كان أبوه محترفًا بالبناء وطلب هو العلم، فوصل فيه الغاية القصوى،
_________________
(١) (*) في الإحاطة ١/ ١٥٦ والكتيبة: ١٠٣ وقد اقتضى نقد ابن الخطيب حذف البيت الأخير، وله في ذلك وجه مقبول.
(٢) كذا في الأصل المطبوع. ولعلها: الأبهة.
(٣) كذا في الأصل المطبوع وهو خطأ، والصواب: رُنْدَه. كما جاء في تاريخ قضاة الأندلس.
(٤) انظر الدرر الكامنة ١: ٢٧٨، جذوة الإقتباس ١٤٩ - ١٥٢، الأعلام ١: ٢٢٢، دائرة المعارف الإسلامية ١: ١٠٢، البدر الطالع ١/ ١٠٨ - ١٠٩، هدية العارفين ٥/ ١٠٤ شجرة النور الزكية ١/ ٢١٦، إيضاح المكنون ١/ ١٦١/ ١٦٧.
[ ٨٣ ]
حتى قال فيه الإمام ابن رشيد، وهو من هو: لم أر عالمًا بالمغرب إلّا رجلين: ابن البنا العددي المراكشي، وابن الشاط بسبتة- اهـ.
نقله أبو زكريا السراج في فهرسته في ترجمة شيخه الرعيني عنه عن ابن رشيد وقال غيره: كان إمامًا معظمًا عند الملوك، أخذ من علوم الشريعة حظًا وافرًا، وبلغ في العلوم القديمة غاية قصوى ورتبة عليا، قال تلميذه أبو زيد عبد الرحمن اللجاني: كان شيخنا وقورًا حسن السيرة قوي العقل، مهذبًا فاضلًا حسن الهيئة، معتدل القد أبيفض رفيع الثياب، ويأكل طيب المآكل، يديم السلام على من لقيه، ما تحدث معه أحد إلا انصرف عنه راضيًا، محبوبًا عند العلماء والصلحاء، حريصًا على الإفادة بما عنده، قليل الكلام جدًا، لا يتكلم بهذرٍ ولا بما يخرج عن مسائل العلم، وإذا تكلم في مجلس سكت لكلامه جميع من فيه، محققًا في كلامه قليل الخطأ. وقال ابن شاطر: كان ينظر في النجوم وعلوم السنة مشتغلًا بها، أخذ في الطريقتين بالحظ الوافر، يلازم الولي أبا زيد الهزميري، ودخل في طريقته فأعطاه ذكرًا من الأذكار، ودخل به الخلوة نحو سنة ودعا له وقال له: مكّنك اللَّه من علوم السماء كما مكنك من علوم الأرض، فأراه ليلة وهو متيقظ (١) دائرة الفلك مشاهدة حتى عاين مجرى الشمس فوجد في نفسه هولًا عطيمًا فسمع الشيخ أبا زيد يقول: اثبت يا ابن البنا حتى رأى ما رأى مستوفيًا، قال له الهزميري: إن اللَّه تعالى قد فتح لك فيما أراك، فأخذ من وقته في علم الهيئة والنجوم حتى أدرك منه الغاية.
وكان يستعمل الصوم والخلوة طلبًا لتصفح (٢) أمر الفلك يدوم فيها أيامًا فرأى بين يديه في صلاة يصليها صورة قبة نحاس مصنوعة لم ير مثلها في عالم الحس، والقبة محبوسة في الهواء وفي داخلها شخص يتعبد، فهاله ذلك ولم يثبت لما رأى من صور مفزعة حُفَّت بها وأصوات هائلة تناديه: أن ادْنُ مِنّا يا ابن البنا، فلم يقدر على الثبات فأغمي عليه وبلغ خبره الشيخ أبا زيد، فجاء ومسح على صدره ورأسه وأزال عنه ما صنع له من الدواء ورجع في الحين إلى
_________________
(١) مستيقظ، كذا في الجذوة.
(٢) كذا في الطبعة المصرية. وفي جذوة الإقتباس: لتصحيح.
[ ٨٤ ]
حسّه، فقال له الشيخ أبو زيد: أنا كنت ذلك الرجل الذي في القبة وأُمِرْتُ أن أخبرَك في ذلك المقام فلم تَقْدِرْ وها أنَا أمرت أن أخبرك به في عالم الحس، ثم أخبره بما طلب، قال ابن شاطر: كنت قاعدًا معه بمراكش فإذا رجل جاء إليه وقال له يا سيدي: توفى والدي وهو متهم (١) بالمال ولم يترك لي شيئًا، وقيل لي: ماله مدفون بداره فنحب (٢) خاطرك معي لوجه اللَّه تعالى، فنظر الشيخ برهة في نفسه فقال للرجل: صوِّر لي صورة الدار في الرمل، فصوَّرَها ثم أمره أن يزيل صورتها فأزالها، فأمره بإعادتها ثانيًا ففعل، ثم هكذا ثلاثًا. فقال له: إنّ مالك في هذا الموضع منها، فانصرف الرجل وبحث في الموضع فوجد به المال كما ذكر.
ويذكر أن السلطان أبا سعيد المريني سأله عن زمن موته فأجابه أن موته عند اشتغاله ببناء موضع في قبلة تازا فكان كذلك. وأخباره في هذا المعنى كثيرة.
قرأ القرآن بمراكش على أبي عبد اللَّه بن يسر (٣)، والعربية على القاضي الشريف محمد بن علي بن يحيى، قرأ عليه بعض الكتب (٤) ولازمه وذاكره مسائل من كتاب الأركان لأوقليوس (٥)، وقرأ جميع كتاب سيبويه، والكراسة (٦) على أبي إسحاق الصنهاجي العطار، وأخذ العرض (٧) والفرائض على أبي بكر القلاوسي، وأخذ الحديث عن أبي عبد اللَّه وأخيه، ولقي محمد بن عبد اللَّه، قرأ عليه الموطأ وعروض ابن السقاط، وتأدّب به في عقود الوثائق، وانتفع به كثيرًا وتفقه على أبي عمران موسى الزناتي قرأ عليه شرحه على الموطأ، وعلى أبي
_________________
(١) كذا. ولعلها: مهتم.
(٢) كذا!
(٣) في جذوة الإقتباس: أبو عبد اللَّه بن مبشر.
(٤) في الجذوة: بعض الكتاب. ولعله كتاب سيبويه.
(٥) لاقليدس. كذا في الجذوة.
(٦) يعني كراسة الجزولي.
(٧) الصواب: العروض. كما في الجذوة.
[ ٨٥ ]
الحسين المغيلي القاضي (إرشاد أبي المعالي) وعلى أبي الوليد ابن حجاج (المعيار (١) والمستصفى) وهما لأبي حامد، وفرائض الحوفي، وتفقه عليه في التهذيب، وأخذ علم السنن على قاضي الجماعة بفاس أبي الحجاج يوسف التجيبي المكناسي، وأبي يوسف يعقوب الجزولي، وأبي محمد الفشتالي، وأخذ علم الطب عن الحكيم ابن حجلة وعلم النجوم عن أبي عبد اللَّه بن مخلوف السجلماسي.
وألف كثيرًا كتفسير الباء من البسملة وجزء صغير على سورتي إنا أعطيناك الكوثر والعصر (وعنوان الدليل برسوم (٢) خط التنزيل) وحاشية على الكشاف وكتاب آخر في ضحى (٣) (ملاك التأويل) و(الاقتضاب والتقريب للطالب اللبيب) بها أصول الدين، و(منتهى السول في علم الأصول) (وتنبيه الفهوم على مدارك العلوم)، (وشرح تنقيح القرافي)، وكليات (٤) في المنطق وشرحها، وجزء في الجدول وشرحه، ورسالة في الرد على مسائل مختلفة، فقهية ونجومية، وله الرد على من يقول: إن وقتنا يُعلم بوقوع قرص الشمس على بصائر (٥) القائم مقابلًا لها، وبيّن أنه لا يصح في بلد دون بلد ولا زمن دون زمن، وكليات في العربية و(الروض المريع في صناعة البديع) و(مراسم الطريقة في علم الحقيقة) وشرحه، تأليفان لم يسبق بمثلهما، و(عواطف المعارف) وكتاب (علم الفرائض) وكتاب (الفصول بها الفرائض) وشرح مسائل الحوفي، ومقالة في الإقرار والإنكار، ومقالة أخرى في المدبر والتلخيص في الحساب وشرحه (رفع الحجاب) ومقدمة في أوقليوس (٦)، والمقالات الأربع والقوانين والأصول والمقدمات، وجزء في ذوات الأسماء والمنفصلات، وجزء في العمل بالرومي، والاقتضاب، ومقالة في المكاييل
_________________
(١) معيار العلم في المنطق.
(٢) في جذوة الإقتباس: من مرسوم خط التنزيل.
(٣) في الجذوة: منحى.
(٤) الكليات. كذا في الجذوة.
(٥) في جذوة الإقتباس: بصر القائم.
(٦) في الجذوة: وله مقدمة على اقليدس.
[ ٨٦ ]
الشرعية، وجزء في الساحات، و(منهاج الطالب في تعديل الكواكب) و(المستطيل)، وتأليف في أحكام النجوم، ومقالة في علم الأسطرلاب، ورسالة العمل بالصفيحة الشكازية وبالزرقالية، ورسالة في الجهات وبيان القبلة والنهي عن تغييرها، وجزء في الأنواء فيه صور الكواكب واختصار في الفلاحة، ومقالة في الحملاء الستة بجدول، وقانون في معرفة الأوقات بالحساب، وقانون في فصول السنة، وقانون في ترحيل الشمس، ومقالة في عيوب الشعر، وقانون في معرفة الشعر (١)، وقانون في الفرق بين الحكمة والشعر، ومقالة شرح فيها لغز عمر بن الفارض، ورسالة في ذكر العلوم الثمانية، وكتاب تسمية الحروف وخاصية وجودها في أوائل سور القرآن، ورسالة في طبائع الحروف، ورسالة في إحصاء أعداد أسماء اللَّه الحسنى، ورسالة في الفرق بين الخوارق الثلاثة: المعجز والكرامة والسحر، وموضوع في صناعة الأوفاق، ورسالة في المناسبات (٢)، وكلام على العزائم والرقي، وكلام في عمل الطلّسمات، وكلام على الزجر والفأل والكهانة، وكلام على خط الرمل.
مولده بمراكش تاسع ذي الحجة عام أربعة وخمسين، وقال ابن زكريا، نقلًا عن شيخه أبي جعفر بن صفوان: وصل شيخنا ابن البنا في علم الهيئة والنجوم غاية لم يلحقها أحد من أهل زمانه، مع اتصافه بطهارة الاعتقاد واعتبار السنة. قال ابن زكريا: مولده عام تسعة وأربعين، توفي سنة أربعة وعشرين وسبعمائة- اهـ.
وذكر ابن الخطيب القسنطيني أن وفاته عام إحدى وعشرين وسبعمائة.
ثم رأيت في فهرست الحضرمي بخطه ما نصه: أبو العباس اثنان متقاربان طبقة هما من شيوخ شيوخنا، أحدهما هذا له تصانيف عديدة في غير فن، والثاني يشاركه اسمًا وكنية وشهرة وطلبًا وسكنى مراكش، وهو القاضي أبو
_________________
(١) غير موجود في جذوة الإقتباس ولعله الكتاب الأول نفسه.
(٢) رسالة في المتباينات. كذا فى الجذوة.
[ ٨٧ ]
العباس أحمد بن محمد المالقي قاضي أغمات، توفى بمراكش عام أربعة وعشرين وسبعمائة، ومولده لسبعة وأربعين وستمائة. ورأيت بخط شيخنا أبي البركات أنه رأى في بعض التقاييد أن الأستاذ أبا العباس ابن البنا المراكشي توفى في سادس رجب عام أحد وعشرين وسبعمائة، فلا أدري هو هذا أو مشاركه فيما ذكر، وقيل: مولده عام تسعة وثلاثين، والأول أصح، وكان أبو العباس هذا وقورًا صموتًا متواضعًا فاضلًا متفننًا في العلوم، مصنفًا في أنواعها حسن الإلقاء لها، ولي تقييد في سيره وأخباره.
وثم ابن البناء الكاتب المشهور الوجيه الشبيلي، وهو أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الرحمن العبيدي، له مكان معروف عند ولاة اشبيلية، مع براعة الكتابة وحسن الخط وجودة الضبط، توفي بسبتة خامس شوال سنة ست وأربعين وستمائة- اهـ -كلام الحضرمي ولفظه.
