عاش التنبكتي حتى أواخر العقد الثالث من عمره في أسرة تتمتع بالرئاسة والجاه، ثم حلّت به محن شداد (١) طبعت حياته الباقية بطابع الحزن كما يبدو من قراءة سيرته ومؤلفاته.
ففي السابعة والعشرين من عمره فقد والده وهو أستاذه الأول، وفي التاسعة والثلاثين حاصر القائد المغربي محمد بن زرقون عشيرته بني أقيت فيما يسميه المؤلف بالكائنة العظمى (٢) لما لحقهم فيها من التنكيل والعذاب إذ سيقوا موثقين بالقيود إلى مراكش، حيث أودعوا السجن من أول رمضان عام ١٠٠٢ حتى يوم الأحد الحادي عشر من رمضان سنة ١٠٠٤ هـ وفي الطريق إليها سقط الشيخ عن ظهر الجمل فكسرت ساقه، وفقد في هذه المحنة ستمائة وألف مجلد من كتبه (٣) وفي ذروة هذه المحن أصيبت عشيرته بوباء الطاعون فمات معظم أفرادها فيما يروي المؤرخون (٤) وفي هذه الفترة العصيبة فقد من أقاربه الأدنين ابنه محمدًا (٥) وعمه عبد اللَّه بن محمود بن أقيت (٦).
إن هذه المحن تفسر ضيق أحمد بابا بمراكش حتى قال عند مغادرتها: "لا ردّني اللَّه إلى هذا المعاد، ولا رجعني إلى هذه البلاد" (٧). وهو ما يؤكد أن
_________________
(١) نشر المثاني ١/ ٢٧٤ وفيه أنه امتحن امتحانًا عظيمًا على عادة أمثاله وخلاصة الأثر للمحبي ج ١ ص ١٧١.
(٢) الأعلام بمن حلّ بمراكش وأغمات من الأعلام ٢/ ٣٠٣، وانظر نيل الابتهاج ص ١١٤.
(٣) انظر ترجمة المؤلف لنفسه في كفاية المحتاج والاستقصا ٥/ ١٢٩، ١٣٠، نقلًا عن بذل المناصحة لأحمد السوسي تلميذ التنبكتي، ونشر المعاني ١/ ٢٧٤ وشجرة النور الزكية ص ٢٩٩ ودائرة المعارف الإسلامية في طبعتها الأولى نقلًا عن كتاب السير وغيره.
(٤) روضة الآس ص ٣١٤ والسلاوي ٥/ ١٣١.
(٥) روضة الآس ص ٣١٤.
(٦) ألف سنة من الوفيات ص ٣٢٩ ونيل الابتهاج ص ١٦١ وقد أشار التنبكتي التي من فقدهم في بعض أسفاره. انظر نزهة الحادي ص ٩٨.
(٧) السلاوي ٥/ ١٣١ والأعلام بمن حل بمراكش وأغمات من الأعلام ٢/ ٣٠٧ ونزهة الحادي ص ٩٨.
[ ١٥ ]
إقامته في مراكش بعد إطلاق سراحه ما كانت باختياره كما جاء في رواية ابن شنب وبروفنسال بدائرة المعارف الإسلامية في طبعتها الأولى والثانية (١) بل كانت إقامة قسرية كما قال السلاوي فيما نصه: "ولم يزل بمراكش إلى أن مات المنصور، لأنه ما سرحهم حتى شرط عليهم السكنى بمراكش، ولما توفي أذن ابنه زيدان لآل أقيت في الرجوع إلى بلادهم (٢) ".
وعلى الرغم من شدة المحن التي ابتلي بها الكاتب في هذه السنوات المراكشية كانت تلك من أغنى فترات حياته عطاء وشهرة. ففيها ختم بعض كتبه سنة ١٠٠٤ هـ (٣) وأكمل أشهرها وهو "نيل الابتهاج" سنة ١٠٠٥ هـ (٤)، واختصره في "كفاية المحتاج" الذي تعود إحدى نسخه الكاملة إلى صفر من سنة ١٠١٢ هـ (٥) هذا فضلًا عن جلوسه للتدريس بعد خروجه من السجن وازدحام الطلاب من حوله ودوران الفتيا عليه لفظًا وكتابة، بحيث لا تتوجه غالبًا إلا إليه (٦) وأشار في "النيل" إلى أن اللَّه قد جبر عليه فعادت له بعض كتبه بعد دخوله لمراكش (٧).