن معصميها
من فتاةٍ حين قامت رفعت مأمتيها
كيف لو أبصر منها نحرها أو ساعديها
لصبا حتى تراه ساجدًا بين يديها
قال للجلواز: قدمها وأحضر شاهديها
فقضى جورًا على الخصم ولم يقض عليها
بنتِ عيسى بن جرادٍ ظَلَمَ الخصم لديها
ما على الشعبي لم يوُ فِ الذي كان عليها
فلما سمع الشعبي الأبيات ضحك وقال: لا والله ماكان شيءٌ من هذا.
قال الشعبي: ماأروي شيئًا أقلَّ من الشعر، ولو شئتُ أن أنشد شهرًا ولا أعيد شيئًا لفعلت. - وقال أبو بكر الهُذَلي للشعبي: أتحبّ الشعر؟ قال: نعم! قال: أما إنه يحبه الرجالُ ويكرهه مؤنثوهم!
[ ٨٨ ]
قال أبو بكر الهذلي لابن سيرين: إذا أتيت الكوفة فالزم الشعبيَّ واستكثر من حديث! فلقد رأيته يستفتي وأصحاب محمد ﷺ لأحياءٌ. - وسئل عن شيء فقال: لاعلم لي بهذا! فقال: ألا يستحي مثلك يقول هذا؟! فقال: إنّ الملائكة لم تستحي من قولهم: (لاعلم لنا)، أستحيي أنا!؟ قال ابن شبرمة: كنتُ أمضي مع الشعبي في بعض الطريق، فقال لي: احملني وأحملك! قلت: كيف ذاك!؟ قال: حدثني وأحدثك! - قال الشعبيّ: تغديتُ عند قتيبة بن مسلم بخراسان، فقال: أيُّ الشراب أحبُّ إليك حتى تؤتى به؟ أعزُّ مفقودِ وأهونُ موجود! قال: ياغلام، اسقيه ماءً! وقال: ما من بني عبد المطلب رجلٌ ولا امرأة إلا قال الشعر غير النبيّ ﷺ. قال: وأغزلُ بيتٍ وأرقه قولهم " من الطويل ":
فدقتْ وجلَّتْ واسَكَّرتْ وأُكملتْ فلو جُنَّ إنسانٌ من الحسنِ جُنَّتِ
ودخل على عبد الملك بن مروان، فقال له: أنشدني أحكم ما قالته العرب وأوجزه! فقال قول امرئ القيس " من االبسيط ":
صُبَّتْ عليه وما تنْصَبُّ عن أمَمٍ إن الشقاءَ على الأشقَيْنَ مكتوبُ
قال زهير " من الطويل ":
ومن يجعل المعروف من دون عرضه يفرهُ ومن لا يتقِ الشتمَ يُشتمِ
قال النابغة " من الطويل ":
ولستَ بمستبقٍ أخًا لاتلمُّه على شعثِ أيُّ الرجال المُهذَّبُ
وقال عدي بن زيد " من الطويل ":
عنى المرء لاتسأل وأبصر قرينه فإن القرين بالمقارن مقتدي
وقال طرفة بن العبد " من الطويل ":
ستبدي لك الأيام ماكنت جاهلًا ويأتيك بالأخبار من لم تُزوّدِ
قال عبيد بن الأبرص " من البسيط ":
إذا المرُ أسرى ليلةً ظنّ أنه قضى عملًا والمرءُ ماعاش عاملُ
وقال الأعشى " من الطويل ":
ومن يغترب عن قومه لايزل يرى مصارعُ مظلومٍ مجرًا ومسحبًا
وقال الحطيئة " من البسيط ":
من يفعلِ الخيرَ لايَعْدمْ جوازيهُ لايذهبُ العزْفُ بين الله والناسِ
وقال الحارث بن عمرو " من الطويل ":
فمن يلقَ خيرًا يحمدِ الناسُ أمرهُ ومن يغوِ لايعدمُ على الغيّ لائما
وقال الشمَّاخ " من الطويل ":
وكُلُّ خليلٍ غيرُ هاضمِ نفسهِ لوصل خليل صارمٌ أو معارزُ
فقال عبد الملك: حججتك، ياشعبيُّ، بقول طفيل الغنوي " من البسيط ":
ولا أخالسُ جاري في حليلته ولا ابن عمي غالتني إذا غُولُ
حتى يقال وقد دليتُ في جدثٍ أين ابن عوفٍ أبو قرّانَ مجعولُ
وقال ابن شبرمة: سألت الشعبيَّ عن معنى هذا البيت " من الرمل ":
بدَّلته الشمسُ من منبتهِ بَرداَ أبيض مصقول الأُشرْ
فلم يكن عنده جوابٌ. وقيل: إنه كان الصبيُّ في الجاهلية إذا أتغر استقبل بسنه عين الشمس، فحذفها وقال: أبدليني خيرًا منها.
