انتهت إليه رياسة التدريس والفتوى في أقطار المغرب كلها، ترد عليه أسئلة من تلمسان وبلاد افريقيا كلها، شرح التلقن لعبد الوهاب في عشرة أسفار فضاع الشرح في حصار تلمسان، وما زال السلطان يغمر اسن يخطبه للورود على تلمسان فيمتنع بل يرد زائرًا ويقيم أشهرًا وينصرف إلى تنس. ثم لما كان شأن مغراوة رحل لتلمسان فطلب منه الفقهاء والسلطان القيام بها، فأجابهم فاستوطنها ودرّس بها وانتفع به خلق لا يحصون، وإليه الرحلة شرقًا وغربًا، وكان من أولياء اللَّه الجامعين بين علمي الباطن والظاهر، ومن تلاميذه الشيخ أبو عبد اللَّه بن الحاج صاحب المدخل وله كرامات كثيرة منها: ما حدَّث به ابن القطان عنه أنه قال: لما دخلت إلى مكة وطفت بالبيت ذكرت قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (سورة آل عمران، الآية ٩٧) فقلت في نفسي تعارضت الأقوال واختلفوا في معنى الأمن، فصرت أكرر وأقول: آمنًا آمنًا من ماذا؟ فسمعت صوتًا خلف ظهري آمنًا من النار يا إبراهيم ثلاث مرات أو مرتين. قال ابن الحاج: ورحم اللَّه شيخنا أبا إسحاق التنسي من ورعه أنَّا مضينا معه في قرى مصر فأصابنا عطش شديد فأدركنا بعض تلاميذه بلبن مشوب بسكر فامتنع من شربه فقلت له: كيف يا سيدي تتركه وأنت في غاية الحاجة إليه؟ فقال: خفت أن يكون فعله جزاء القراءة عليّ فتركته لذلك خوفًا أن ينقص من أجري، وردّ له الإناء- اهـ.
لقي في رحلته أعلامًا بمصر والشام وروى عن ابن كحيلي وناصر الدين المشذالي، وقرأ بتونس على جماعة وبالقاهرة (المحصول) على الشمس
_________________
(١) انظر ترجمته في: شجرة النور الزكية ٢١٨، البستان لابن مريم ٦٦، أزهار الرياض ٢: ٣٢٢، الرحلة المغربية للعبدري ١٣، والمسند الحسن أ ١٢١ ب ١٢١.
[ ٣٨ ]
الأصبهاني، والمنطق والجدل على القرافي، وحضر على السيف الحنفي (الإرشاد) للعميري حتى ختمه ولم يتكلم بكلمة، فلما أعادوا قراءته فأول ما قرر به السيف الحنفي كلام المصنف. قال الشيخ أبو إسحاق: عندي تقريركم لهذا الموضع بغير هذا، فطلب منه تقريره فقرره ثم أحضر لهم غدًا تقييدًا قيده على الشيخ في المرة الأولى فأمر الشيخ بقراءته، فقرئ عليه حتى ختم واستحسنه كلّ من حضر، وهو الشرح الآن الموجود بين الناس ينسبه بعضهم للسيف، وتوفي -﵀- بتلمسان -كذا وجدت هذه الترجمة في بعض المجاميع.
قلت: وذكره الشيخ أبو عبد اللَّه العبدري الحاجي في رحلته فقال: كان الشيخ أبو إسحاق التنسي وأخوه فقيهين مشاركين في العلم مع مروءة تامة ودين متين، وأبو إسحاق أسنّهما وأسناهما وهو ذو صلاح وخير، وكان شيخنا الزين بن المنير -حفظه اللَّه- يثني عليه خيرًا كثيرًا. وسألني عن الغرب فذكرت له قلة رغبة أهله في العلم فقال لي بلاد فيها مثل أبي إسحاق التنسي ما خلت من العلم، ولقيتهما بمصر وكان أبو الحسن لم يحج فحج معنا، فلقيت منه خيرًا فاضلًا. لازم شيخنا أبا الفتح بن دقيق العيد بمصر مدة وأخذ عنه كثيرًا- اهـ ملخصًا (١).