هو أبو يحيى محمد بن عبد الأعلى بن كناسة الأسدي من بني نصر بن قُعين، من شعراء الكوفة وعلمائهم الرواة للحديث والأخبار والشعر، وقيل: هو أبو يحيى محمَّد بن عبد الله بن كُناسة بن عبد الأعلى بن عبد الله ابن خليفة بن زهير بن نضلة بن أنيف بن مازن بن كعب بن رويبة بن أسامة بن نصر بن قعين، كذا هو في هذا النسب والصحيح أن كناسة هو عبد اللهُ أبو محمد كُناسة. - ويقال إنَّ أُمَّه رأت وهي حامل به كأنها وجدت في كناسة سوارًا، ويقال: كان آخر أولادها كأنه كناسة بطنها.
مات له ولدٌ اسمه يحيى، فقال فيه " من الطويل ":
تفاءلتُ لو يغني التفاؤلُ باسمهِ وما خلت فألًا قبل ذاك يفيلُ
فسميَّته يحيى ليحيى ولم يكن إلى قدر الرحمان فيه سبيلُ
قال محمد بن سعد: ابنُ كُناسة الأسدي من أنفسهم، وهو ابن أخت إبراهيم بن أدهم الزاهد. روى عن الأعمش وهشام بن عروة، وكان عالمًا بالعربية وأيامِ الناس والشعر. - قال يحيى بن معين: هو ثقةٌ. - وقال ابن المديني: هو ثقة صدوق.
مرّ ابنُ كناسة وبيده بطنُ شاةٍ يحمله، فقال له رجلٌ: ياأبا يحيى، إليَّ أحمل عنك! فقال: لا " من الرجز ":
ما نقصَ الكاملَ من كمالهِ ما جَرَّ من نفعٍ إلى عيالهِ
قال إسحاق بن إبراهيم الموصليّ: كنتُ عند ابن كناسة يومًا في شهر رمضان، فاشتد الحرُ والعطش، فشكوت إليه ذلك، فأنشد " من البسيط ":
بين العشاء وبين العصر منزلةٌ يكادُ يذبحُ فيها الصائمَ العطشُ
قال يحيى بن معين: سمعتُ محمّد بن كناسة ينشد لنفسه " من المنسرح ":
فيَّ انقباضٌ وحشمةٌ فإذا جالستُ أهلَ الوفاء والكرمِ
أرسلتُ نفسي على سجيتها وقلت: ماشئت غير مُحتشمِ
قال: قدم إبراهيم بن أدهم الكوفة، فبعثتني أمي إليه بهديَّة، فقبلها ولمَّا مات رثاه محمد فقال " من الطويل ":
رأيتك لايكفيك مادونه الغنى وقد كان يكفي دون ذاك ابن أدهْما
تخلَّى من الدنيا وكان بمنظرٍ ومسمتعٍ منها أنيقٍ وأنعما
وكان يرى الدنيا صغيرًا كبيرها وكان لحق الله فيها معظما
وللحلم سلطانٌ على الجهل عنده فما يستطيع الجهلُ أن يترمرما
وأكثر ما يُلقى على القوم صامتا فإن قال بذَّ القائلين وأحكما
يُرى مستكينًا خاشعًا متواضعًا وليثًا إذا لاقى الكريهةَ ضيغما
وقال الموصليُّ: أنشد ابن كناسة " من المنسرح ":
أبعطت من يومك الفرار فما جاوزت حتى انتهى بك القدرُ
أبعطت بمعنى أبعدت، أراد: أسرفت في التباعد،
لو كان ينجي من الردى حذرٌ نجَّاك ممَّا أصابك الحذَرُ
يرحمك اللهُ من أخي ثقةٍ لم يك في صفو ودهِ كدرُ
فهكذا يفسدُ الزمانُ ويفنى العلمُ منهُ ويدرسُ الأثرُ
[ ١١٠ ]
أخذ هذا المعنى من كلام عبد الله بن العباَّس وقد دُلي زيد بن ثابتٍ في قبره، قال: من سرَّه أن يرى كيف ذهاب العلم فكذا ذهابه. وقيل: إنه في 'سماعيل بن زيد بن حماد.
