الولي الزاهد العالم العارف باللَّه القطب ذو الكرامات الشهيرة والمناقب الكثيرة والأحوال الباهرة والفضائل الظاهرة، نزيل مراكش وبها توفي، وقبره معروف مزار مزاحم عليه مجرب الإجابة، زرته مرارًا لا تحصى وجربت بركته غير مرّة.
أخذ عن الشيخ أبي عبد اللَّه الفخار تلميذ القاضي عياض. قال لسان الدين ابن الخطيت السلماني: كان السبتي مقصودًا في حياته، مستغاثًا به في الأزمات، وحاله من أعظم الآيات الخارقة للعادة. ومبني أمره على أفعال العالم عن الجود، وكونه علة في تأثير الوجود، له في ذلك أخبار ذائعة وأمثال باهرة، ولما توفي ظهر هذا الأثر على تربته، وتشبث بلحده، وانسحب على مكانه عادة حياته، ووقع الإجماع على تسليم هذه الدعوى، وتخطى الناس من مباشرة قبره بالصدقة إلى بعثها له من أماكنهم على بعد المدى، وانقطاع المكان
_________________
(١) الوافي بالوفيات ٦: ٤١، الديباج ٥٠، تعريف الخليف في ٢: ٦١، معجم المؤلفين ١: ٢٧٤.
(٢) نفاضة الجراب ٣٠٥، شجرة النور الزكية ١٨٤، ٦٠٨، كتاب الوفيات ٣٠٢، ريحانة الكتاب ٢: ١٠١.
[ ٦٩ ]
الأقصى، تحملها أجنحة نياتهم فتهوى إليه بمقاصدهم من كل فج عميق، فيجدون الثمرة المعروفة والكرامة المشهورة!
وقال ابن الزيات: كان أبو العباس قد أعطى بسطة في اللسان وقدرة على الكلام لا يناظره أحد إلا أفحمه، ولا يسأله إلا أجابه، كأن القرآن والحجج على طرف لسانه حاضرة، يأخذ بمجامع القلوب ويسحر العامة والخاصة ببيانه، يأتيه المنكرون للإنكار، فما ينصرفون إلا مسلّمين منقادين، وشأنه كله من عجائب الزمان.
وحدثني مشايخنا أنهم سمعوه يقول: أنا القطب. وحدثني أبو الحسن الصنهاجي، من خواص خدّامه، قال: خرجت معه مرة لصهريج غابة الرمان يوم عرفة، فجلسنا هناك وصلينا فقال لي: إنما سمي هذا اليوم يوم عرفة لانتشار الرحمة فيه لمن تعرف إليه بالطاعة. وقد فاتنا عرفة فتعال نمثل بهذا المكان، نعمل كما يعملون، ولعل اللَّه يتغمدنا برحمته معهم، فعمل مكانًا دائرًا بالعين الكعبة، ومحل عنصر الماء الحجر وموضعًا آخر في مقام إبراهيم، فطاف بالعين أسبوعًا وأنا أطوف بطوافه، وكثير على العنصر في كل طوافة، وصلى في مثل المقام ركعتين تامتين، وأطال في سجود الثانية، ثم استند إلى الشجرة ثم قال: يا علي اذكر كل حاجة لك من حوائج الدنيا تقضى فإن اللَّه وعد في هذا اليوم من تعرف له أن تقضي حوائجه، فقلت: ما أريد إلا التوفيق. فقال لي: ما خرجت معك إلى المدينة حتى وفقت، فسألته عن حال بدايته، وبم تنفعل له الأشياء ويستجاب له الدعاء، ولم صار يأمر بالصدقة والإيثار من شكا إليه حالًا أو تعذر عليه مطلوب في هذه الدار؟ فقال لي: ما آمر الناس إلا بما ينتفعون به، لأني لما قرأت القرآن وقعدت بين يدي الشيخ أبي عبد اللَّه الفخار ونظرت في كتب الأحكام، وبلغ سني عشرين سنة تدبرت قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ وقلت: إني مطلوب به، فبحثت عن الآية، فوقفت على أنها نزلت حين آخى -ﷺ- بين الأنصار والمهاجرين، فسألوه أن يعلمهم حكم المؤاخاة، فأمرهم بالشاطرة ففهمت أن العدل المأمور به في الآية هو المشاطرة.
