هو أبو الحسن عليّ بن حمزة بن عبد الله بن بهمن بن فيروز مولى بني أسد. قيل له: لم سُميت الكسائيَّ؟ قال: لأني أحرمت في كساء. وهو إمام أهل الكوفة في النحو والقراءة، أستاذ الفراء وعليّ بن المبارك الأحمر، ورد بغداد وأدب محمّد بن الرشيد. قال الجاحظ: تعلّم الكسائي النحو بعد الكبر.
[ ١٠٤ ]
جاء أعرابيٌ إلى الكسائي فقال: ما (كوكبٌ دُرّيٌّ) ودريّ ودريُّ؟ قال: دُرّيٌّ يشبه الدُرَّ ودَرّيٌّ يلتمع ودرّي جادٍ. قال: أنت أعلم الناس! ومضى. - قيل لأبي عمر الدوري: لم صحبتم الكسائي؟ وفيه من المجانة والخلاعة والمجاهرة بشرب النبيذ ومداعبة الغلمان ومخالطتهم، مافيه؟! قال: لضبطه القراءة وعلمه بالعربية وصدقه الحديث.
قال الكسائي: أحضرني الرشيدُ في سنة اثنتين وثمانين ومائة - وهي السنة الثالثة عشرة من خلافته، فأخرج إليَّ محمَّدًا الأمين وعبد الله المأمون كأنهما بدران، فقال: امتحنهما بشء! فما سألتهما عن شيء إلا أحسنا الجواب فيه، فقال لي: كيف تراهما، ياعليُّ؟ فقلتُ " من الطويل ":
أرى قمري أفقٌ وفلاعي بشامةٍ يزينها عرق كريمٌ ومحتدُ
يسدانِ آفاق السماءِ بهمةٍ يؤيدها حزمٌ ورأيٌ مُسدَّدُ
سليلي أمير المؤمنين وحائزي مواريثِ ما أبقى النبيُّ محمَّدُ
حياةٌ وخصبٌ للوليِّ ورحمةٌ وجدبٌ لأعداء وعضبٌ مهنَّدُ
هذان، ياأمير المؤمنين، فرع رسا أصله، وطاب مغرسه، وتمكنت فروعه، وعذبت مشاربه، وأورق غصنه، وأينع ثمره، وزكا فرعه، أداهما ملك أغر نافذ الأمر واسع العلم عظيم الحلم، أعلاهما فعلوا، وسما بهما فسموا، فهما متطولان بطوله، ومستضيئان بنوره، وينطقان بلسانه، فأمتع اللهُ أمير المؤمنين بهما وبلغه الأمل فيهما! فقال الرشيد: تعهدهما! قال الكسائي: فكنتُ أختلفُ إليهما.
وكتب الكسائي إلى الرشيد وهو يؤدب محمدًا " من الكامل ":
قُلْ للخليفة ما تقولُ لمن أمسى إليك بحرمةٍ يُدلي
مازلتُ مذ صار الأمين معي عبدي يدي ومطيتي رجلي
وعلى فراشي من ينبهني من نومتي بقيامه قبلي
أسعى برجلٍ منه ثالثةٍ نقصت زيادنها من الرجل
فامنن عليَّ بما يسكنه عني وأهد الغمد للنصل
فضحك الرشيد وأمر له ببرذون بسرجه ولجامه وجارية حسناء بآلتها وخادم وعشرة آلاف درهم.
وقال الكسلئي للرشيد: ليس أحدٌ يلحن في الدنيا ولاشيء من كلام الناس إلا وله وجه صحيحٌ، لايعلمون ما يعنون. ثمّ إنه كان يومًا مع الرشيد في موكبه، فسمع الرشيد صاحب باقليّ يقول: المقلي المقلي! فدعا الكسائي فقال له: زعمت أنه ليس أحدٌ يلحن، فما معنى هذا المقلي؟ وإنما يريد: مَقُلَّوا! وقال: ياأمير المؤمنين، إنما يعني هذا أنّ الناس قد قلوه من القلى وهجروه ولكنه لايعلم.
