اليعمري الأُيَّاني (*) ثم الجياني الأصل المدني المولد، كان من صدور المدرسين ومن أهل التحقيق، جامعًا للفضائل، فريد وقته، يعرف ببرهان الدين، من أهل بيت علم أبوه وعمه وجده. نشأ في الاشتغال بالعلم فتدرب بعمه أبي محمد بن فرحون عالمًا بالفقه والنحو والأصول والفرائض والوثائق وعلم القضاء وعالمًا بالرجال وطبقاتهم، مشاركًا في الأسانيد، واسع العلم فصيح القلم ذا بيان، كريمٍ الأخلاق حلو المنظر، بعيدًا من التصنع والرياء، من أَرقِّ أهل زمانه طبعًا وألطفهم عبارة، كثير الأوراد والتلاوة، يحيي آخر الليل بهما إلى أن توفي، جميل الهيئة بهي المنظر معتدل القامة، يلازم الطيلسان على العمامة ولا يلبس الثياب المصقولة، يلازم بيته، قليل الاجتماع بالناس، رحل إلى مصر عدة مرات وإلى القدس ودمشق سنة اثنين وتسعين وسبعمائة، تولى القضاء بالمدينة في ربيع الآخر سنة ثلاث وتسعين فسار فيها سيرة حسنة، ولم تأخذه في اللَّه لومة لائم، وأظهر مذهب مالك بها بعد خموله،
_________________
(١) (*) في (ح) بن أحمد بن علي.
(٢) انظر ترجمته في شذرات الذهب ٦: ٣٥٧، تعريف الخلف ١: ١٩٧، المرر الكامنة ١: ٤٨، دائرة المعارف الإسلامية ١: ٣٩٩، آداب اللغة ٣: ٢١٨، إيضاح المكنون وكشف الظنون (مواضع متعددة)، بروكلمان ٢: ٢٦٣. (*) في (و) والأبدي بضم الهمزة وتشديد الباء الموحدة وبعدها دال مهملة.
[ ٣٣ ]
فهابته الرعية وانتصف من الظالم، ثم حصل له فالج في شقه الأيسر فأبطل حركته ثم مات.
سمع الحديث على والده وعمه والشيخ أبي عبد اللَّه المطري الموطأ والصحيحين وسنن أبي داود وابن ماجه وغيرها، والشرف الأهبوطي قاضي المدينة وخطيبها الموطأ والبخاري وجامع الأصول والملخص وتآليف الطرطوشي، والشرف الأسواني الشفاء وصحيح مسلم ودلائل النبوّة، والبدري الأقشهري والجمال الدمنهوري وابن جابر الهراوي والشيخ محمد بن عرفة نزيل الحرمين، واجتمع أيضًا بولده العلامة محمد بن محمد بن عرفة في حجة سنة اثنتين وتسعين، وعنده نزل لما جاء للمدينة فعرض عليه مصنفاته، فأشار عليه ابن عرفة بإفراد مقدمة شرحه على ابن الحاجب عن الشرح لينتفع بها على حدتها، فأجاز له جميع مسموعاته ومروياته وتصانيفه، وأجاز له أيضا جميع من تقدم ما يجوز لهم وعندهم.
ومن تآليفه شرح مختصر ابن الحاجب سماه "تسهيل المهمات في شرح جامع الأمهات" كتاب مفيد غاية، جمع فيه كلام ابن عبد السلام وابن راشد وابن هارون وخليل وغيرهم من الشراح، مع التنبيه على مواضع من كلامهم وزوائد من غيرهم مما لا غنى عنه، في ثمانية أسفار، و"تبصرة الأحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام"، لم يسبق لمثله، وفيها من الفوائد ما لا يخفى و"الديباج المذهب في أعيان المذهب" فيه نيف وثلاثون وستمائة نفس، جمعه من نحو عشرين كتابًا، و"درر الغواص في محاضرة الخواص" لم يسبق لمثله، ألفه ألغازًا في الفقه، مرتبًا على الأبواب و"كشف النقاب الحاجب من مصطلح ابن الحاجب" مقدمة من عرفها سهل عليه مشكلات الكتاب و"إرشاد السالك إلى أفعال المناسك" فيه تنبيهات عزيزة و"المنتخب في مفردات ابن البيطار" في الطب في الأدوية المفردة، ومما لا يكمل "بروق الأنوار" في سماع الدعوى، واختصار تنقيح القرافي سماه "إقليد الأصول" وصل الى الناسخ، وكتاب في الحسبة، وتآليفه في غاية الإفادة لاتساع علمه.
[ ٣٤ ]
عاش لم يملك دارًا ولا نخلًا، إنما يسكن بالكراء ويأكل بالسلف والدَّيْن مع كثرة عياله، مات عن دَيْن كثير عليه توفي عاشر ذي الحجة سنة تسع وتسعين وسبعمائة.
هكذا لخصت هذه الترجمة من خط جدي الفقيه الحاج أحمد بن عمر -﵀- ومن خطه أيضًا اليعمري -بفتح الياء التحتية والعين الساكنة والميم المفتوحة والراء الهملة- نسبة ليعمر بن مالك بن يهثم من ذرية ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، والأيَّاني -بضم الهمزة وشد التحتية بعدها ألف ونون- اهـ (*).
قلت: وأم القاضي برهان الدين شريفة وكذا أم أبيه، ذكره الإمام عمه أبو محمد بن فرحون في تاريخ المدينة.