قال: وأغزل بيتٍ قيل في العرب قول الأعشى " منى البسيط ":
غرَّاءُ فرعاء مصقولُ عوارضها تمشي الهوينا كما يمشي الوجى الوحلُ
قال: وأخبث بيتٍ قالته العربُ قوله " من البسيط ":
قالت هُريرةُ لما جئت زائرها ويلي عليك وويلي منك يارجلُ
وأشجع الناسُ من قال " من البسيط ":
قالوا: الطراد! فقلنا: تلك عاداتنا أو تنزلون فإنا معشرٌ نُزُلُ
سئل الشعبي عن رجل لطم عين رجل فأحمرت فشرقت فاغرورقت، فقال: يقضى فيها ببيت الراعي " من الطويل ":
لها أمرها حتَّى إذا ما تبوَّأتْ بأخفافها مأوى تبوأ مضجعا
ومعنى هذا البيت أنّ الراعي إذا أتى بإبله عشيا تركها حتى ترتاد بأخفافها موضعًا تبرك فيه، فإذا ارتادت موضعًا وبركت نزل قبالتها. فالمعنى إن الحكم في هذه العين أن تترك حتى يستقر أمرها على شيء ما، ثمّ يقضى فيها.
وسئل عن رجل أوصى لأرامل بني فلان، فقال: الرجالُ والنساءُ سواءُ، أما سمعتم قول الشاعر " من البسيط ":
تلك الأرامل قد قضيتُ حاجتها فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر
وقال الشعبي: لايكون الرجل سيدًا حتى يكون للبيتين مستعملا، وهما " من الطويل ":
وإني للباسٌ على المقْتِ والقلى بني العم منهم كاشحٌ وحسودُ
[ ٨٩ ]
أذبُّ وأرمي بالحصى من ورائهم وأبدأ بالحسنى لهم وأعود
ومن فتاويه: سئل عن رفع الصوت بالدعاء، فقال: أما س؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ لوا رجلًا لم تكن على كلّ واحد منهم كفارته؟! فظفر عليه الشعبيّ. - وقال: إُيما ثلاثةٍ ركبوا دابةً فأحدهم ملعون! وقال الشعبيّ: كان شُريحٌ يشرب الطلاء على النصف، فشربنا عنده في الفطر والأضحى ما لاأحصيه، ويقول: طبخه غلامي ميسرة. - وقال عمر ابن أبي خليفة عن أبيه قال: كان الشعبي عندنا، فسمعنا صوت غناء فقلنا: أترى بهذا بأسا؟ قال: لا! - وقال: إذا صلى الرجلُ المكتوبة تقدم أمامه خطوة خطوة أو خطوتين ثمّ تطوَّعَ. وقال: ليس في الصلاة على الميت قراءةٌ، ولاشيءٌ موَّقتٌ إلا دعاءٌ واستغفار للميت.
وقال: جمع القرآن ستةٌ من أصحاب رسول الله ﷺ، كلُّهم من الأنصار على عهد رسول الله ﷺ: أُبيُّ بن كعب ومعاذ بن جبلٍ وزيد بن ثابت وأبو زيد وسعد بن عبيد ومجمع بن جارية جمعه إلا سورة أو سورتين. - وقال: القضاة أربعةٌ عمر وعليّ وابن مسعود وزيد بن ثابت. والدهاة أربعة معاويبة وعمرو بن العاص ومغيرة بن شعبة وزياد؛ فأما معاوية فللأناة والحلم، وأما عمرو فللمعضلات، وأما المغيرة فللمبادهة لم يأخذ عقدة إلا حلها، وأمَّا زياد فللصغير والكبير. - وقال: أوّل من وضع العشور عمر بن الخطاب. وقال: وكان عليّ أشجع الناس، تقرُّ له بذلك العرب.
