هو أبو عبد الله محمّد بن زياد الأعرابيّ، وكان زيادٌ أبوه عبدًا سنديًا مملوكًا لسليمان بن مجالد، وكان سليمان من أهل بلخ، وقيل: مولى العبَّاس بن محمد. وكان أحول أعرج، وكان مؤدبًا ناسبًا عالمًا بالشعر واللغة نحويًَّا كثير السماع من المفضّل راوية لشعر القبائل. وكان المفضل الضبيَّ زوج أمّ ابن الأعرابيّ.
قال ابن الأعرابيّ: ولدتُ ليلةُ توفي أبو حنيفة لإحدى عشرة ليلةً خلت من جمادى الأولى سنة خمسين ومائة. ومات لأربع عشرة ليلة خلت من شعبان سنة إحدى وثلاثين ومائتين، وكان عمره إحدى وثمانين سنةً وثلاثة أشهر وثلاثة أيام.
وغُنّي الأخطل في مجلس الواثق " من البسيط ":
وشاربٍ مُربْحٍ بالكأسِ نادمني لا بالحصور ولا فيها بسَّوارِ
فقيل: سأ ار. فوجه إلى الأعرابي، فقالك بسَّوار! يريد: بوثاب يثبُ على ندمائه، وسأ ارٌ أي لايفضل في القدح سُؤرًا، وقد رويا جميعًا. فأمر له بعشرة آلاف درهم.
وقال: أمَّا أشعار هؤلاء المحدثين - مثل أبي نواس وغيره - بمنزلةِ الريحان يُشم يومًا ويذوي فيرى على المزبلة، وأشعار القدماء مثلُ المسك والعبير كلما حركته ازداد طيبًا. س وقال: بيتُ عبدةَ بن الطبيب ما له ثانٍ في جاهلية ولا إسلام، قائمٌ بنفسه، وهو " من الطويل ":
فما كان قيسٌ هُلْكهُ هُلْك واحدٍ ولكنه بنيان قومٍ تهدَّما
وقال: أحسنُ ما قيل في صفة المشي قولُ ابن مُقبل " من الطويل ":
مَشَيْنَ كما اهتزَّتْ غصونٌ تسفهَّت أعاليها مَرُّ الرياحِ النواسيمِ
قال: وأحسن ما وصفت به الرماح " من الكامل ":
وبكلَّ عرّاص المهزَّةِ مارنٍ فيه سنانٌ مثلُ ضوء الفرقدِ
سُمْرُ موران من رماح درينةٍ زرقُ الظباتِ يقين سُمَّ الأسودِ
قال: وأهجأ بيت قالته العرب " من الطويل ":
وقد علمتْ عرساك أنك آئبٌ تُخبرهم عن جيشهم كُلَّ مربعِ
أخبر أنّ من عاداته أن ينهزم فيتحدَّث بخبر جيشه. - وقال: أشعرُ ما قيل في شدة الحر قولُ القُطامي " من البسيط ":
فهُنَّ مُعترضاتٌ والحصى رمضٌ والريحُ ساكنةٌ والظلُ معتدلُ
حتى وَردْنَ ركيَّاِ الغويرِ وقد كاد المُلاء من الكتان يشتعلُ
وبيتُ جرير بن الخطفى " من الطويل ":
أنِخْنَ لتغويرٍ وقدْ وقَدَ الحصى وذابَ لُعابُ الشمس فوق الجماجمِ
وقال أبو عمرو بن العلاء: أحسن الهجاء ما تنشده العذراء في خدرها لايقبح، مثلُ قول بن حجر " من الطويل ":
إذا ناقةٌ شُدَّتْ برحلٍ وتمرقٍ إلى حَكم يُعدي فضَلَّ ضلالها
كأني حلوت الشعر حين مدحته صفا صخرةٍ صمَّاء صلدٍ بلالها
قال ابن ألعرابيّ: يعجبني من الهجاء قولُ جرير " من الكامل ":
وَلَوَ أنَّ تغلب جمعَّتْ أحسابها يومَ التفاضلِ لم تزنْ مثقالا
عرض رجلٌ على ابن ألعرابي قول جرير " من الكامل ":
إنّ الذين غدوا بلبلك غادروا وشلا بعينك ما يزالُ معينا
غيَّضْن من عبراتهنَّ وقلنَّ لي ماذا لقيت من الهوى ولقينا
ولقد تسقطني الوشاةُ فصادفوا حصرًا بسرك ياأمامَ ضنينا
فقال ابن الأعرابيّ: هذا نسيبٌ يستحقُّ أن تشقَّ له الجُيوبُ. - قال: وهذا من طُرز الشعر، وأنشد " من الطويل ":
أُحِبُّكمُ، ياميَّ، حُبَّين منهما قديمٌ وحُبذُ حين شبَّتْ شبائبُه
إذا اجتمعا قال القديمُ: غلبته وقال الذي من بعده: أنا غالبهْ
فإن أستطعْ أغلبْ وإن يغلبِ الهوى فمثلُ الذي لاقيتُ يُغلبُ صاحبهْ
قال: وكان يتعجب من قول بَشَّار في الليل " من الطويل ":