وقال: كانت العرب تُسمي ليالي الشهر عشرة أسماء، لكلّ ثلاثٍ منها اسمٌ، فالثلاثُ الأولُ الغُرر وذلك أن أول كلّ شيءٍ غُرته، ثمّ النفلُ ومعنى النُفل أنّ العرب كانت تصوم الغرر كأنها وظيفة عليها والنفل شبه النافلة، ثمّ الدرع ومعنى الدرع أنّ الأرض قد لبسها القَمَرُ، ثمّ العُشر لقولك عشرة إحدى عشرة اثنتي عشرة، ثمّ البيض فإنها من أول الليل إلى آخره قَمَرٌ، ثمّ الظُلّم، ثمّ الحندس أشدُ ظلمةً من الظُلم، والدآدي والمُحاق، فادآدئ كأنه وقع في القمر الداءُ فهو يذهب، والمُحاق آخر الشهر إذا وقع فيه المحاق، والعاشرة - أي تمام الثلاثين - الفلتة ومعناها أن ليس كلُّ شهر يتمُّ فإذا أتمّ سمَّوه الفلتة.
وقال محمّد بن كناسة " من الطويل ":
تعلمْ فليس المرءُ يُخلقُ عالمًا وليس أخو علمٍ كمن هو جاهلُ
وإنّ كبير القوم لاعلمَ عنده صغيرٌ إذا ألتفَّتْ عليه المحافلُ
وقال رحمه الله تعالى " من الطويل ":
وما أنا فيما أُخرجتُ داخلٌ ولا أنا عمَّا حيزَ دوني بسائلِ
إذا المرءُ يومًا أغلق الباب مُرتجًا ليستر أمرًا كنتُ كالمتغافلِ
وأُعرضُ حتى يحسبَ المرءُ أننيّ جهلتُ الذي يأتي ولستُ بجاهلِ
وإني لأغضي عن أمورٍ كثيرةٍ وفي دونها قطعُ الحبيبِ المواصلِ
حفاظًا وضنًا بالإخاء وعقدةً إذا ضيَّع الإخوان عقد الحبائلِ
وقال " من الكامل ":
أسدٌ على أعدائه ما إن يلينُ ولايهونُ
فإذا تمكنَّ منهمُ فهناكَ أحلمُ ما يكون
وقال: العسبار ولدُ الضبع من الذئب والسمع ولدُ الذئب من الضبع. - ومن بارع شعره " من الطويل ":
على حين أن شابت لداتي ولم أشبْ فمنها لحىً مبيضةٌ وقرونُ
وناصيتُ رأس الأربعين فأقبلت قساوةُ جِنيِّ الشبابِ تلينُ
إذا ما أراد الله أمرًا فإنما يقول له: كُن! قولةً فيكونُ
ويعني الفتى بالأمر ما لم يكن من الله في الدنيا عليه مُعينُ
وقال " من الرمل ":
حسدوا النعمةَ لمَّا ظهرتْ فرموها بأباطيلِ الكَلِمْ
وإذا ما اللهُ أسدى نعمةً لم يضرْها قولُ حُسَّاد النعمْ
وقال " من الوافر ":
ومن قرأ الكتاب فأدبته من الفرقان آي محكماتُ
وجالس عليه العلماء حتى وعى ماثور قولهم فماتوا
وطالبَ سائر الآداب حتى تقصر عن مبالغة الصفاتِ
روى فوعى وقال فساعدته ينابيعُ الكلامِ المعجباتُ
فإن يك بعدُ مثقيًا تكاملْ له المتخيَّرات الصالحات
وإلا فهو مأفونٌ شقيٌّ بما سعدت به قبل النجاةُ
وقال ابن عبَّاس في قوله: (وإذ ابْتلَى إبراهيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فأتمَّهُنَّ)، قال: خمسٌ في الرأس وخمس في الجسد، فأما اللواتي في الرأس فالمضمضمة والاستنشاق وقصُّ الشارب والفرْق والسواك، وأما اللواتي في الجسد فالختان والاستنجاء والاستحداد ونتف الإبط وقص الاظافر.
توفيّ ابن كناسة ﵀ في شوال من سنة سبع ومائتين وهو ابن أربع وثمانين سنة.