قال الجاحظ: كان أبو عمر إسحاق بن مرار الشيباني مولى وليس من بني شيبان ولكنه كان مؤدبًا لأولاد بعضهم، فنسب إليهم كاليزيدي. هو راويةُ أهل بغداد، واسعُ العلم باللغة والشعر، ثقةٌ في الحديث، كثير السماع. له كتبٌ كثيرة في اللغة جيادٌ، منها " النوادر " ومنها " كتاب الحروف " الذي لقبه بالجيم، ومصنَّفات في خلق الإنسان والخيل والإبل وسائر فنون اللغة؛ وأُخذت عنه دواوين أشعار القبائل كلّها. وله بنون وبنو بنين يروون عنه كتبه، وكان ممن يلزم مجلسه ويكتب عنه الحديث أحمد بن محمَّد ابن حنبل.
وقال: الضيون السَّنور، وأنشد " من الطويل ":
خليليَّ عُوجًا من صدور الكوادنِ يُمالُ علينا من ثريدِ الحواقنِ
ثَريدُ كأنَّ السَمْنَ في حجراتهِ نجومٌ الثريا أو عيونُ الضياونِ
وقال ابن الأعرابيّ: هو دويبة تشبه السنَّور.
قال عكرمةُ: قلتُ لابن عبَّاس: أرأيت ماجاء عن النبي ﷺ في أمية بن أبي الصلت آمن شعره وكفر قلبه؟! قال: هو حقٌ، وما أنكرتم من ذلك؟ قلتُ: أنكرنا قوله " والشمس " " من الكامل ":
والشمسُ تطلعُ كُلَّ آخر ليلةٍ حمراء تُصبحُ لونها يتوَّردُ
ليستْ بطالعةٍ لهم في رسلها إلا معذبةً وإلا تُجلدُ
[ ١٠٢ ]
مابال الشمس تجلد؟ قال: والذي نفسي بيده ما طلعت الشمسُ قطُّ حتى ينخسها سبعون ألف ملكٍ يقولون لها: اطلعي اطلعي! وتقول: لاأطلع على قوم يعبدونني من دون الله ﷿! فيأتيها ملكٌ فيستفل لضياء بني آدم، فيأتيها شيطانٌ يريد أن يصَّدها عن الطلوع، فتطلع بين قرنيه، فيحرقه اللهُ تعالى تحتها. وما غربت قطُّ إلا خرت ساجدة لله ﷿، فيأتيها شيطانٌ يريد أن يصدَّها عن السجود، فتغرب بين قرنيه، فيحرقه الله تعالى تحتها. وذلك قولُ رسول الله ﷺ: ملطلعت الشمس إلا بين قرني شيطانٍ ولا غربت إلا بين قرني شيطان.
مات أبو عمرو الشيباني وأبو العتاهية الشاعر وإبراهيم الموصلي المغني والد إسحاق ببغداد في يوم واحد سنة ثلاث عشرة ومائتين ﵏. قال ابن السكيت: مات أبو عمرو الشيباني وله مائةٌ وثماني عشرة سنة، وكان يكتب بيده إلى أن مات.