ابن الخطيب القسنطيني: كان شيخ شيوخنا الشيخ الصالح أبو العباس ابن البنا العددي المتوفى عام إحدى وعشرين، يقصد أبا زيد الهزميري في مشكلات السائل من هندسة وغيرها. قال: وأجد الزحام عليه فأسمع جوابي في طرف الحلقة وأنصرف بلا سؤال. وحدثني غير واحد من الأعلام أن انتفاعه في علومه ومنزلته دينًا ودنيًا إنما كان من بركة الهزميري، لأنه بلغ النهاية في دينه.
وحدثني قاضي الجماعة بمراكش أبو زيد المعروف، طالب عافية: أنه أراد قراءة العروض عليه وشك في معرفته إياه قال: فدخلت عليه وهو في الحلقة وأنا قلق من ذلك فسمعته رافعًا صوته وهو يقول مثل قول العروضيين كذا وتكلم في العروض، فعلمت أنه معي.
وحدثني القاضي أبو محمد اللوربي قال: خرج أبو عبد اللَّه الكومي المراكشي وهو من الفضلاء المشهورين بالخير والصلاح بمراكش لزيارة الفقيه البقوري صاحب إكمال الإكمال قال: فوجدته بين كتبه وعليه مرقعة والأعراق (١)
_________________
(١) يريد جمع (عَرَق). وهو خطأ. لأن (عَرَق) اسم جمع ليس له واحد من لفظه.
[ ٨٨ ]
تقطر من جبينه من شدة الحرّ، ثم أخرج لي خبز شعير غير منخول وملحًا جريشًا، ثم خرجت من عنده فتركته جالسًا على التراب إذ لم يكن عنده ما يفترش، ولا ما يتخفف به من فيح الحر، ثم قصدت زيارة ابن البنا بالريحانة أو قال بدرب الريحانة، فلما نقرت الباب وإذا (١) بجارية خماسية قالت لي: من تكون؟ قلت لها: قولي الشيخ الكومي، فأعلمته فأذن لي بالدخول عنده فوجدته في قبة رياضه التي أحدثها بمراكش عليه ثوب كتان من عمل تونس، وفي القبة مخايد (٢) وعليها حجاب حسن، فسلمت عليه وجلست فأشار للخادم فأتى بآنية سكّر وأخرى بطيخ فقال لي: ادنُ فقلت في نفسي سبحان اللَّه كيف تركت البقوري وكيف وجدت هذا؟ فقال لي: اسكت ودع الفضول، لو كان البقوري في مقامي هذا وأنا في مقامه لاختل حال كل واحد منا، وحدثني بهذه الحكاية شيخنا أبو العباس الشماع المراكشي- اهـ -ملخصًا.
وذكر ابن الأحمر أنه توفى سنة إحدى وعشرين، ومن نظمه كما ذكر أبو عبد اللَّه الحضرمي عن شيوخه عنه قوله:
قَصَدْتُ إلى الوَجَازَةِ في كلامي لعلمي بالصوابِ في الاختصارِ
ولم أحذر فُهُومًا دونَ فهمي ولكنْ خِفْتُ إزراءَ الكِبَارِ
فشأنُ فحولةِ العلماءِ شأني وشأنُ البَسْطِ تعليمُ الصغارِ
فائدة:
قال بعض المغربيين: القراءة تصحيح المتن وتبين ما أشكل وتتميم ما نقص، وما زاد عليه فضرره على المتعلم أكثر من نفعه- اهـ.
من الفهرست الحضرمية: رأيت في بعض التقاييد أن من كرامات صاحب الترجمة أن خديمه عدا عليه شرطي فضربه فقتله، فلما رأى ذلك عمل ما عمل من هندسته فإذا بالشرطي مصروعًا قتيلًا. فأُخرجا معًا في ساعةٍ واحدة، وقد بلغ الغاية في دينه ودنياه النهاية، رحمه اللَّه تعالى، ومن تآليفه
_________________
(١) كذا في الطبعة المصرية. والصواب: فإذا وهي للفجاءة.
(٢) يريد جمع مخَدّة وهو خطأ والصواب: مخادٌ. أما الوسادة فتجمع على وسائد ووسادات.
[ ٨٩ ]
-غير ما تقدم- مختصر الاحياء للغزالي، أخبرنا به صاحبنا الحاج الفرضي أحمد بن أبي العافية المكناسي، قاضى سلا -حفظه اللَّه تعالى- وله تأليف في الحساب وغيره.