وأبو إسحاق الإمام العالم العلامة الناظم البليغ الورع الزاهد الولي
_________________
(١) ترجمته في: درة الحجال ١: ١٩٤، البستان ٥٨ - ٦٣، أزهار الرياض ٢: ٣٠٩، شجرة النور الزكية ١: ٢٩٣، كفاية المحتاج ٢٠، ظهر الضوء اللامع ١: ١٨٧، مناقب الخطابي ٢١ ظ، تعريف الخلف ٢: ٧.
[ ٥٩ ]
الصالح العارف القطب، صاحب الكرامات والأحوال البديعة والقصائد الرائقة الأنيقة.
قال أبو عبد اللَّه بن صعد في النجم الثاقب: كان سيدي إبراهيم من الأولياء الزاهدين والعبّاد الصالحين، إمامًا في علوم القرآن، مقدّمًا في علم اللسان، حافظًا للحديث، بصيرًا بالفقه وأصوله، من أهل المعرفة التامة بأصول الدين، إمامًا من أئمة المسلمين. وقفت على كثير من تقاييده في الفقه والأصول وعلم الحديث بخطه الرائق. من أهل الحفظ العظيم، معروفًا بجودة النظر والفهم الثاقب، جامعًا لمحاسن العلماء، ممتعًا بآداب الأولياء، لا نظير له في كمال العقل، ومتانة الحكم، والتمكن في المعارف، وبلوغ الدرجة العليا في حسن الخلق وجميل العشرة، والمعرفة بأقدار الناس والقيام بحقوقهم، وحسبك من جلالته وسعادته أن المثل ضرب بعقله وحلمه، واشتهر في الآفاق ذكر فضله وعلمه حتى الآن، إذا بالغ أحد في وصف رجل قال: كأنه سيدي إبراهيم التازي، وإذا امتلأ أحدهم غيظًا قال: لو كنت في منزلة سيدي إبراهيم التازي ما صبرىت لهذا، لما كان يتحمله من إذاية الخلق، والصبر على المكاره، واصطناع المعروف للناس، والمداراة، فهو أحد من أظهره اللَّه لهداية خلقه، وأقامه داعيًا لبسط كراماته، مجللًا برداء المحبة والمهابة، مع ما له من القبول في قلوب الخاصة والعامة، فدعاهم إلى اللَّه ببصيرة، وأرشدهم لعبوديته بعقائد التوحيد ووظائف الأذكار.
كان أحسن الناس صوتًا، وأنداهم قراءة، آية في فصاحة اللسان والتجويد، ذكر أنه أيام مجاورته إذا قرأ البخاري أو غيره انحشر الناس إليه لحسن قراءته وجودته، وصلى الأشفاع هناك في رمضان بالناس لحسن تلاوته وطلاوة حلاوته.
وأصله من بني لنت قبيلة من بربر تازا، وشهر بالتازي لولادته بها، وقرأ بها القرآن على العالم الصالح الولي العارف أبي زكريا يحيى الوازعي، وكان هذا الشيخ يعتني به على صغر سنه، ويقول لأقرانه: هذا سيدكم وصالحكم. وما زال على حاله الحسنة، ونشأته الصالحة، وهديه القويم، إلى أن رحل
[ ٦٠ ]
للشرق، وعلماؤه على ساق، وعُرفت صدّيقيته هناك، واشتهر ذكره، وكان رفيقه في وجهته للبلاد المشرقية نظيره في العلم والدين الولي الصالح الزاهد الناصح أحمد الماجري-اهـ -كلام ابن صعد ملخصًا.
قلت: ولما حج لبس الخرقة من شرف الدين الداعي، ولبسها من الشيخ صالح بن محمد الزواوي بسنده إلى أبي مدين، وأخذ عنه حديث المشابكة، وتبرك بالشيخ الولي الصالح أبي عبد اللَّه محمد بن عمر الهواري، وتلمذ له فنال بركته. وكان عالمًا زاهدًا متصوفًا له كرامات، ومكاشفات كثيرة، وقصائد في مدحه -ﷺ-.
أخذ عنه جماعة من الأئمة كالحافظ التنسي، والإمام السنوسي وأخيه سيدي علي التالوتي، والإمام أحمد زروق وغيرهم، قال القلصادي في فهرسته (١): أقمت بوهران مع الشيخ المبارك سيدي إبراهيم التازي خليفة الهواري في وقته، كان له اعتناء بكلام شيخه، ومن حكمه "العالم لا تعاده، والجاهل لا تصافه، والأحمق لا تؤاخه- اهـ.".
قال ابن صعد: وأخذ بمكة عن علامة علمائها وكبير محدثيها قاضي القضاة المالكية سيدي الشريف تقي الدين محمد بن أحمد الحسني الفاسي، قرأ عليه كثيرًا من الحديث والرقائق وأجازه، وبالمدينة على جماعة كإمام الأئمة أبي الفتح بن أبي بكر القرشي وغيره.
وكان كلامه في طريق التصوف ومقام العرفان لا يقوم بمعناه إلا من تمكنت معرفته، وقويت عارضته، وذاق من طعم الحب ما توفرت به مادته. وأخذ بتونس عن شيخ الإسلام الحافظ العلامة عبد اللَّه العبدوسي، وبتلمسان عن علامة وقته، خاتمة العلماء محمد بن مرزوق وأجازاه معًا، وزار بوهران شيخ المشايخ جنيد أقرانه وحكيم زمانه الهواري- اهـ.
قلت: قوله: عبد اللَّه العبدوسي لعل صوابه أبو القاسم عبد العزيز العبدوسي، فهو نزيل تونس في ذلك الوقت، وأما عبد اللَّه العبدوسي فهو ولد
_________________
(١) رحلة القلصادي ص ١١١، نقل بتصرف يسير.
[ ٦١ ]
أخيه، لم أعرف له رحلة لتونس، ولا ذكره أحد، وإنما كان بفاس وبها توفى، واللَّه أعلم.
وتوفي سيدي إبراهيم تاسع شعبان سنة ست وستين وثمانمائة -رحمه اللَّه تعالى ونفعنا به- هكذا ذكره غير واحد. ومن شعره قوله -﵁-:
أَمَا آنَ ارْعوَاؤكَ عَنْ شَنَارِ كَفَى بِالشَّيبِ زَجْرًا عَنْ عوار
أبَعْدَ الأربعينَ ترومُ هزلًا "وهلْ بعد العشيةِ من عَرَارِ"
فَخَلِّ حظوظَ نفسكَ والهَ عَنْهَا وعنْ ذكرِ المنازلِ والديارِ
وعدِّ عن الرَّبَابِ وعن سُعَادٍ وزينبَ والمعارفِ والعقارِ
فما الدنيا وزخرفها بشيءٍ ومعا أيامُهَا إلا عَوارِ
وليس بعاقلٍ من يصطفيها أتشري الفوزَ ويحكَ بالتَّبَارِ
فَتُبْ واخلعْ عِذارَكَ في هوى مَنْ لَهُ دارُ النَّعيمِ ودارُ نارِ
جمالُ اللَّه أكمل كلِّ حسنٍ فللهِ الكمالُ ولا ممارِ
وحبُّ اللَّه أشرفُ كلِّ أنسٍ فلا تَنْسَ التَّخَلُّقَ بالوقارِ
وذكر اللَّه مَرْهَمُ كل جُرْحٍ وأنفعُ من زلالٍ للأوارِ
ولا موجودَ إلا اللَّه حقًا فدعْ عنكَ التَعلُّقَ بالشّفَارِ
وله من قصيدة:
يا صاحِ من رُزِقَ التُّقى وَقَلَا الدُّنَا نَالَ الكرامةَ والسعادةَ والغِنَى
فاصرفْ هوى دنياكَ واصرف حَبْلَها دارِ البَلايَا والرزايا والعَنَا
وودادُهَا رأسُ الخطايَا كلِّها ملعونةٌ طوبى لمن عنها انثنى
لا تغتررْ بغرورِها فمتاعُها عرضٌ معدٌّ للزَّوال وللفَنا
لعبٌ ولهوٌ زينةٌ وتفاخرٌ لا تخدعنْكَ جنانُها مرّ الجنى
خداعةٌ غدارةٌ نكارةٌ ما بلَّغتْ لخليلِها قطُّ المنى
اليوم عندَك جاهُهَا وحطامُهَا وغدًا تراهُ بكفِّ غيرك مقتنى
فاقبلْ نصيحةَ مخلصٍ واعملْ بها يدنيكَ من رضوانِ ربِّك ذي الغنى
يُدخلك جناتِ النعيمِ بفضلِهِ دارِ المقامةِ والمسرةِ والهَنَا
[ ٦٢ ]
وله أيضًا من قصيدة أخرى:
وغنمُ مريدٍ في انقيادٍ لكاملٍ له خبرةٌ بالوقتِ والعلمِ والحالِ
حوى السِّرِّ والإكسيرَ والكيميا لمنْ أرادَ وصولًا أو بَغَى نيلَ آمالِ
وقد عدم الناسُ الشيوخَ بقطرنا وآخرهمْ شيخي وموضعُ إجلالِ
وقد قال لي لم يبقَ شيخٌ بغربنا وذا منذ أعوام خلونَ وأحوالِ
يشيرُ إلى أهلِ الكمالِ كمثله عليه من اللَّه الرِّضا ما تلا قال
وله أيضًا من قصيدة أخرى:
حسامي ومنهاجي القويمُ وشرعتي ومنجيَّ في الدارين من كلِّ فتنةِ
محبةُ ربِّ العالمين وذكرُهُ على كلِّ أحياني بقلبي ولهجتي
وأفضلُ أعمالِ الفتى ذكرُ ربه فكنْ ذاكرًا يذكرك باري البريةِ
وما من حسام للمريدين غيرُهُ وكمْ حسموا ظهرًا لزار وباهت
وكم بددوا شملا لِذِي جُرْأةٍ وَكَمْ أبادوا عدوًا مَسَّهُمْ بمضرةِ
وكم دافعَ اللَّه الكريمُ بذكرهم عن الخلق من مكروهةٍ ومبيرةِ
وأفضلُ ذكرٍ دعوةُ الحقِّ فلتكنْ بها لهجًا في كلِّ وقتٍ وحالةِ
فكثرةُ ذكرِ الشَّيءِ آيةُ حُبِّهِ وحسبُ الفتى تشريفُهُ بالمحبةِ
وله أيضًا من أخرى، ﵀:
وَخِيْرَةُ الخَلْقِ مَنْ مِنْ أجْلِهِ خُلِقُوا محمدٌ خيرُ محمودٍ ومن حمدا
من خصَّه بلِواءِ الحمدِ حامدُهُ وبالمقام القياميّ الذي حمدا
ويوم حشرِ الورى للفصلِ يرشدُهُ إلى محامدَ لم يرشدْ لها أحدا
وكثرةُ الحمدِ من أوصافِ أمته في اليُسر والعُسر في الكتبِ العلا وجد
صلَّى الحميدُ على المحمودِ أحمدَ ما بالحمدِ أفصحَ حمّادٌ وما سجدا
للَّه عبدٌ شكورٌ حامدٌ وعلى قرباهُ والصحبُ أعلا الأمةِ الحمدا
وله أيضًا -قدس سره- من أخرى:
أبَتْ مهجتي إلا الولوعَ بما تهوى فدعْ عنك لومي والنُّفُوسَ وما تَغْوى (١)
_________________
(١) في الأصل: تقوى والتصويب من وجه الابتهاج ص ٢٨.
[ ٦٣ ]
هوانُ الهوى عزٌّ وعذبٌ أجاجُهُ وعَلْقَمُهُ أحلى من المنٍّ والسَّلوى
وتعذيبُهُ للصبِّ عينُ نعيمِهِ وسعيُ اللواحي في السُّلوِّ من العدوى
ومن لم يَجُدْ النفسِ في حبِّ حبِّهِ فلوعتُهُ إفكٌ وصبوتُهُ دَعْوى
وليسَ بِحُرٍّ مَنْ تَعبَّدَهُ الهوى لِلَهْوِ الدَّنا فاخترْ لنفسكَ ما تهوى
فما الحبُّ إلا حبُّ ذي الطَّولِ والغنى وأملاكِهِ والأنبيا وأولي التَّقْوى
وخيرَةُ رُسُلِ اللَّه أفضلُ خلقِهِ محمدٌ الهادي الى جنَّةِ المأوى
وله أيضًا -قدس اللَّه روحه- من أخرى:
روحي وراحةُ روحي ثم ريحاني وجنتي من شرورِ الإنسِ والجانِ
ومأمنى وأماني من سعيرِ لظى ذكرُ المهيمنِ في سرٍّ وإعلان
ومدحُ أَحمدَ أحمى العالمين حِمًى [وذو] المقامِ الذي مَا قَامَهُ ثانِ
إلى أن قال:
هو السِّراجُ هو المَنْجي لمعتصمٍ هو المعاذُ وملجأ الخائفِ الجاني
يا رحمة اللَّه إني خائفٌ وجلٌ يا نعمةَ اللَّه إني مفلسٌ عاني
إلى غيرها من قصائده الكثيرة. وقد ذكرت كثيرًا من أحواله في غير هذا الموضع، بل عرّف به الشيخ ابن صعد في نحو كراسين من النجم الثاقب.