دخل أبو يوسف الفقيه على الرشيد وعنده الكسائي يحدثه، فقال: ياأمير المؤمنين، قد سعد هذا الكوفيّ بك وشغلك. فقال الرشيد: النحو أستعين به على القرآن والشعر. فقال الكسائي: إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن له بجوابي عن مسألة من الفقه؟ فضحك الرشيد وقال: أبلغت - ياكسائي - إلى هذا، قل! فقال الكسائي: ماتقول في رجلٍ قال لامرأته: أنتٍ طالقٌ أن دخلت الدار؟ قال أبو يوسف: إذا دخلت طلقت. فقال الكسائي: أخطأت! إذا فتحت " ان " فقد وجب الأمر لأن " أن " بالفتح لما قد كان، وإذا كسرت فلم يقع بعد. فنظر أبو يوسف بعد ذلك في النحو.
وقال: اجتمعت أنا وأبو يوسف القاضي عند الرشيد، فجعل أبو يوسف يذم النحو ويقول: وماالنحو؟ فأردت أن أعلمه فضل النحو فقلت: ما تقول في رجلٍ قال لرجل: أنا قاتلُ غلامك! وقال آخر: أنا قاتلٌ غلامك! أيهما كنت تأخذ به؟ آخذهمت جميعًا! فقال الرشيد: أخطأت - وكان له علمٌ بالعربية - فاستحيي وقال: كيف ذلك؟ فقال: الذي يؤخذ بقتل الغلام هو الذي قال: أنا قاتلُ غلامك بالإضافة لأنه فعلٌ ماضس، وأما الذي قال: أنا قاتلٌ غلامك بالنصب فلا يؤخذ لأنه مستقبل لم يكن بعد، كما قال الله ﷿: (لاتقولنَّ لشيءٍ إني فاعلٌ ذلك غَدًا إلا أنْ يشاءَ اللهُ)، ولولا أن المنون مستقبل ماجاز فيه غدًا. فكان أبو يوسف بعد ذلك يمدح النحو والعربية.
سأل الرشيد عن بيت الراعي وفي المجلس الأصمعي والكسائي " من الكامل ":
قتلوا ابنَ عفّان الخليفة مُحرمًا ودعا فلم أرَ مثله مخذولًا
[ ١٠٥ ]
مامعنى محرما؟ فقال الكسائي: أحرم بالحج. وقال الأصمعي: ماكان أحرم بالحج ولاأراد الشاعر أنه أيضًا في شهر حرام، فيقال: أحرم الرجلُ إذا دخل فيه كما يقال: أشهر إذا دخل في الشهر وأعام إذا دخل في العام. فقال الكسائي: ماهو غيرُ هذا وماأراد ذلك؟! فقال الأصمعي: ماأراد عديُّ ابن زيد بقوله " من الرمل ":
قتلوا كسرى بليلٍ محرمًا فتولَّى لم يُمتَّعْ بكفنْ
أإحرام لكسرى؟! فقال الرشيد: فما المعنى؟ قال: كلُّ من لم يأت شيئًا يوجب عليه عقوبة فهو محرم، لايحلُّ منه شيءٌ. فقال الرشيد؟ ما تطاق في الشعر، ياأصمعي! وقال الكسائي: كنتُ داخلًا إلى الرشيد، فقام أهرابيٌّ فقال: أبا الحسن، أبلغ أمير المؤمنين ماأنشدك. قلت: هات! فأنشدني " من الطويل ":
ونحنُ أناسٌ لادراهمَ عندنا وللناس أخبازٌ وليس لنا خبزُ
فجمع الخبز وهو جنس،
ونحن أثافي القدر والأكل ستةٌ جراضمةٌ جُوفُ وأكلتنا اللبرُ
يريد أنهم في العدد ثلاثةٌ، وأكله أكل ستةٍ، والجراضمة الذين يأكلون جميع ماعلى المائدة، والجوف الذين لايشبعون أبدًا، والبز القفر من الأرض،
لنا أعْنُزٌ لبنٌ ثلاثٌ فبعضها لأولادنا ثنتنا وفي بيننا عنزُ
فحذف النون من ثنتا وأراد ثنتان، وخفض بيننا لأنه أدخل صفة على صفة، وقوله: (قُلْ كلٌّ مِن عند اللهِ) حجةٌ في إدخال صفة على صفة. قال الكسائي: فاستفدت في هذه الأبيات عدة مسائل.
