شهد عصر التنبكتي في بيئته التكرورية والمغربية اهتمامًا خاصًّا بالعلوم الشرعية، وعناية بالغة بجمع الكتب، ففي تنبكتو مكان ميلاد أحمد بابا وموطن تعليمه نجد إقبالًا عظيمًا على جمع المخطوطات، يفهم من قوله في كفاية المحتاج: "وأنا أقل عشيرتي كتبًا نهب لي ألف وستمائة مجلد" (٤).
ومهما يكن في قوله من مبالغة أو مطابقة فإن في وصف افريقيا للوزان المتوفى سنة ٩٥٧ هـ ما يؤازره، حيث جاء فيه عن تنبكتو ما نصه: "إن المخطوطات الكثيرة من بلاد (المغاربة) كانت تباع وتدر على أصحابها أرباحًا تفوق أرباح سائر البضائع (٥) فإذا عرفنا أن عشيرة المؤلف من وجوه البلاد وعلمائها وقضاتها ترجح صدق ما ذكره المؤلف عن كثرة كتبهم. قال السلاوي: "وتوارثوا رئاسة العلم مدة طويلة تقرب من مائتي سنة وكانوا من أهل اليسار والسؤدد والدين" (٦). فالمظنون إذن أن تكون أنفس وأغلب الكتب
_________________
(١) الاستقصا ٦/ ٨.
(٢) صفوة من انتشر ٥٢ والأعلام بمن حل بمراكش ٢/ ٣٠٦. ونشر المثاني ١/ ١٥١ ودائرة المعارف الإسلامية ط ١.
(٣) خلاصة الأثر ١/ ١٧٢، وشجرة النور الزكية ١٩٩.
(٤) وانظر النص في بذل المناصحة والاستقصا ٥/ ١٣٠ وشجرة النور الزكية ٢٩٩ ونشر المثاني ج ١ ص ٢٧٤.
(٥) وصف افريقيا ص ١٦٧.
(٦) الاستقصا ج ٥ ص ١٢٩.
[ ١٧ ]
التي أشار إليها الوزان المتوفى قبل ولادة المترجم له بست سنوات، قد استقرت في خزائنهم.
وفي البيئة المغربية صادفت وجود الرجل هناك فترة مزدهرة من حياة الدولة السعدية، إذ تزامن وجوده مع عصر المنصور الذهبي ٩٨٦ هـ - ١٠١٢ هـ وهو العصر الذي حظي من المنصور بدعم خاص للجهود العلمية، وتنافس العلماء أثناءه في التأليف، حتى ألفت برسم خزانته مئات الكتب وألفت عن حياته كتب منها: "المنتقى المقصور" لابن القاضي، و"المدود والمقصور" لابن عيسى، و"مناهل الصفا" للفشتالي (١).
وقد جاء التنبكتي إلى هذه البيئة وعمره يناهز الأربعين سنة فأسهم فيها بالتأليف والتعليم والإفتاء كما تقدم، وكان أستاذًا لجماعة من علمائها المشاهير من أمثال ابن القاضي صاحب "جذوة الاقتباس" (٢) ومحمد بن يعقوب صاحب فهرسة أشاد فيها بفهم التنبكتي وحسن تصنيفه (٣)، وأحمد المقري صاحب روضة الآس (٤) والقاضي أبو النعيم الغساني والمفتي الشيخ الرجراجي وغيرهم وهم كثر.