[ ٧٠ ]
ثم تأمّلت حديث تفترق أمتي على ثلاث وسبعين، وأنه -ﷺ- لما آخى بين الصحابة وذكر له الأنصار أنهم شاطروا المهاجرين ذكر ذلك الحديث أثره، فقلت: إن الذي هو عليه وأصحابه الإيثار والمشاطرة، فعقدت مع اللَّه نية أن لا يأتيني بشيء إلا شاطرت فيه الفقراء، فبقيت عليه عشرين سنة، فأثمر في حكم المخاطر، فلا يحكم خاطري بشيء إلا صدق.
فلما أكملت أربعين سنة تدبرت الآية، فإذا العدل هو الشطر، والإحسان زائد عليه، فعقدت نية أن لا يأتيني قليل ولا كثير إلا أعطيت ثلثيه للَّه -﷿- فعملت عليه عشرين سنة فأثمر في الحكم بالولاية والعزل فأولي من شئت وأعزل من شئت.
ثم نظرت بعد في أول ما فرضه على عباده في مقام الإحسان فوجدته شكر النعمة، بدليل إخرل الفطرة على المولود قبل أن يفهم، ووجدت أصناف من يعطي الصدقة الواجبة سبعة، وسبعة أخر صرفها فيها للإحسان والزيادة، وذلك أن لنفسك عليك حقًا ولزوجك حقًا وللرحم حقًا وللضيف حقًا ولليتيم حقًا، وذكر صنفين آخرين، فانتقلت لهذه الدرجة وعقدت معه تعالى عقدًا في إمساك سبعة حق النفس والزوجة، وصرف الخمسة الأسباع لمستحقيها، فأقمت عليه أربعة عشر عامًا فأثمر في الحكم في السماء فإذا قلت يا رب قال لي لبيك، ثم قال لي: نهايتي بتمام عمري بعد ستة أعوام تكملة عشرين عامًا. قال الصنهاجي: فأرّخت ذلك اليوم فلمّا مات وحضرت جنازته تذكرت التاريخ وحققت العدد، فنقصت من الستة الأعوام ثلاثة أيام، فيحتمل كونه من الشهور الناقصة.
قال أبو بكر بن مساعد: جاء بعض السلاطين إلى أبي العباس وهو راكب فقال له: إلى متي تحيّرنا ولا تصرّح لنا عن الطريق؟ فقال له: هو الإحسان، فقال له: بيّن لي، فقال له: كل ما أردت أن يفعله اللَّه معك فافعل مع عبيده. وقال له أبو الحسن الجنان: أما ترى ما فيه الناس من القحط والغلاء؟ فقال له: إنما حبس المطر عليهم لبخلهم، فلو تصدقوا لمطروا
[ ٧١ ]
فقل لأصحابك الفلاحين تصدّقوا بمثل ما أنفقتم تمطروا، فقال له: لا يصدقني أحد، ولكن مرني في نفسي فقال له: تصدق أنت بمثل ما أنفقت. فقال له: إذا أمطرت أخرجت من ثمن الغلة مثل ما أنفقت، فقال له: إن اللَّه تعالى لا يعامل بالدين ولكن استسلف، فاحتال وتصدق بها كما أمره، قال: فخرجت إلى البحيرة التي عمرتها، والشمس شديدة الحر، فآيست من المطر، وقد أشرف جميع غرسي على الهلاك، فبقيت ساعة فإذا سحابة أمطرت البحيرة ورويت وظننت أن الدنيا كلها مطرف، فخرجت فإذا هو لم يتجاوزها- اهـ. وحكايته في مثل هذا كثير.
قال الشيخ العارف أبو الحجاج يوسف التادلي في كتاب (التشوف إلى رجال التصوف): وكان أبو العباس جميل الصورة، أبيض اللون، حسن الثياب، فصيح اللسان، مقتدرًا على الكلام، حليمًا صبورًا، يحسن إلى من يؤذيه ويحلم على من يسفه عليه، رحيمًا عطوفًا محسنًا إلى اليتامى والأرامل، يجلس حيث أمكنه الجلوس، ويحضّ على الصدقة ويذكر في فضلها آيات وأحاديث، ويأخذها ويفرقها، ويرد أصول الشرع إليها، ويفسرها بها، فيقول معنى قول المصلي: اللَّه أكبر، أي من أن نضن عليه بشيء، فمن رأى شيئًا من متاع الدنيا في نفسه أكبر فلم يحرم ولا كبر، ومعنى رفع اليدين في التكبير تخليت من كل شيء لا قليلًا ولا كثيرًا، وهكذا يتكلم في جميع العبادات، ويقول: سرّ الصوم أن تجوع، فإذا جعت تذكرت الجائع وما يقاسيه من نار الجوع، فتصدق عليه، فمن صام ولم ينعطف على الجائع فكأنه لم يصم، إلى غيره، من كلامه في مثل هذا. وإذا أتاه امرؤ في أمر يقول: تصدق تصب ما تريد. وأخباره في ذلك عجيبة كثيرة.
قال التادي: وحدثني ولده الفقيه أبو عبد اللَّه عن أبيه في بدء أمره أنه قال: كنت صغيرًا أسمع كلام الناس في التوكل، ففكرت في حقيقته، فرأيت أنه لا يصلح إلا بترك شيء، ولم يكن عندي يد فتركت الأسباب، وطرحت العلائق، ولم تتعلق نفسي بمخلوق، فخرجت سائحًا متوكلًا وسرت نهاري كله، فأجهدني الجوع والتعب، وكنت نشأت في رفاهية عيش، وما مشيت قط
[ ٧٢ ]
على قدمي، فبلغت قرية فيها مسجد فتوضأت ودخلته، فصليت المغرب والعشاء، وخرج الناس، وقمت لأصلي فلم أقدر من شدة الجوع والتألم بالمشي، فصليت ركعتين، وجلست أقرأ القرآن إلى أن مضى جزء من الليل، فإذا قارع يقرع دارًا بعنف، فأجابه صاحب الدار، فقال: أرأيت بقرتي؟ فقال: لا. فقال: إنها ضلت وقد أكثر عجلها من الحنين، فطلبها فلم يجدها في القرية، فقال أحدهم: لعلها في المسجد ففتحوا بابه ووجدوني، فقال صاحب البقرة: أظنك ما أكلت شيئًا، فجاءني بكسرة خبز وقدح لبن، ثم ليأتيني بالمال فوجد بقرته في وسط الدار، فقال: خرجت بقصد البقرة وما كان خروجي إلا لهذا الفتى الجائع في المسجد، فجاء وطلب مني أن أمشي معه لمنزله فأبيت.
وكان -﵀- في أول أمره يسكن الفندق، ويعلم الحساب والنحو، ويأخذ الأجرة عليه وينفقها على الطلبة الغرباء، ويمشي في الأسواق يذكّر الناس ويضربهم على ترك الصلاة، ويأتي بالطعام على رأسه، وبات ليلة عند الطلبة، فارتفعت أصواتهم بالمذاكرة، فإذا بالحرس قرعوا باب الفندق، فقام إليهم القيّم بخدمته، فقالوا له: أما تعلمون أن من رفع صوته بالليل يقتل؟ ثم وقف اثنان من الحرس على باب الفندق ليحملونا بعد الفجر للقتل، وجاء القيم فأخبرنا فخفنا خوفًا عظيمًا، وتيقنا الهلاك، فأخذ أبو العباس في الضحك ولا يبالي، ثم خلا بنفسه ساعة عند السحر، ثم قال لنا: لا خوف عليكم قد استوهبتكم من اللَّه، وهذان الحارسيان يقتلان غدًا إن شاء اللَّه تعالى، فقيل له الجزاء عندنا من الأفعال من الخير والشر، وهما لم يفعلا ما يوجب قتلهما، بل جزاؤهما أن يروعاكما روعانًا، فقال: العلماء ورثة الأنبياء، وترويعكم عظيم لا يقابل منهم إلا بالقتل، فما زلنا نعارضه فيه حتى قال: عقوبتنا أن يضرب كلّ مائة سوط، ثم اجتاز عبد اللَّه الخراز صاحب الوقت بالجامع الأعظم فوجد تابوته مفتوحًا، والحرسيان على قرب منها، فلم يشك أنهما حلاه، فحملا إلى رحبة القصر قبل الفجر، فقال لنا أبو العباس: احضروا على ضربهما كما أرادا قتلكم، فتبعناهما وحضرنا حتى ضرب كل واحد مائة سوط.