خَليليَّ ما بالُ الدُجى لاتزحزحُ وما بالُ ضوءِ الصُبح لا يتوضَّحُ
[ ١١٢ ]
أضلَّ الصباحُ المستنيرُ طريقهُ أم الدَهْرُ ليلٌ كُلُه ليس يبرحُ
أُظنُّ الدجى طالت وما طالت الدجى ولكن أطال الليلَ هَمٌّ مُبرحُ
وكان ابن الأعرابي يستملح هذين البيتين وقال: هذا وإن لم يكن من جيد الشعر ولا في طريقته فقد ذهب به صاحبه مذهبًا مليحًا! وهو في خلال روايته يستملحه " من السريع ":
تحرَّك الهجرُ فقال الهوى ما هذه الضوضاء في عسكري
فجيءَ بالهجر يُجرونه فلم يزل يصفعُ حتى خري
قال: وأحسن ما قيل في الخمر قولُ أبي نواس " من المنسرح ":
لاينزلُ الليلُ حيثُ حلَّتْ فدهرُ شرابها نهارُ
فهيَ إذا استودعتْ سرارًا لم يخف في ضوئها السرار
وقوله " من الطويل ":
إذا ما حساها شاربُ القومِ خلته يُقبلُ في داجٍ من الليلِ كوكبًا
وقال: أنشدوني بيتًا لأبي نواس أوله أكثم بن صيفي في أصالة الرأي وآخره ابن ماسويه في الطب! قالوا: مانعرفه. قال: قوله " من البسيط ":
دَعْ عنك لومي فإن اللوم إغراءُ ودواني بالتي كانت هي الداءُ
ولكن هذا معنى قول الأعشى " من المتقارب ":
وكأسٍ شربتُ على لذةٍ وأُخرى تداويتُ منها بها
قيل: إن السبب في طعن ابن الأعرابيّ على الأصمعي وقدحه ونسبته إلى الكذب أن الأصمعي دخل على سعيد بن سلم وابن الأعرابي يؤدب ولده، فقال لبعضهم: أنشد أبا سعيد! فأنشد لرجلٍ من بني كلاب شعرًا رواه إياه ابن الأعرابي وهو " من الطويل ":
رأت نضو أسفارٍ أميمةُ قاعدًاس على نضوٍ أسفارٍ فجُنَّ جُنونها
فقالت: من أي الناس أنت ومن تكن فإنك راعي صرمة لاتزينها
فقلت لها: ليس الشحوب على الفتى بعارٍ ولا خيرُ الرجال سمينها
عليك براعي ثلَّةٍ مسلحبةٍ يروح عليه محضها وحقينها
سمينُ الضواحي لم تؤرقه ليلةٌ وأنْعَمَ أبكارُ الهمومِ وعونها
ورفع " ليلة " فقال له الأصمعي: من روّاك هذا؟ قال: مؤدبي. وأحضره واستنشده البيت، فأنشده ورفع " ليلة "، فأخذ ذلك عليه وفسر البيت فقال: إنما أراد: " لم تؤرقه ليلةً أبكارُ الهُموم وعُونها " - جمع عوانٍ، " وأنعم " أي زاد على هذه الصفة، " سمين الضواحي " يريد: ماظهر منها وبدا سمينٌ، " ليلةً " ينصب على الظرف، " وانعم " أي بولغ له في ذلك كما جاء في الحديث: زإنّ أبا بكر وعمر منهم وأنعما! أي زادا وبولغ في ذلك لهما، من قولهم: دققتُ الشيء دقًا نعمًا ودقًا ناعمًا. ثمَ قال الأصمعي لابن سلمٍ: من لم يحسن هذا المقدار فليس موضعًا لتأديب ولدك، فنحه! وقدم عليه قادمٌ من سُرَّ من رأى، فأخبره بنكبة سليمان بن وهب وأحمد ابن الخصيب في أيام الواثق فأنشده " من الرمل ":
رُبَّ قومٍ رفعوا في نعمةٍ زمنًا والعيشُ ريَّانُ غدقْ
سكتَ الدهرُ زمانًا عنهمُ ثمَّ أبكاهم دمًا حين نطقْ
وقال لابن الربعة الكلبي دليل آل المُهلَّب حيث هربوا من الحجَّاج إلى الشأم إلى سليمان بن عبد الملك " من الطويل ":
وقمٌ هُمْ كانوا الملوك هديتهم بظلماء لايسري بها ضوءُ كوكبِ
ولا قَمرٌ إلا صغيرًا كأنه سوارٌ حناه صانعُ السور مذهبِ
نفرُّ فرار الشمس ممَّنْ وراءنا وننجو بجلباب من الليل غيهبِ
فإلاَّ تُصبحْ بعد خمس ركابُنا سليمان من بعد الملا تتأوبِ
قوله " نفر فرار الشمس " يقول: نذهب إلى المغرب حيث تغيب الشمس.
آخر أخبار الكوفيين، الحمد لله وحده وصواته على محمد وآله وصحبه