هو أبو عبد الله القاسم بن معن بن عبد الرحمان المسعودي الهّذليُّ من فقهاء الكوفة، ولي القضاء عالمًا بالشعر والأخبار والفقه والأنساب؛ وجدُّه عبد الرحمان هو ابن عبد الله بن مسعود صاحبا رسول الله ﷺ.
وله في اللغة " كتاب النوادر "، وأخذ عنه الليث بن المظفر صاحب الخليل النحو واللغة، وكان الفراء كثير الرواية عنه، وكان ثقة، وهو من أصحاب أبي حنيفة في الفقه، وكان عثمانيًا. ومن شعره " من الكامل ":
الرفقُ يبلغُ بالرفيق ولا ينفكُّ يُتعبُ أهله الخُرُقُ
والكيس أبلغُ في الأمور ولا يبرأ لو داويته الحمق
ما صِحةٌ أبدًا بنافعةٍ حتى يصحَّ اللين والخُلُقُ
قيل لعمر بن الخطاب: إن نساء بني مخزوم قد اجتمعن ونتخوَّف أن يؤذينك بأصواتهن. قال: لاعليهن أن يهرقن من دمعهن على أبي سليمان، ما لم يكن نقعٌ أو لقلقةٌ! قال القاسم: هو أبو سليمان خالد بن الوليد المخزومي والنقع الشق واللقلقة الصوت.
قال القاسم: كانت أم سعيد بنت سعيد بن عثمان بن عفان ﵁ عند هشام بن عبد الملك وطلقها، فتزوجها العبَّاس بن الوليد بن عبد الملك ثمّ طلقها وندم، فتزوجها عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، فدسَّ العبَّاس إليها أشعب بأبيات قالها وجعل له ألف دينار إن أنشدها إياها، فأنشدها، فقالت، له: دسَّك العبَّاس وجعل لك ألف دينار، فلك مثلها على أن تخبره بما أقول! ثمّ استنشدته، فلَّما قال " من الوافر ":
أسعدهةُ هل إليكِ لنا سبيلٌ وهَلْ حتى القيامة من تلاق
قالت: لا، إن شاء الله! فلمَّا أنشدها " من الوافر ":
بلى ولعلَّ داركِ أن تؤاتي بموتٍ من حليلكِ أو فراقِ
قالت: بفيك الحجر! فلمَّا أنشدها " من الوافر ":
فأرجع شاكتًا وتقرَّ عيني ويشعبَ صدعنا بعد انشقاقِ
قالت: بل يشمتِ اللهُ بك ويجمع شملنا! وقال ابن حبيبات الكوفي للقاسم بن معن القاضي " من المنسرح ":
ياأيها العادلُ الموفَّقُ والقاسمُ بين ألراملِ الصدقةْ
ماذا ترى في عجائز رزحٍ أمسينَ يشكون قلَّة النفقة
[ ١٠٣ ]
ما إن لهنَّ الغداة من نشبٍ يُعرفُ إلا قطيفةٌ خلقة
بناتُ تسعين قد خرقن فما يفصلن بين الشواء والمرقة
فهنَّ لولا انتظارهنّ دنا نيرك قطعن بعد في السرقة
فقال القاسم: العجب أنه يوجب علينا الدنانير ولا يوجب الدراهم. وأعطاه ثلاثة دنانير.
عرض عبد الملك بن مروان الإسلام على الأخطل، فقال له الأخطل: إني امرؤ مشغوفٌ بالخمر، أفرأيت إن سلمت ثمّ شربتها؟ أتقرني وذلك؟! فقال له عبد الملك: لاأُحلُّ ما حرَّمه الله! فقال الأخطل: لاحاجة لي في دينك. فقال له عبد الملك: انعت لي مبلغ الطرب منك في الخمر ومبلغ لذّتك في شهواتك! فقال " من الطويل ":
إذا مانديمي علَّني ثمّ علَّني ثلاث زجاجاتٍ لُهنَّ هديرُ
خرجتُ أُجرُّ الذيلَ مني كأنني عليك أميرٍ المؤمنين أميرُ
فقال عبد الملك: فإنا لانكرهك على دين الله. فقال الأخطل " من الوافر ":
ولستُ بصائمٍ رمضانَ طوعًا ولستُ بآكل لحمَ الأضاحي
ولستُ بقائمٍ كالعير أدعو إلى الصلوات: حيَّ على الفلاحِ
ولستُ بزاجرٍ عيسًا بكورًا إلى بطحاء مكة للنجاحِ
ولكني سأشربها شمولًا وأسجد عند منبلج الصباحِ
خرج القاسم بن معن مع بعض أسباب الرشيد إلى الرقة، فمات برأس عين سنة خمس وسبعين ومائة.