الإمام العلامة المحقق القدوة الحافظ الجليل المجتهد، كان أصوليًا مفسرًا فقيهًا، محدثًا لغويًا بيانيًا نظارًا، ثبتًا ورعًا صالحًا زاهدًا سنيًا، إمامًا مطلقًا، بحاثًا مدققًا جدليًا، بارعًا في العلوم، من أفراد العلماء المحققين الأثبات وأكابر الأئمة المتفننين الثقات، له القدم الراسخ والإمامة العظمى في الفنون فقهًا وأصولًا وتفسيرًا وحديثًا وعربية وغيرها، مع التحري والتحقيق.
له استنباطات جليلة ودقائق منيفة وفوائد لطيفة وأبحاث شريفة وقواعد محررة محققة، على قدم راسخ من الصلاح والعفة والتحري والورع، حريصًا على اتباع السنة، مجانبًا للبدع والشبهة، ساعيًا في ذلك مع تثبت تام، منحرف عن كل ما ينحو للبدع وأهلها، وقع له في ذلك أمور مع جماعة من شيوخه وغيرهم في مسائل، وله تآليف جليلة مشتملة على أبحاث نفيسة وانتقادات وتحقيقات شريفة.
قال الإمام الحفيد ابن مرزوق في حقه: إنه الشيخ الأستاذ الفقيه الإمام المحقق العلامة الصالح أبو إسحاق، انتهى. وناهيك بهذه التحلية من مثل هذا الإمام، وإنما يعرف الفضل لأهله أهله.
أخذ العربية وغيرها عن أئمة منهم: الإمام المفتوح عليه في فَنِّها ما لا مطمع فيه لسواه بحثًا وحفظًا وتوجيهًا ابن الفخار البيري، لازمه إلى أن مات، والإمام الشريف رئيس العلوم اللسانية أبو القاسم السبتي شارح مقصورة حازم، والإمام المحقق أعلم أهل وقته الشريف أبو عبد اللَّه
_________________
(١) انظر ترجمته في: درة الحجال ١: ١٨٢، أزهار الرياض ٢: ٧، ٢٩٧ فهرس الفهارس ١: ١٣٤، شجرة النور الزكية.
[ ٤٨ ]
التلمساني، والإمام علامة وقته بإجماع أبو عبد اللَّه المقري، وقطب الدائرة شيخ الشيوخ الجلة الإمام الشهير أبو سعيد بن لب، والإمام الجليل الرحلة الخطيب أبو جعفر الشقوري، وممن اجتمع معه واستفاد منه العالم الحافظ الفقيه أبو العباس القباب والمفتي المحدِّث أبو عبد اللَّه الحفار وغيرهم.
اجتهد وبرع وفاق الأكابر والتحق بكبار الأئمة في العلوم وبالغ في التحقيق، وتكلم مع كثير من الأئمة في مشكلات المسائل من شيوخه وغيرهم كالقباب وقاضي الجماعة الفشتالي والإمام ابن عرفة والولي الكبير أبي عبد اللَّه بن عباد، وجرى له معهم أبحاث ومراجعات أجلت عن ظهوره فيها وقوة عارضته وإمامته، منها: مسألة مراعاة الخلاف في المذهب. له فيها بحث عظيم مع الإمامين القباب وابن عرفة، وله أبحاث جليلة في التصوف وغيره، وبالجملة فقدره في العلوم فوق ما يذكر، وتحليته في التحقيق فوق ما يشهر.