قدم الشعبيُّ أيَّام عبد الله بن الزبير البصرة، فجلس إلى أناس في مسجدها فيهم الأحنف بن قيس، فتذاكروا أهل الكوفة وأهل البصرة، ولم يزل بهم الحديث حتى قال قائلٌ من أهل البصرة: وما أهل الكوفة، هل هم إلا خولنا؟ استنقذناهم من عبيدهم! قال الشعبيّ: فعرض في قلبي قولُ أعشى همدان فقلتُ " من الرمل ":
أفخَرْتم أن قتلتم أعْبُدًا وهزمتم مرّةً آلَ عَزَلْ
نحن سُقناهم إليكم عنوةً وجمعنا أمركم بعد الفشلِ
فإذا فاخرتمونا فاذكروا ما فعلنا بكمُ يومَ الجملْ
بين شيخٍ خاضبٍ عثنونه وفتىً أبيضَ وضَّاحٍ رفلْ
جاءنا يهدرُ في سابغةٍ فذبحناهُ ضُحىً ذبح الحملْ
وعفونا فنسيتم عفونا وكفرتم نعمة اللهِ الأجلْ
فضحك الأحنف ثمّ قال: ياأهل البصرة، فخر عليكم الالشعبيُّ، فأحسنوا مجالسته! ثمّ قال: ياجاريةُ، هاتي الصحيفة الصفراء! فرمى بها إلى الشعبي، فإذا فيها من المختار: " من أبي عبيد إلى الأحنف بن قيس مورد قومه سقر، حيثُ لايستطيع لهم الصدر، وإني لاأملك لهم ما خُطَّ في القدر، وقد بلغني أنكم تكذبونني وتكذبون رُسُلي، ولعمري لقد كذبت الأنبياء قبلي وأوذوا، وإن كنتُ لستُ بخيرٍ من نبي منهم، والسلامُ على من اتبع الهدى. " ثمّ أقبل عليَّ فقال: هذا منَّا أو منكم؟! فغلبني وهو ساكت.
[ ٩٠ ]
وقال الشعبيُّ: رأيتُ عجبًا، كنَّا بفناء الكعبة أنا وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير ومصعب بن الزبير وعبد الملك بن مروان، فقال القومُ: ليقمْ كلُّ رجلُ منكم فليأخذ بالرُكن اليماني وليسأل الله حاجته فإنه يُعطى، قمْ، ياعبد الله بن الزبير! فإنك أولُ مولود ولد في الهجرة. فقام فأخذ بالركن اليماني فقال: اللهّمَّ إنك عظيمٌ تُرجى لكلّ عظيم، أسألك بحرمة وجهك وحرمة عرشك وحرمة نبيك ﷺ ألا تميتني حتى توليني الحجاز ويُسلَّم عليَّ بالخلافة! وجاء فجلس، وقالوا: قُم، يامصعب! فقام حتى إذا أخذ بالركن اليماني فقال: اللهمَّ إنك ربُّ كلّ شيء، وإليك يصير كلُّ شيء، أسألك بقدرتك على كلّ شيء ألا تميتني حتى توليني العراقين وتزوجني سكينة بنت الحسين! وجاء فجلس، وقالوا: قم، ياعبد الملك! فقام فأخذ الركن وقال: اللهم ربّ السماوات السبع وربَّ العرش العظيم ربَّ الأرض ذات النبت بعد القفر، أسألك بما سألك عبادك المطيعون لأمرك، وأسألك بحرمة وجهك، وأسألك بحقك على جميع خلقك، وأسألك بحق الطائفين حول بيتك ألا تميتني حتى توليني شرق الأرض وغربها، ولاينازعني أحدٌ ألا أُتيتُ برأسه! ثمّ جاء فجلس، ثمّ قالوا: قم، ياعبد الله بن عمر! فقام حتى أخذ بالركن ثمّ قال: اللهمَّ إنك رحمان رحيم، أسألك برحمتك التي سبقت غضبك، وأسألك بقدرتك على جميع خلقك إلا تميتني حتى تُوجب لي الجنة! - قال الشعبيّ: فما ذهبت عيناي من الدنيا حتى رأيتُ كلَّ رجل منهم قد أعطي ماسأل. وبُشر عبد الله بن عمر بالجنة.
وكتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج: إنه ليس شيءٌ من لذة الدنيا إلا وقد أُصبتُ به ولم يبق لي من لذة الدنيا إلا مناقلة الإخوان للحديث، وقبلك عامرٌ الشعبيُ، فابعث به إليذَ ليُحدثني! فجهزه الحجَّاج وبعث به إليه. قال: فدخلتُ فإذا عبدُ الملك جالسٌ على كرسي وبين يديه رجلٌ أبيضُ الرأس واللحية على كرسيّ، فسلمتُ فردّ السلام، ثمّ أومى إليّ بقضيبه فقعدت على يساره، ثمّ أقبل على الذي بيد يديه فقال: من أشعر الناس؟ قال: أنا! قال الشعبيّ: فأظلم عليَّ مابيني وبين عبد الملك، ولم أصبر أن قلتُ: ومن هذا، ياأمير المؤمنين، الذي يزعم أنه أشعر الناس؟ قال: فعجب عبد الملك من عجلتي، ثمّ قال: هذا الأخطل! قلتُ: ياأخطلُ، أشعر منك الذي يقول " من السريع ":
هذا غُلامٌ حَسَنٌ وجههُ مُقتبلُ الخيرِ سريعُ التمامْ
للحارثِ الأكبر والحارث ال أصغر والحارث خير الأنامْ
ثمّ لهندٍ ولهندٍ وقد أسرعَ في الخيراتِ منه إمامْ
ستّةُ أملاكٍ هُمُ ما هُمُ هُمْ خيرُ من يشربُ صوب الغمامْ
فقال عبد الملك: رُدَّها عليَّ! فرددتها عليه حتى حفظها، فقال الأخطل: من هذا، ياأمير المؤمنين؟ قال: هذا الشعبيُّ! قال: والجِلَّوز، ما أستعذت بالله من شر هذا! صدق والله، النابغة أشعر مني! قال الشعبيّ: ثمّ أقبل عليَّ عبد الملك فقال: كيف أنت؟ قلتُ: بخير، ياأمير المؤمنين! فلا زلتَ به! ثمّ ذهبت لأضع معاذير لي لما من خلافي على الحجاج مع عبد الرحمان ابن محمد بن الأشعث، فقال: مه، فإنا لانحتاج إلى هذا المنطق، ولا تراه منا في قول ولافعل حتى تفارقنا. ثمّ أقبل عليَّ فقال: ماتقول في النابغة؟ قلتُ: ياأمير المؤمنين، قد فضلَّه عمرُ بن الخطاب في غير موطن على جميع الشعراء! خرج عمرُ وببابه وفد غطفان، فقال: يامعشر غطفان، أي شعرائكم الذي يقول " من الطويل ":
حلفتُ فلم أترك لنفسك ريبةً وليس وراء الله للمرء مذهبُ
لئن كُنت قد بُلغتَ عني رسالةً لمبلغك الواشي أغشُّ وأكذبُ
ولستُ بمستبقٍ أخا لاتلمهُ على شعثٍ أيُّ الرجال المُهذَّبُ
قالوا: النابغة، ياأمير المؤمنين! قال: فأيكم الذي يقول " من الوافر ":
لي ابن مُحرقٍ أعملتُ نفسي وراحلتي وقد هدت العُيونُ
أتيتك عاريًا خلقًا ثيابي على خوفٍ تُظنُّ بي الظُنُونُ
وألفيتُ الأمانةَ لم تخنها كذلك كان نُوحٌ لايخونُ
قالوا: النابغة، ياأمير المؤمنين! قال: فأيكم الذي يقول " من الطويل ":
[ ٩١ ]
فإنك كالليل الذي هو مدركي وإن خِلْتُ أن المنتأى عنك واسعُ
خطاطيفُ حُجْنٌ في حبالٍ متينةٍ تَمُدُّ بها أيدٍ إليك نوازعُ
قالوا: النابغة، ياأمير المؤمنين! قال: هذا أشعرُ شعرائكم. فأقبل على الأخطل فقال: أتحبُ أنك قلته؟ قال: لا، والله إلا أنني وددتُ أني كنت قلتُ أبياتا قالها رجلٌ منا، كان والله - ماعلمتُ - مغدف القناع قليل السماع قصير الذراع. قال: وماقال؟ فأنشده قصيدته " من البسيط ":
إنَّا مُحيّوك فاسلم أيها الطللُ وإن بليت وإن طالن بك الطيلُ
