قال هشام بن محمد: كان أبي أبو النضر محمد بن السائب بن بشر بن عمرو بن الحارث بن عبد العُزَّى بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد وُدّ بن كنانة بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن كلب. وكان جده بشر بن عمرو وبنوه السائب وعبيد وعبد الرحمان شهدوا الجمل وصفين مع علي بن أبي طالب ﵁، وقتل السائب بن بشر مع مصعب بن الزبير.
[ ٩٤ ]
وقال محمد بن السائب عن أبيه قال: إنما وضعت الشعوب والقبائل والعمائر والبطون واللإخاذ والفصائل والعشائر على خلق الإنسان، تُسمَّى شعوبًا وهو الشعب لأن الجسد تشعَّب منه، ثمّ القبائل وهو رأسه من قبائل الرأس وهي الأطباق، ثمّ العمائر وهو الصدر فيه القلب، ثمّ البطون وهو البطن فيه استبطن الكبد والرئة والطحال والأمعاء فصار مسكنهن، ثمّ الأفخاذ فالفخذ أسفل من البطن، ثم الفصائل الركبة لأنها انفصلت من الفخذ، ثمّ العشائر الساقان والقدمان لأنها حملت ما فوقها بالحُبّ وحسن المعاشرة ولم يثقل عليها حمله. قال: وإنما سُميت العرب شعوبًا لأنهم قيل لهم ذلك حين تفرقوا من ولد إسماعيل ﵇ ومن ولد قحطان، وذلك حين تشعبَّوا قال الشاعر " من الوافر ":
فبادروا بعد أمتهم وكانوا شُعُوبًا أشعبتْ من بعد عادِ
الأمة النعمة والملك. ثم القبائل حين تقابلوا ونظر بعضهم إلى بعض في حلة واحدة وكانوا كقبائل الرأس، قال الله تعالى: (وجعْلناكُمْ شُعُوبًا وقبائل لِتعارفوا إنَّ أكرمَكم عِنْد اللهِ أتقاكُمْ) . وقال صبح بن معبد ابن عدي بن أفلت الطائي للأجئيين " من الوافر ":
قبائلُ من شعوبٍ ليس منهم كريمٌ قد يُعَدُّ ولا نجيبُ
وقال آخر " من البسيط ":
قبيلةٌ من شعوبٍ ضلَّ سعيهمُ لاخير فيهم سوى كُثْرٍ من العددِ
ثمّ العمائر حين سكنوا الأرض وعمروها، قال رجلٌ من بني عمرو بن عامر بن صعصعة يقال له فزارة " من الطويل ":
عمائرُ من دون القبيل أتوهمُ نماهم إلينا عامرٌ ومساجمُ
ضممناهم ضمَّ الهبلِ بناته فنحن لهم سلمٌ وإن لم يُسالموا
الهبلُّ الشيخ. ثمّ البطون حين استنبطوا الأودية ونزلوها وبنوا البيوت الشعر ودعموها، فقالت العربُ: بيتُ فلان وبقي من آل فلان بيتان، قال الأزدي " من الرجز ":
بُطونُ صدقٍ من ذرى العمائر ملْ أزد فانضمَّت إلى بحائر
بحائر مُرادٌ. ثمّ الأفخاذ والفخذ أصغر من البطن، قال الأرحبيُّ " من البسيط ":
مِقْرى بني أرْحبٍ للضيفِ مُترعَةٌ وكلُّ مقرى لكم يانهمث أفخاذُ
النهم قبيلة. ثم الفصائل وهي الفصيلة وهم الأحياء حين انفصلوا من الأفخاذ، قال الله ﷿: (وَفصِيلتهِ التي تؤويه)، وقال الكنانيُّ " من الرجز ":
فصيلةُ بانت من الأفخاذ فحالفوا جهلًا بني مُعاذِ
ثمّ العشائر حين انضمَّ كلُّ بني أبٍ إلى أبيهم دون عمهم، فحسن تعاشرهم، قال نهيك بن قعنب الطائي لبني ثعلبة بن لأمٍ " من الوافر ":
وكنتُ لكم عشيرًا من أبيكم بلا صفدٍ ولا قولٌ جميلُ
فصرتُ لكم عدوًا ما بقيتم بني المقناب ما جنح الأصيل
القنب الغلاف الذي فيه جردان البعير، وليس بعد العشيرة شيءٌ ينسب إليه. فالشعب مثل ربيعة ومضر وإياد وحمير وأنمار وقضاعة والأزد وهمدان وبجيلة وخثعم وكندة ولخم وجذام وعاملة وحضرموت. ثمّ القبائل دون الشعوب مثل قيس عيلان وطابخة ومدركة. ثمّ العمائر دون القبائل مثل كنانة وأسد وهذيل وتميم وضبة والرباب ومزينة. ثمّ البطون مثل فهر بن مالك قريش، ومثل بني بكر بن عبد مناة بن كنانة وبتي الحارث بن عبد مناة وبني عامر بن عبد مناة وبني مدلج بن مرة بن عبد مناة كلُّهم من كنانة. ثمّ الأفخاذ مثل لؤي بن غالب وتيم الأدْرم بن غالب ومحارب والحارص بن فهر. ثمّ الفصائل مثل قُصي بن كلابٍ وزهرة بن كلاب وبني مخزوم وبني تمبم وجمح وسهم وعدي بن كعب. ثمّ العشائر مثل عبد مناف وعلى عبد مناف اقتصر رسول الله ﷺ.
[ ٩٥ ]
وقال: إن العرب العاربة عاد وعبيل ابنا عوص بن إرم بن سام بن نوح، وثمود وجديس ابنا جاثر بن إرم، وطسم وعمليق وجاسم وأميم بنو بلعم بن عابر بن اسليحا بن لوذ بن سام بن نوح، وحضرموت والسلف والموذ بنو يقطن بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، وجرهم بن سبأ بن يقطن بن عابر. والعرب كلهم بنو إسماعيل بن الخليل ﵉ إلا أربعُ قبائل: السلف والأوزاع وحضرموت وثقيف. - وقال: الحمس قريش يدخلون بيت مدرٍ ولا وبرٍ ولايلبسون إلا ثوبًا حرميًا أيام الحج. - قال: وكان كلامُ إسماعيل وإسحاق مثل كلام أبيهما عبرانية. وأول من تكلم بالعربية بعد إبراهيم يعرب بن الهميسع بن بنت إسماعيل.
ومرّ به رجل من همدان فقال: كيف تقرأ هذه الآية: (عِظَامًا ناخرة) أو (نخرة)؟ قال: من جعلها ناخرة جعل الريح تنخر فيها وفيها بقيَّة، ومن قرأها نخرة فهي البالية. قال: أخبرني عن قوله تعالى (إنَّا لَمَرْدُودوُن في الحافِرِة) ! قال: الخلقُ الأول، والعرب تقول: رجع فلان على حافرته، يعني على طريقته الأولى.
وقال هشام: قال أبي: كنتُ بالحيرة فوثب إليّ رجلٌ فقال: أنت الكلبيُّ المفسر؟ قلت: نعم! قال: أخبرني عن قول الله تعالى: (وإذا قَرَأت القُرآنَ جَعَلْنا بَيْنَك وَبَيْن الَّذين لايُؤمنون بالآخرةِ حجابًا مَسُورا)، ماذلك القرآن الذي كان رسول الله ﷺ، إذا قرأه حُجب عن عدوه من الجن والإنس؟! قال: قلتُ: لاأدري. قال: فتُفسر القرآن ولاتعلمه؟! قلت: فأخبرني! قال آيةً في الكهف: (ومن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكر بآيات رَبِه)، وآيةً في النحل: (أولئك الَّذين طبع اللهُ عَلَى قُلُوبهم)، وآية في الجاثية: (أفرَأيْتَ من أتَّخذ إلهه هَواهُ) . قال: فالتفت فلم أره، فكأن الأرض ابتلعته.
وقال: إن أسماء كنائن نوح إذا كتبن في زوايا برج حمام تمت الفراخ وسلمت من الآفات. قال هشام: وقد جربته فصح، اسم امرأة سام بن نوح مجلت محوّ، واسم امرأة حام بن نوح ادنو نشا، اسم امرأة يافث بن نوح زوقت نيب. - وقال: كلّ نبيّ ذُكر في القرآن فهو من ولد إبراهيم غير إدريس ونوح ولوط وهود وصالح. ولم يكن في العرب من الأنبياء إلا هودٌ وصالح وإسماعيل بن ذي مهرم ومحمد صلى الله عليهم اجمعين.
وقال ابن عبَّاس: لمَّا هرب إبراهيم من كوثي وخرج من النار عبر الفرات ولسانه يومئذ سُريانيٌّ، فلمَّا عبر الفرات من حرّان غُيّر لسانه، فقيل عبرانيٌّ حين عبر الفرات، ثمّ بعث نمرود في أثره فقال: لاتدعوا أحدًا يتكلَّم بالسريانية إلا جئتموني به! فلقوا إبراهيم فتلكَّم بالعبرانية فتركوه ولم يعرفوا لغته.
وقال: كانت العُزى شيطانة تأتي ثلاث سمرات ببطن نخلة. فلمَّا افتتح النبيُّ ﷺ مكة بعث خالد بن الوليد فقال: ايت بطن نخلة! فإنك تجد ثلاث سمراتٍ، فاعضد الأولى! فأتاها فعضدها، فلمَّا جاء إليه قال: هل رأيت شيئًا؟ قال: لا! قال: فاعضد الثانية! فأتاها فعضدها، فلمَّا جاء إليه قال: هل رأيت شيئا؟ قال: لا! قال: فاعضد الثالثة! فأتاها فإذا هو بحبشية نافشة شعرها واضعة يديها على عاتقيها تصرفُ بأنيابها، وخلفها دُبَيَّةُ السُلمي وكان سادنها، فلمَّا نظر إلى خالد قال " من الطويل ":
عُزيَّةُ شُدي شدةً لاتكذبي على خالد ألقي الحمار وشمري
فإنك إلا تقتلي اليومَ خالدا تبوءي بذُلٍ عاجلًا وتنُصري
فقال خالد " من الرجز ":
ياعزَّ كفرانك لاسبحانك إني رأيت الله قد أهانكِ
ثمّ ضربها ففلق راسها، فإذا هي حممةٌ، ثمّ عضد الشجرة وقتل دُبَيَّةَ السادن. ثمّ أتى النبي ﷺ فأخبره فقال: تلك العزى ولا عُزَّى بعدها للعرب، أما إنها لن تعبد اليوم! - فقال ابو خراش الهذلي في دُبَيَّةَ يرثيه " من البسيط ":
ما لدبَيَّةَ منذ اليوم لم أرهُ وَسْط الشروب ولم يُلْملم ولم يطف
لو كان حيًَّا لغاداهم بمترعةٍ من الدواريق من شيزى بني الهطف
ضخم الرماد عظيم القدر جفنته حين الشتاء كحوض المنهل اللقف
الهطف بطن من بني عمرو بن أسد، واللقف الحوض المنكسر الذي يضرب أصله الماءُ فيتثلم، يقال: قد لقفَّ الحوض.
[ ٩٦ ]
وقال ابن عباس: إذا خفت غرقًا فاكتب: بسم الله الرحمان الرحيم، ما شاء الله، لاقوة إلا بالله، وآية الكرسي، (وإنَّ ربَّكمُ اللهُ) في سورة الأعراف، (وَقُلْنا يانارُ كُوني بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إبراهيم) اكتب: اسكن! سكنت بالذي سكن له ما في الليل والنهار وهو السميع العليم، بسم الله الذي لايضر مع اسمه شيء، بسم الله لايُعاز الله شيء، الله أعزُّ من كلّ شيء.
وقال ابن عبَّاس: كان مجتمع الناس حين خرجوا من السفينة ببابل، فنزلوا سوق ثمانين بالجزيرة، فابتنى كلُّ رجلٍ منهم بيتًا، وكانوا ثمانين رجلًا فسميَّ سوق ثمانين. ثمّ ضاقت بهم حتى خرجوا، فنزلوا موضع بابل اثني عشر فرسخًا في اثني عشر فرسخًا، وكان سورها عند الفرات وبابها عند موضع دوران، فمكثوا بها حتى كثروا، وملكهم يومئذٍ نمرود بن كنعان بن حام ابن نوح. فلمَّا كفروا بلبل الله ألسنتهم، فتفرقوا على اثنين وسبعين لسانًا، وفهم الله العربية عمليق وأميم وطسم بن لوذ بن سام وعادًا وعبيل ابني عُوص ابن إرم بن سام وثمود وجديس ابني جاثر بن إرم بن سام بن نوح وبني يقطن ابن عابر بن شالخ بن أفخشد بن سام. فخرجت عادٌ وعبيل، فنزلت عاد حولها ونزلت عبيل يثرب، وأقبلت العماليق وأميم فنزلت العماليق صنعاء وما حولها ونزلت أميم أُبار - وهو أُبار بن أميم - ومضى بعضهم مع عادٍ، ومضت طَسْمٌ وجديس فنزلت اليمامة، ونزلت ثمودٌ الحجر وما ولاه. فهلكت عادٌ والعماليق بصنعاء، وتحوّلت العماليق فنزلوا بمكة، ثمّ مضى بعضهم إلى يثرب - وهو يثرب بن نابتة بن مهلائيل بن رام بن عوص بن إرم وبه سُميت - فأقبلت العماليق فاجترّت عبيل من يثرب فأنزلوهم موضع الجحفة، فجاءهم سيلٌ فاجتحفهم، فسُميت الجُحفة. فذلك قولُ رجل منهم " من الخفيف ":
عَيْنُ جودي على عبيلَ وهل يُر جع ما فات فيضها بالسجام
عمرّوا يثربًا وليس بها شُفْرٌ ولا صارخٌ ولا ذو سنامِ
غرسوا لينها بمجرى معين ثُمَّ حَفَّوا النخيلَ بالآجامِ
وعن ابن عبَّاس قال: لمَّا هاجر بنو جحش إلى المدينة عبد الله وعبيد الله وعبدٌ - وهو أبو أحمد بن جحش - وثب أبو سفيان على دورهم فباعها وحلف بني جحش إلى حرب بن أمية، فشكا ذلك أبو أحمد إلى النبي ﷺ، فقال: قل شعرًا يشيعُ في العرب غدره! فرجع إلى النبي ﷺ فأنشده " من الكامل ":
أبلغ أبا سفيان قو لًا في عواقبه ندامه
دارَ ابن عمك بعتها تقضي بها عنك الغرامه
وحليفكم بالله عند البيت مجتهدُ القسامهْ
اذهبْ بها اذهب بها طُوّقتها طوق الحمامه
قال ابن الكلبي: هذه رُخصةٌ من النبي ﷺ في أنه أمر بقول الشعر في عتاب وهجاء.
مات محمد بن السائب الكلبي سنة ستٍ - وقيل ثمان - وأربعين ومائة.