ألَّف تآليف نفيسة اشتملت على تحريرات للقواعد وتحقيقات لمهمات الفوائد، منها شرحه الجليل على الخلاصة في النحو في أسفار أربعة كبار لم يؤلف عليها مثله بحثًا وتحقيقًا، فيما أعلم، وكتاب "الموافقات" في أصول الفقه كتاب جليل القدر لا نظير له يدل على إمامته، وبعد شأوه في العلوم سيما علم الأصول. قال الإمام الحفيد ابن مرزوق: "كتاب الموافقات المذكور من أقبل الكتب"- اهـ. وهو في سفرين. وتأليف نفيس في الحوادث، والبدع في سفر، في غاية الإجادة، وكتاب المجالس شرح فيه كتاب البيوع من صحيح البخاري، فيه من الفوائد والتحقيقات ما لا يعلمه إلا اللَّه، وكتاب الإفادات والإنشادات في كراسين فيه طرف وتحف ومُلح أدبيات وإنشادات، وله أيضًا كتاب عنوان الاتفاق في علم الاشتقاق، وكتاب أصول النحو، وقد ذكرهما معًا في شرح الألفية. ورأيت في موضع آخر أنه أتلف الأول في حياته وأن الثاني أُتلف أيضًا، وله غيرها وفتاوى كثيرة، ومن شعره لما ابتلي بالبدع:
بُليتُ يا قومُ والبلوى منوعةٌ بمن أداريهِ حتى كادَ يرديني
دفعُ المضرةِ لا جلبٌ لمصلحةٍ فحسبي اللَّه في عقلي وفي ديني
[ ٤٩ ]
أنشدهما تلميذه الإمام يحيى بن عاصم له مشافهة. ومن نظمه في مدح (الشفاء) لما أرسل شيخه الخطيب ابن مرزوق للأندلس يطلب من علمائها نظم قصائد تتضمن مدح الشفاء ليجعلها في طالعة شرحه عليه، فقال صاحب الترجمة في ذلك ما نصه:
يا من سما لمراقي المجدِ مقصدُهُ فنفسُهُ بنفيس العلم قد كَلِفَتْ
هذي رياض بروق العلم مخبرها هي الشفا لنفوس الخلق إن دنفت
يجني بها زهر التقديم أو ثمر التـ ـعظيم والفوز للأيدي التي اقتطفت
أبدت لنا من سناها كل واضحة حسانة دونها الأطماع قد وقفت
وشيد العقد أركان مؤكدة بها على متن أهل الشرع قد وقعت
قوت القلوب وميزان العقود متى حادت عن الحجة الكبرى أو انحرفت
ويا أبا الفضل حزت الفضل في غرض به أقرت لك الأعلام واعترفت
وكنت بحر علوم ضلَّ ساحله منه استمدت عيون العلم واغترفت
زارته من جنباتِ القدسِ ناسمةٌ فحرَّكتْ منه مدحَ الفكرِ حينَ وفتْ
حتى اذا طُفئت أرجاؤه قَذَفت لنا بدُرَّتِها الحسناءِ وانصرفتْ
إنَّ العِنَايَةَ لَا يَحْظَى بِنَائِلِهَا حَرِيصُهَا بَلْ عَلى التَّخْصِيصِ قَدْ وِقفَتْ
قال الإمام محمد بن العباس التلمساني هذه الأبيات من أحسن ما قيل فيه.
أخذ عنه جماعة من الأئمة كالإمامين العلامتين: أبي يحيى بن عاصم الشهير، وأخيه القاضي المؤلف أبي بكر بن عاصم، والشيخ أبي عبد اللَّه البياني وغيرهم. توفي يوم الثلاثاء الثامن من شعبان سنة تسعين وسبعمائة، ولم أقف على مولده، ﵀.
فائدة:
وكان صاحب الترجمة ممن يرى جواز ضرب الخراج على الناس عند ضعفهم وحاجتهم لضعف بيت المال عن القيام بمصالح الناس، كما وقع للشيخ المالقي في كتاب الورع قال: توظيف الخراج على المسلمين من المصالح
[ ٥٠ ]
المرسلة، ولا شك عندنا في جوازه وظهور مصلحته في بلاد الأندلس في زماننا الآن لكثرة الحاجة لما يأخذه العدو من المسلمين سوى ما يحتاج إليه الناس وضعف بيت المال الآن عنه، فهذا يقطع بجوازه الآن في الأندلس، وإنما النظر في القدر المحتاج إليه من ذلك، وذلك موكول إلى الإمام.
ثم قال أثناء كلامه: ولعلك تقول كما قال القائل لمن أجاز شرب العصير بعد كثرة طبخه وصار ربًا أحللتها واللَّه يا عمر يعني هذا القائل أحللت الخمر بالاستجرار إلى نقص الطبخ حتى تحل الخمر بمقالك، فإني أقول كما قال عمر -﵁-: واللَّه لا أحل شيئًا حرمه اللَّه ولا أحّرم شيئًا أحله اللَّه، وإن الحق أحق أن يتبع، ومن يتعدَّ حدود اللَّه فقد ظلم نفسه. وكان خراج بناء السور في بعض مواضع الأندلس في زمانه موظفًا على أهل الموضع فسئل عنه إمام الوقت في الفتيا بالأندلس الأستاذ الشهير أبو سعيد بن لب فأفتى أنه لا يجوز ولا يسوغ، وأفتى صاحب الترجمة بسوغه، مستندًا فيه إلى المصلحة المرسلة، معتمدًا في ذلك إلى قيام المصلحة التي إن لم يقم بها الناس فيعطونها من عندهم ضاعت. وقد تكلم على المسألة الإمام الغزالي في كتابه فاستوفى، ووقع لابن الفراء في ذلك مع سلطان وقته وفقهائها كلام مشهور لا نطيل به.
وكتب جوابًا لبعض أصحابه في دفع الوسواس العارض في الطهارة وغيرها: وصلني كتابكم فيما به الوسواس، فهذا أمر عظيم في نفسه، وأنفع شيء فيه المشافهة، وأقرب ما أجد الآن أن تنظروا من إخوانكم من تدلون عليه وترضون دينه، ويعمل بصلب الفقه ولا يكون فيه وسوسة فتجعلونه إمامكم، على شرط أن لا تخالفوه، وإن اعتقدتم أن الفقه عندكم بخلافه، فإذا فعلتموه رجوت لكم النفع وأن تواظبوا على قول: "اللهم اجعل لي نفسًا مطمئنة تؤمن بلقائك، وتقنع بعطائك، وترضى بقضائك، وتخشاك حق خشيتك، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم" فإنه نافع للوسواس، كما رأيته في بعض المنقولات.
وكان يقول: لا يحصل الوثوق والتحقيق بشأن الرواية في الأكيال المنقولة
[ ٥١ ]
بالأسانيد، واختبرت ذلك فوجدت الأكيال مختلفة متباينة الاختلاف وهي ذوات روايات، فالكيل الشرعي تقريبًا منقول عن شيوخ المذهب (يدركه أحد) (١) حفنة من البر أو غيره بكلتا اليدين مجتمعتين من ذوي يدين متوسطتين بين الصغر والكبر، فالصاع منها أربع حفنات، جربته فوجدته صحيحًا، فهذا الذي ينبغي أن يعول عليه لأنه مبني على أصل التقريب الشرعي، والتدقيقات في الأمور غير مطلوبة شرعًا لأنها تنطّع وتكلّف، فهذا ما عندي. ومن كلامه أما من تعسف وطلب المحتملات والغلبة بالمشكلات وأعرض عن الواضحات فيخاف عليه التشبه بمن ذمه اللَّه في قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ (سورة آل عمران، الآية ٧).
وكان لا يأخذ الفقه إلا من كتب الأقدمين، ولا يرى لأحد أن ينظر في هذه الكتب المتأخرة، كما قرره في مقدمة كتابه الموافقات، وترد عليه الكتب في ذلك من بعض أصحابه فوقع له: وأما ما ذكرتم من عدم اعتمادي على التآليف المتأخرة، فليس ذلك مني محض رأي، ولكن اعتمدته بحسب الخبرة عند النظر في كتب المتقدمين مع المتأخرين، وأعني بالمتأخرين كابن بشير وابن شاس وابن الحاجب ومن بعدهم، ولأن بعض من لقيته من العلماء بالفقه أوصاني بالتحامي عن كتب المتأخرين وأتى بعبارة خشنة ولكنها محض النصيحة، والتساهل في النقل عن كل كتاب جاء لا يحتمله دين اللَّه، ومثله ما إذا عمل الناس يقول ضعيف. ونقل عن بعض الأصحاب لا تجوز مخالفته، وذلك مشعر بالتساهل جدًا، ونص ذلك لا يوجد لأحد من العلماء، فيما أعلم. والعبارة الخشنة التي أشار إليها كان ينقلها عن صاحبه أبي العباس القباب أنه كان يقول في ابن بشير وابن شاس أفسدوا الفقه. وكان يقول: شأني عم الاعتماد على التقاليد المتأخرة، إما للجهل بمؤلفها أو لتأخر أزمنتهم جدًا، فلذلك لا أعرف كثيرًا منها ولا اقتنيته، وعمد في كتب الأقدمين المشاهير، ولنقتصر على هذا القدر من بعض فوائد.
_________________
(١) كذا وفي الكلام حذف ولعل الصواب يدركه كلُّ أحد.
[ ٥٢ ]