[ ٧٣ ]
وكراماته لا تحصى، وكان يقول: أصل الخير في الدنيا والآخرة الإحسان، وأصل الشر فيها البخل، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ الآية. وقال عن إبليس: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ الآية. وقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ الآية، ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ وقال: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا﴾ الآية، وقال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية، وقال: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ الآية. وقال: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ﴾ الآية، فهي أمانة الرزق فأعطت السماء ما فيها من الماء وهو المطر، والأرض ما فيها من المياه النازلة من الجبال، وكذا الجبال، وأنبتت الأرض وأبت إمساكها، فخزن الإنسان جميعها عنده ومنع المساكين ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. وفي الحديث "هم الأقلون ورب الكعبة إلا من قال هكذا وهكذا" الحديث.
ولما أراد اللَّه هلاك فرعون وقومه ودعا عليهم موسى بالبخل فقال: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ﴾ إلى قوله: ﴿دَعْوَتُكُمَا﴾. وكان آخر عمره -﵁- كثيرًا ما يقرأ هذه الآية ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾ إلى قوله: ﴿سَوْفَ يُرَى﴾، ويقول: من قال: إن اللَّه لا يجازي على الصدقات فقد وافق اليهود في الفرية على اللَّه تعالى لأنهم قالوا: "يد اللَّه مغلولة غلت أيديهم" أي لا يجازي على الصدقات، قال تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي يجازي عليها كيف يشاء. ويقول في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ إنما كويت هذه المواضع لأن الغني يعرض عن المسكين بوجهه، ثم بجنبيه، ثم بظهره، فعوقبت هذه المواضع بكيِّ النار لإعراضه عنه. ومنازعه -﵀- في أمثال هذا كثيرة- اهـ -ملخصًا من التشوف للتادلي.
قال ابن الزيات: وحدثني أبو الحسن الصنهاجي وغيره: أن رجلًا غنيًا يعرف بابن السكان دار عليه الزمان وافتقر، فحدّث أنه جاء لأبي العباس وعليه ثوب خلق تظهر منه عورته، فشكا إليه حالته، قال: فأخذ بيدي إلى أن خرج معي من باب تاغزوت، فجاء إلى مطهرة هناك فدخل فيها وتجرد من أثوابه وناداني وقال لي: خذ الثياب فأخذتها، وكان بعد العصر فأردت أن أدري ما يكون من أمره، فصعدت إلى حائط هناك إلى قرب الغروب، فإذا
[ ٧٤ ]
بفتى خرج من الباب على دابة معه رزمة ثياب، فلما رأيته نزلت إليه، وقال: أين الفقيه أبو العباس؟ فقلت: ها هو في الساقية عريان، فقال لي: امسك الدابة، فسمعت الفقيه يقول له: أين تلك الثياب؟ فأخذها منه وخرج، فلما رآني قال لي: ما لك هنا؟ قلت: يا سيدي خفت عليك فلم أقدر على الانصراف ونتركك، فقال لي: أفترى الذي فعلت ما فعلت يتركني؟ ثم سأل الفتى عن سبب وصوله إليه، فذكر له أن إحدى الكرائم أمرته أن يحمل إليه تلك الثياب وقالت له: لا تدفعها إلا للفقيه ولا يلبسها إلا هو، فهذه قصة صحيحة مشهورة- اهـ.
قال ابن الخطيب السماني: روضته بباب تاغزوت بمراكش غير حافلة البناء، ربما يتبرع متبرع باحتفالها فلا تساعده الأقدار، وزرتها فشاهدت داخلها أشياخًا من أهل التعفف والتصوف يسارقون خفي النظر إلى مساقط رحمات اللَّه عليها، لكثرة زائريها، فيلج ذو الحاجة بابها خالعًا نعليه مستحضرًا آنيته، ويقعد بإزاء القبر قعدة لذلك، ومن عجز عن النقدين تصدق بالطعام ونحوه، فإذا خف الزائر آخر النهار عمد القائم على التربة إلى ما أودع في تلك الأواني فقسمه على المحاويج الحافّين بها، ويحصون كل عشية ويعمهم الرزق المودع فيها، وإن قصر عنهم كملوه بها غده.
قال: وترافع خدام الروضة لقاضي البلد وتخاصموا في أمر ذلك الرزق المودع هناك، فسألهم القاضي عن خراج اليوم فقالوا: يحصل هذه الأيام بها اليوم الواحد ثمانمائة مثقال ذهب عين، وربما وصل في بعض الأيام ألف دينار فما فوق، فروضة هذا الولي ديوان اللَّه بالمغرب لا يحيى دخله ولا تحصى جباياته، فالتبر يسيل واللجن يفيض، وذو الحاجة كالطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا، يختص برحمته من يشاء، واللَّه ذو الفضل العظيم. قال: وأنا ممن جرب المنقول عن القبر فاطّرد القياس وتزيف الشبهة، وتعرفت من بدء زياراته ما تحققت به من بركته، وشهد على برهان دعوته- اهـ.
قلت: وإلى الآن ما زال الحال على ما كان عليه بها روضته من ازدحام الخلق عليها، وقضاء حوائجهم ولكن قل ذلك العطاء لفساد الزمان، وتقاصر
[ ٧٥ ]
أهله وبخلهم، ومع ذلك فما زالت بركته تعم قاصديه، من الفقراء والقاصدين، فلله الحمد. وقد زرته ما يزيد على نحو خمسمائة مرة، وبت هناك ما ينيف على ثلاثين ليلة، وشاهدت بركته في الأمور، فلله الحمد على ما يسر.
وقال الشيخ ابن الخطيب القسنطيني في رحلته: حضرت عند الحاج الورع الزاهد أبي العباس أحمد بن عاشر بسلا، وقد سأله أحد الفقراء عن كرامة الأولياء، فقال له: لا تنقطع الكرامة بالموت انظر إلى السبتي، يشير للشيني الفقيه العالم المحقق أبي العباس الدفون بمراكش، يلجأ بركته وما ظهر عند قبره من البركات في قضاء الحاجات بعقب الصدقات، قال: سمعت يهوديًا بمراكش يلجأ ببركته، وينادي باسمه في أمر أصابه، لا مع المسلمين. فسألته عن سببه فأخبر أنه وجد بركته في غير موطن، فسأله عمّ رأى له في وقت، فقال: وحق ما أنزل على موسى ما أذكر لك إلا ما اتفق لي، سرت ليلة مع قافلة في مفازة، فعرجت دابتي فما شككت في قتلي وسلبي، فجلست وبكيت وبيني وبين الناس بعد، وقلت يا سيدي أبا العباس خاطرك، قال لي: فواللَّه ما أتممت الكلام إلا وأهل القافلة وقفوا لأمر أصابهم، وجرت دابتي وخفّ عرجها ثم زال، واتصلت بالناس، فقلت له: لم لا تسلم؟ فقال: حتى يريد اللَّه تعالى، وعجبت من كون ذلك يهوديًا فهي شهادة من عدو في الدين.
ولقد سألت اللَّه في أشياء عند قبره منها أن أكون ممن يشتغل بالعلم ويوصف به، وأن ييسر عليّ فهم كتب عينتها فيسر اللَّه عليّ ذلك في أقرب مدة، وقبره له بركات وأنوار، وكان أهل مذهبه الحض على الصدقة، وكان أمره عجبًا من إجابة الدعاء، ونزول المطر، واختصاصه بمكان دون آخر، وقال لأصحابه: أنا القطب، تفقه على أبي عبد اللَّه الفخار، وكان آية في الناظرة، وأوذي باللسان كثيرًا جدًا، فيصفح ويتجاوز.
ورأى عبد الرحمن بن يوسف الحسني الشريف النبي -ﷺ- في النوم قال: فقلت: يا رسول اللَّه ما تقول في السبتي؟ وكنت سيئ الاعتقاد فيه، فقال لي بعد أن تبسم: هو من السباق. وقلت: بيّن لي يا رسول اللَّه، قال:
[ ٧٦ ]
هو ممن يمر على الصراط كالبرق. قال فخرجت بعد الصبح فلقيت أبا العباس فقال لي: ما رأيت وما سمعت؟ واللَّه لا تركتك حتى تعرفني، فعرفته فصاح: لكلمة الصفا من المصطفى. وتوفى سنة إحدى وستمائة، وولادته بسبتة عام أربعة وعشرين وخمسمائة- اهـ. وكذا ذكر التادلي ولادته وموته -نفعنا اللَّه به آمين.