لما دخل الكسائي البصرة جلس في حلقة يونس ينتظر خروجه، فسأله ابن أبي عيينة عن أولقٍ: هل ينصرف؟ فقال: أولق أفعلُ لاينصرف. فقال له ابن أبي عيينة: خطأٌ، والله! وخرج يونس فسئل عنه فقال: هو فَوْعَل وليس بأفعل لأن الهمزة فاءُ الفعْل، لأنك تقول: س أُلقَ الرجلُ فهو مألوق، فتثبتُ الهمزة وكذلك أرنب ينصرف فَعْلَلُ لأنك تقول: أرضُ مُؤَرْنَبةٌ، فتثبتُ الهمزة. وقال: المألوق المجنون.
قال الأمصعي: كان الكسائي يأخذ اللغة عن أعراب الحطمة كانوا ينزلون قُطْرُبُّل وغيرها من سواد قرى بغداد. قال: فلمَّا ناظر الكسائي سيبويه استشهد بكلامهم واحتج بهم وبلغتهم على سيبويه. فقال اليزيدي في ذلك " من السريع ":
كُنَّا نقيسُ النحو فيما مضى على لسان العرب الأولُ
فجاءما قوم يقيسونه على لُغى أشياخ قُطْرُبُّلِ
فكُلُهم يعملً في نقض ما به يصاب الحقُ لا يأتلي
إنّ الكسائي وأصحابه يرقون في النحو إلى أسفلِ
ولأبي نصر أحمد بن حاتم صاحب الأصمعي " من الرمل ":
أفسد النحو الكسائي وثنى ابن غزاله
وأرى الأحمر تيسًا فاعلفوا التيس النخاله
قال أبو زبد: قدم سيبويه على البرامكة، فجمع يحيى بينه وبين الكسائي، فلمّأ حضر أقبل على سيبويه فقال: تسألني أو أسألك؟ قال: لابل سلني أنت! فقال له الكسائي: قد كنتُ أُظنُّ أنّ العقرب أشد لسعةً من الزنبور، فإذا هو هي أو فإذا هو إياها؟ فقال سيبويه: فإذا هو هي! ولايجوز النصب! فقال له الكسائي: لحنت! ثمّ سأله مسائل من هذا النوع، قال: خرجت فإذا عبد الله القائمَ أو القائمُ؟ فقال سيبويه في ذلك كله بالرفع دون النصب. فقال الكسائي: ليس هذا كلام العرب. فقال لهما يحيى: قد أختلفتما وأنتما رئيسا بلديكما، فمن ذا يحكم بينكما؟ فقال الكسائي: هذه العرب ببابك، قد جمعتهم من كل أوب، ووفدت عليك من كل صقع، وهم فصحاء الناس، وقد قنع بهم أهل المصرين. فأمر بإحضارهم وفيهم أبو فقعس وأبو دثار وأبو الجراح وأبو ثروان، فسئلوا عن المسائل، فتابعوا الكسائيَّ وقالوا بقوله. ثمّ قال الكسائيّ ليحيى: أصلح اللهُ الوزير وفد عليك من بلده مؤملا، فإن رأيت أن لاترده خائبًا؟ فأمر له بعشرة آلاف درهم. فخرج وصير وجهه إلى فارس ولم يعد إلى البصرة. - قال ثعلب: إنما أدخل سيبويه العماد في قوله: فإذا هو إياها لأن " فإذا " مفاجأة، أي فوجدته ورأيته، ووجدت ورأيت ينصب لشيئين ويكون معه خبر، فلذلك نصبت العرب.
قال الكسائي: غطيت الشء وغطيته، وأنشد " من الخفيف ":
رُبَّ حِلمٍ أضاعه عدم الما ل وجهلٍ غطى عليه النعيم
[ ١٠٦ ]
وقال الكسائي: الأطعمة التي يدعها إليها: الوليمة وهي في العرس، والمأدبة وهي في العرس وغيره، والإعذار وهي طعام الختان خاصة، والخرس الطعام على ودلاة المرأة خاصة يدعى إليها الرجال، والتوكير طعام يجعله المرء إذا فرغ من بناء داره أو بيته، قالوا: وكر لنا! والخرسة ما يصنع للمرأة عند ولادتها نصيبها من الحلبة، والحشيشة مخلوطة بتمر فتحساه المرأة في نفاسها، والنقيعة إذا قدم الرجل من سفر، قالوا: أنقع لنا! فينحر لهم، وهي تسمى نقيعة القُدام من الأسفار قال فيها مهلهل " من الكامل ":
إنا لنضربُ بالسيوفِ رؤوسهم ضرب القدار نقيعة القدام
وقال أبو الجراح يمدح الكسائي " من الطويل ":
ضحوك إذا زُفَّ الخوان وزروه يُحيَّى بأهلًا مرحبًا ثمّ يجلس
أبا حسنٍ ما جئتكم قطُّ مطفئًا لظى الشوق إلا والزجاجة تقلس
قال يعقوب: يريد تمتلئ حتى تفيض.
وحكي عنه أنه أقام غلامًا ممن عنده في الكتَّاب وقام إليه يفسق به، فجاء بعض الكتَّاب ليسلم عليه، فرآه الكسائي ولم يره الغلام، فجلس الكسائي في مكانه وبقي الغلام قائمًا، فقال الرجل: مابالُ هذا الغلام قائمًا؟ فقال الكسائي: وقع الفعل عليه فأنتصب.
قال الكسائيُ: حكى لي أبو إسحاق الفزاري أنّ أسماء بن خارجة الفزاريَّ دخل على عبد الملك بن مروان، فقال له: ياأسماء، إنه ليبلغني أشياء حسانٌ فأخبرني بهن! فقال: ياأمير المؤمنين، يخبرك بذلك غيري فهو أحسن! قال: أقسمت عليك لتجيرني! قال: ماقدمت رجلي بين يدي جليس قطُّ مخافة الاستطالة عليه ولا دعوت أحدًا إلى طعام فأجابني إلا رأبت له الفضل عليَّ ماعاش وعشت، وماأتاني أحدٌ في حاجةِ فرأيت شيئًا من عرض الدنيا له مكافأة ببذل وجهه إليَّ. فقال عبد الملك: والله ما ألوم قومك حيث يسودونك. قال سليمان بن عبد الملك: يا امير المؤمنين، هل بلغك ما صنع؟! ال: وما صنع؟ فقال: اتاه الفرزدق في دية، فأعطاه اياها، ثم اقسم على بنيه أن يعطوه كما اعطاه، فخرج الفرزدق من عنده بخمس ديات، قال فهل قال فيه شيئًا. قال: نعم. قال: وما قال قال: قال:
إاذا فقد ابن خارجة بن حصن فلا مطرت على الار السماء
ولا قدم البشير بغنم وفد ولا حملت على الطهر النساء
فيوم منك خير من رجال كثير عندهم نعم وشاء
فبورك في بنيك وفي ابيهم إذا ذكروا ونحن لك الفداء
قال الكسائي: رأيت أعرابيًا يتوضأ للصلاة في غداة باردة، فلما أتموضوءه قلت له: إن هذا لا يجزيك! فقال لي: إن المطالب كريم! ثم صلى قاعدًا وقال:
اليك اعتذاري من صلاتي قاعدًا على غير طهر مؤمنا نحو قبلتي
فوجهي لا يقوى على الماء بكرة ورجلاي لا تقوى على ثني ركبتي
ولكنني احصيه يا رب جاهدًا واقضيكه إن عشت في وجه صيفتي
توفي الكسائي بالري بقرية منها، يقال لها: رنبويه، هو ومحمد بن الحسن في يوم واحد، وصلى عليهما الرشيد وقال: دفنت اليوم الفقه والنحو بالري. وذلك في سنة تسع وثمانين ومائة. ورثاهما اليزيدي بقصيدته التي اولها:
أسيت على قاضي القضاة محمد فأذريت دمعي والفؤاد عميد
فقال له الرشيد: يا يزيدي، لئن كنت تسئ بالكسائي في حياته لقد أحسنت بعد موته.