ليس الجديدُ به تبقى بشاشته إلا قليلًا ولا ذو خلةٍ يصلُ
والعيشُ لاعيشُ إلا ماتقرُّ به عينٌ ولاحال إلا سوف تنتقل
إن ترجعي من أبي عثمان منجحةً فقد يهون على المستنجح العملُ
والناسُ من تلق خيرًا قائلون له ما يشتهي ولأمٍ المخطئ الهبلُ
قد يُدرك المُتأني بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل
قال الشعبيُّ: قلت: والقُطامي قال أفضل من هذا! قال: وماقال؟ قلتُ " من الكامل ":
طرقتُ جنوب رحالنا من مطرقٍ ماكنتُ أحسبها قريبَ المعنقِ
حتى أتيت على آخرها، فقال عبد الملك: ثكلت القطامي أمه! هذا والله ألشعر. قال: فالتفت إليَّ الأخطل فقال: ياشعبيُّ، إنّ لك فنونًا في الأحاديث، وإن لنا فنًَّا واحدًا، لاأعرض لك في شء من الشعر أبدًا، فأقلني هذه المرة! قال: من يكفل بك؟ قلتُ: أمير المؤمنين! فقال عبد الملك: هو عليَّ أن لايعرض لك أبدًا! ثمّ قال: ياشعبيُّ، أيُّ شعراء نساء الجاهلية كانت أشعر؟ قلت: خنساء! قال: ولم فضلتها؟ قلتُ: لقولها " من الطويل ":
وقائلةٍوالنعشُ قد فات خطوهالتدركه: يالهف نفسي على صخرِ
ألا ثكلتْ أمُّ الذين غدوا به إلى القبر ماذا يحملون إلى القبرِ
فقال عبد الملك: أشعرُ منها واللهِ ليلى الأخيلية حيث تقول " من البسيط ":
مهفهفُ الكشح والسربال منخرقٌ عنه القميصُ لسيرِ الليل محتقرُ
لايأمن الناس ممساه ومصبحه في كل فجٍ وإن لم يغزُ ينتظرُ
ثمّ قال: ياشعبيّ، لعله شقَّ عليك ماسمعت؟! قلت: إي والله، ياأمير المؤمنين، أشدَّ المشقة! إني إنما أعلمتك هذا لأنه بلغني أن أهل العراق يتطاولون على أهل الشام، يقولون: إن كانوا غلبونا على الدولة فلم يغلبونا على العلم والرواية، وأهل الشأم أعلم بعلم أهل العراق من أهل العراق. - ومكثت عنده سنتين، بعثني إلى أخيه عبد العزيز بن مروان بمصر وكتب إليه: ياأخي، إني قد بعثت إليك بالشعبيّ، فانظر هل رأيت مثله؟! وقيل: لما دخل الشعبي على عبد الملك خطَّأه في مجلس ثلاث مرات، سمع الشعبيُّ منه حديثًا، فقال: اكتبنيه! فقال: نحن معاشر الخلفاء، ما نكتب أحدًا! وذكر رجلاُ فكنَّاه، فقال: من هذا، ياأمير المؤمنين؟ فقال: الخلفاء لاتسأل عن جلسائها وهم يسألون! وقال قتادة: كتب عبد الملك إلى الحجاج أن ابعث إليَّ بأجمع رجلٍ عندك! فبعث إليه بالشعبيّ. فلما قدم عليه قال له عبد الملك: علم بني ستَّ خصال، ثمّ شأنك بعد تأديبهم! علمهم صدق الحديث كما تعلمهم القرآن، وعلمهم الشعر ينجدوا ويمجدوا - يعني أنهم يكونوا أسخياء وفرسانًا - وجُزَّ شعورهم تشتد رقابهم، وأطعمهم اللحم تصح قلوبهم، وجنبهم الحشم فإنه مفسدة لهم، وجالس بهم علية الرجال يناقضونهم الكلام فإنه خيار الناس! وقال عبد الملك للشعبي: لله در ابن قميئة حيث يقول " من الطويل ":
كأني وقد خلفتُ تسعين حجةً خلعتُ بها عني عذار لجامي
رمتني بنات الدهر من حيث لاأرى فكيف بمن يُرمى وليس برامي
فلو أنها نبلٌ إذا لاتقيتها ولكنني أرمى بغير سهام
فقال الشعبي: لقد أحسن لبيدٌ أيضًا حيث يقول: