كنيته ابو عبد الرحمن، كان من علماء الناس بالشعر رواية قال: حدثني ابو جعفر المنصور قال: حدثني ابو جعفر المنصور قال: حدثني ابي محمد بن علي بن عبد الله بن العباس قال: حججنا زمن عبد الملك بن مروان ومعنا رجل من كلب ومعه بنت عم له جزلة عاقلة. قال: رآها عمر بن ابي ربيعة فجلس اليها في الطريق فقال: يا هذه غنه قد خامر قلبي منك شر! فسكتت، فعاد فسكتت، فعاد فقالت: يا هذا إن الحر لا يصنع ما صتنع! أتحب ان ينال هذا من اختك او امراتك؟! فقال لمولى له: اما إذ تكلمت فقد ظفرت بها. فقالت لابن عمها: أحب ان اروح معك الى المسجد. قال ولم؟ قالت: اتوكأ عليك فقد شق علي المشي. قال: فخرج وخرجت معه متوكئة عليه. قال: وعمر جالس في الطريق، فلما رآها وثب وولى، فقالت: ايها الرجل على رسلك مكانك وانشدت:
تغدو الذئاب على من لا كلاب له وتثقي مربض المستأسد الحامي
قال الهيثم: قال لي يومًا المهدي: ويحك إن الناس يخبرون عن الاعراب بسخاء ولوم، وقد اختلفوا في ذلك، فما عندك؟ فقلت: على الخبير سقطت! أخبرني ابي قال: خرجت اريد ديار قرابة لي، ومعي بعير عليه زادي وناقة اركبها، فبينا انا اسير إذ ند البعير فذهب، فجعلت اتبه اثره حتى امسيت، فنظرت فأذا خيمة اعرابي، فأتيتها، فقالت ربة الخباء، من انت؟ قلت: ضيف. قالت: وما يصنع الضيف عندنا؟ ان الصحراء لواسعة! قال: ثمقامت الى بر فطحنته، ثم اعتجنت وخبزت، ثم قعدت وأكلت، ولم البث ان جاء زوجها معه لبن فسلم، ثم قال: من الرجل؟ فقلت: ضيف.
[ ١٠٨ ]
قال: حياك الله! ثم قال: يا فلانة اطعمت ضيفك شيئًا؟ قالت: نعم. فدخل الخباء فملأ قعبًا من لبن، ثم اتاني به وقال: اشرب! فشربت شربًاهنيئًا، فقال: ما اراك اكلت شيئًا وما اراها اطعمتك. فقلت لا والله. فدخل اليها مغضبًا فقال: ويلك أكلت وتركت ضيفك! فقالت: وما اصنعبه، اطعمه طعامي؟! وجاراها في الكلام حتى شجها، ثم اخذ شفؤة وخرج الى ناقتي فنحرها، فقلت: وما صنعت؟ عافاك الله! قال: والله لا يبيت ضيفي جائعا. ثم جمع حطبًا وأجج نارا واقبل يكبب ويطعمني ويأكل ويلقي إليها ويقول: كلي لا اطعمك الله حتى اصبح. ذهب وتركني، فقعدت مغمومًا، فلما تعالى النهار أقبل ومعه بعير ما يسأم الناظر إن ينظر اليه، فقال لي: هذا مكان ناقتك! ثم زودني من ذلك اللحم ومما حضره، وخرجت من عنده. فضمني الليل الى خباء، فسلمت، فردت صاحبة الخباء. وقالت: من الرجل: فقلت: ضيف. فقالت: مرحبًا بك، حياك الله، انزل، عافاك الله! فنزلت، فعمدت الى بر فطحنته ثم اعتجنت ثم خبزت خبزة روتها بالزبد واللن، ثم وضعتها بين يدي وقالت: كل واعذر! فلم البث ان اقبل اعرابي كريه الوجه فسلم، فرددت. فقال: من الرجل؟ فقلت: ضيف. فقال: ما يصنع الضيف عندنا؟ ثم دخل الى اهله فقال: اين طعامي.؟!. فقالت اطعمته الضيف. فقال: اتطعمين طعامي الضياف؟! فتجاريا الكلام، فرفع عصاه فضرب بها رأسها فشجها. قال: فجعلت اضحك، فقال: ما يضحكك؟ فقلت: خبر. فقال: شد لتخبرني! فأخبرته بقصة المرأة والرجل اللذين نزلت عليهما قبله، فأقبل علي وقال: إن التي عندي والله اخت ذلك الرجل، وتلك التي عنده اختي، فبت متعجبًا، ثمانصرفت.
دخل مروان بن ابي حفصة على ابي يوسف القاضي وعنده الهيثم بن عدي وعاصم الغساني، فسأل حاجة، فلم يقضها له، فخرج وهو يقول: " من الرجز ":
هذا لعمري مجلسٌ دنيءُّ ثلاثةٌ كُلُهمُ دعيُّ
فبلغ ذلك الهيثم فقال " من الرجز ":
مروانُ عِلجٌ ليس بالقويِّ ولا بمرضيٍ ولا زكيِّ
وقال أبو الهول الحميري فيه، وقيل: لبي نواس " من البسيط ":
الحمدُ للهِ هذا أعجبُ العجبِ الهيثمُ بن عديِ بُحترٌ عربي
إن كان من طلب الأنسابَ من كُتُبٍ حتى تُحوله نبعًا عن الغربِ
فهؤلاءِ الكيميائيون ما لهم ممَّا يقلاقون طول الدهرِ في تعبِ
هيهات هيهات قد طال العناءُ بهم لم يخلقوا ذهبًا إلا من الذهب
والهيثم بن عُديِ من تنقلَهِ في كل يوم له رَحْلٌ على قتب
فما يزال أخا حلٍ ومرتحلٍ إلى الموالي وأحيانًا إلى العرب
منها:
للهِ أنت فما قُربى تَهُمُّ بها إلا اجليت لها الأنسابَ من كثبِ
وحضر أبو نواس مجلسه، فقصر في حقه لم يحتشمه، فقال " من الوافر ":
أتيتُ الهيثمّ بن عديِّ أرجو العلومَ وكنتُ أمحضهُ الصفاء
فأعرض هيثمٌ لمَّا رآني كأني قد هجوت الأدعياءَ
وقال الهيثم: لمَّا ولي عبد الله بن شبرمة القضاء ركب لحاجة، فلمَّا أراد النزول عن البغلة وثبت فرمت به، فدخلنا عليه نعوده، وجاء رجلٌ يُكنى أبا المثنى سليطيٌّ، فلمَّا رآه ابن شبرمة قال: مرحبًا ارتفع! فرفعه معه على السرير، فأنشأ أبو المثنى يقول " من المتقارب ":
أقولُ غداة أتاني الخبرث فدسَّ أحاديثه هيثمهُ
لك الويلُ من مخبرِ ماتقول أبن لي وعدٍ عن الجمجمه
فقال: خرجت وقاضي القضا ة منفكةٌ رجله مؤلمهُ
فغزوان حُرّق وأُمُّ الوليدِ إن اللهُ عافى أبا شُبرمَهْ
جزاء لمعروفه عندنا وما عتقُ عبدٍ له أو أَمَهْ
[ ١٠٩ ]
قال الهيثم: فما زلتُ من غزوان وأُمّ الوليد في عجبٍ وهو جاري جارُ الجنب، فما أعرف له عبدًا ولاأمة، فلمَّا خرج أخذت بيده فقلت: ياأبا المثنَّى، من غزوان وأم الوليد؟ فواللهِ ما عرفتها لك قبل ساعتيّ فقال: استر عليَّ، هما سنَّوران في بيتي! قال الهيثم: قال لي: اشعب، ياأبا عبد الرحمان! لقد أحرزت في يدي اثني عشر ألف دينار. قلتُ: فأتقِ اللهَ ولا تسأل الناس! فقال: ويحك إني قد أحكمت المسألة إحكامًا، أكره أن أُضيعها فقد حذقتها.
وقال: أولُ من ضرب الدراهم المدوَّرة عبد الله بن الزبير، وكتب على أحد الوجهين: " محمدٌ رسول الله "، وعلى الوجه الآخر: " أمر اللهُ بالعدل والوفاء ". فلمَّا قتله الحجَّاج أمر بدراهمه فقطعت، وكتب إلى الأمصار أن اضربوا هذه الدراهم التي عليها " هو هو اللهُ أحد ". وكان على بيت المال رجلٌ من طيء يقال له سُميرٌ، فأمره وأعطى الناس، فجعلوا يقولون: دراهمُ سُميريّةٌ! فلذلك سُميت.
وقيل للهيثم: لم كره الناس البناء في شوال؟ فقال: مات فيه في الطاعون الجارف بضعة عشر ألف عروسٍ، فتطيَّر الناسُ منه.
توفيَ الهيثم بن عدي بفمٍ الصلح غُرة المحرَّم سنة سبع ومائتين.