الإمام العلامة برهان الدين، صاحب (الإعراب) عرّف به ابن فرحون في الأصل أعني الديباج، وذكر أنه أخذ عن عبد العزيز الدروالي وأنه ألّف (إعراب القرآن) وتوفي عام ثلاثة وأربعين وسبعمائة، هذا ما عنده.
قال الحافظ ابن حجر: ولد في حدود سنة سبع وتسعين وستمائة، وسمع ببجاية من شيخها ناصر الدين، ثم أخذ عن أبي حيان بالقاهرة، وقدم دمشق فسمع من المزني وزينب بنت الكمال، وخلق ومهر في الفضائل ومات ثامن عشر ذي القعدة سنة اثنين وأربعين، انتهى. وقال الخطيب ابن مرزوق الجد: من شيوخي إبراهيم الصفاقسي نزيل القاهرة وأحد أئمتها، أحمل عنه مصنفاته، سمعت من لفظه كتابه الذي أعرب فيه وأغرب في إعراب القرآن وتحدث فيه مع شيخنا أبي حيان في أبحاثه وقرأت عليه بعض تآليفه في نوازل لفروع سئل عنها، منها: (الروض الأريج في مسألة الصهريج) سئل عن أرض ابتيعت فوُجد فيها صهريج مغطى هل يكون كواحد الأحجار أم لا؟ وأبدع فيها وخالف كثيرًا من المالكية، وعمل على مذهبه فيها، والجزء الذي ألفه في إسماع المؤذنين خلف الإمام وغيرها.
وقرأت عليه أكثر تقييده على ابن الحاجب الفرعي وتركته لم يكمله، وتلخيص المفتاح لشيخنا وشيخه القزويني- اهـ. بنقل الشيخ عبد الرحمن الثعالبي في فهرسته. قال الشيخ أبو عبد اللَّه بن غازي في كتابه (المطلب الكلي في محادثة الإمام القلي): ولقد كان شيخنا شيخ الجماعة الإمام الأستاذ أبو عبد اللَّه الكبير يثني كثيرًا على فهم الصفاقسي ويراه مصيبًا في أكثر تعقباته وانتقاداته لأبي حيان، وقد كان له أخ نبيل شاركه في تصنيف كتابه المجيد المذكور، كما نبّه عليه صاحب المغني حيث نكث عليهما في إعراب (زُبرا) في غير محله تبعًا لأبي حيان- اهـ.
_________________
(١) انظر ترجمته في: شجرة النور الزكية ٢٠٩، الديباج المذهب ١/ ٢٧٩، الدرر الكامنة ١: ٥٥، بغية الوعاة ١٨٦، النجوم الزاهرة ١٠: ٩٨، الأعلام للزركلي.
[ ٤٢ ]
قلت: الذي في المغني بعد اعتراضه على أبي حيان نصه، وتبعه على هذا الوهم رجلان لخصا من تفسيره إعرابًا- اهـ.
وذكر الشيخ أبو عبد اللَّه الرصاع التونسي في كلامه على آيات المغني أن الطلبة كثيرًا ما يسألون عن ثاني الرجلين المذكورين وأنه سأل عنه بعض شيوخه فلم يجبه- اهـ. قلت: أما ما ذكره ابن غازي من أن ثاني الرجلين هو أخوه يعني الشمس الصفاقسي فكأنه اغتّر في ذلك بما وقع في الديباج لأنه قال "ومن تصانيفهما إعراب القرآن جرّداه من البحر المحيط" انتهى. وليس ذلك بمعتمد، وقد تقدم من كلام ابن مرزوق وتلميذه، ومن كلام الحافظ ابن حجر أن برهان الدين هو مؤلف الإعراب وإنما ثاني الرجلين الذي عناه ابن هشام الإمام العلامة شهاب الدين أحمد بن عبد الدائم الحلبي المصري الشافعي الشهير بالسمين أحد أكابر أصحاب أبي حيان، وتأليفه في إعراب القرآن في أربعة أسفار كبار لخصه من تفسير أبي حيان وزاده أشياء سماه (المصون) أكثر فيه من مناقشة أبي حيان، كتاب نفيس إلى الغاية أبسط من إعراب الصفاقسي وأفيد، وأوسع منه، فالرجلان اللذان عنى ابن هشام هما الصفاقسي والسمين، وكذلك رأيت اسمهما مقيدًا على نسخة عتيقة من المغني بخط عتيق، واللَّه أعلم.
ثم قال الشيخ ابن غازي، وقد كاد يجمع الثقلان على قوة عارضة أثير الدين أبي حيان وتبرزه في العلوم، وخصوصًا علم اللسان، فقد حاز فيه قصب السباق ورهان الميدان، ولا يلتفت لقول صاحب المغني: "لم يكن يحسن اللسان ":
ومن ذا الذي تُرضي سجاياه كلُّها كفى المرءُ نبلًا أن تعدَّ معايبُهْ
وقال آخر (١):
أتيت أخيرًا في النحاة وإنني لأعبر سبقًا في وجوه الأوائل
ولما حج الأستاذ الأكبر أبو عبد اللَّه ابن آجروم الفاسي استجاز أبا حيان فأجازه، وكان ممن أدرج في إجازته تعريفًا لأهل الغرب وقال: إن فتى يقال له إبراهيم الصفاقسي لا يحسن النظر في العربية وإنما يحسن شيئًا من فقه مذهب
_________________
(١) زيادة من (و).
[ ٤٣ ]
مالك قد تسور على ديواني (البحر المحيط) فسلخ ما فيه من الإعراب بغير إذني وقوّلني فيه ما لم أقل، فإني بريء منه، أو ما هذا معناه. ومع هذا فقد أعطاه الغرب الأذن الصماء وأكبوا على تصنيف الصفاقسي:
والناسُ أكيسُ من أن يمدحوا رَجُلًا (ما لم يروا عنده) آثار إحسانِ (١)
- اهـ كلام ابن غازي. قلت: وسيأتي في ترجمة الشيخ منديل ابن الأستاذ ابن آجرّوم أنه الذي وتعت له الواقعة مع أبي حيان، وهو أشبه واللَّه أعلم.
وقال البدر الدماميني: أخبرني بعض الثقات أن الأخوين الصفاقسيين كان أحدهما حافظًا لفروع المالكية، والآخر متفننًا لأصول الفقه واللسانية، فكانا إذا حضرا في مجلس يجتمع فيه فقيه كامل فاتفقا أن حضرا بتونس في مجلس ابن عبد الرفيع قاضي الجماعة، فسألهما عن مسألة فأجابا عنها بنقل ذكراه عن البيان لابن رشد، وتكلما عليها بكلام استحسنه الحاضرون، فلما خرجا من الجلس سئل القاضي ابن عبد الرفيع عنهما فقال: ليسا بفقيهين فسئل لم ذلك؟ فقال: ما أجابا به وإن كان صحيحًا إلا أنهما اعتمدا في النقل على غير المدونة في فرع مذكور فيها، ومرتكب هذا لا يعد عند المالكية فقيهًا، لأن المدونة أجل كتب المذهب من إملاء ابن القاسم أجل تلامذة مالك- اهـ. قلت: وهذا لا يضرّهما إلا إذا كان كتابهما المدونة، وما ذكره الدماميني من أن أحدهما حافظ. . الخ فيه تحامل بالنسبة لصاحب الترجمة.
أما محله من الفقه فتقدم من كلام ابن مرزوق وغيره ما فيه الكفاية، وله شرح عظيم على ابن الحاجب، وأما علم الأصول فنقل أبو العباس البسيلي عن شيخه ابن عرفة أنه قال: إن برهان الدين الصفاقسي عالم بعلم الأصول، وناهيك بشهادة ابن عرفة في ذلك. وأما معرفته بعلوم اللسان فكتاب الإعراب له كاف في بيان درجته. وأما أخوه شمس الدين فذكر ابن فرحون في الأصل أنه كان عالمًا فاضلًا متفننًا، واللَّه أعلم.
_________________
(١) ما بين القوسين تصويب من ج وص ١٢٥ الروض الهتون ص ١٨.
[ ٤٤ ]
فائدة:
حيث قال الشيخ خليل في التوضيح: قال بعض من تكلم على الموضع فمراده البرهان الصفاقسي صاحب الترجمة، على ما قيل، فاعلمه.