الإمام الحافظ العلامة الصالح الزاهد، أحد محققي المتأخرين من الحفاظ المشهورين بالدين والصلاح والتقدم في العلوم، تولى الفتيا بفاس، وله فتاوى مشهورة مجموعة وقفت عليها، وهو أول من نقل الونشريسي عنه في المعيار، ذكره في الإحاطة ولم يوفه حقه فقال: من صدور عدول فاس فقيه نبيه جيد النظر سديد الفهم، ولي قضاء جبل الفتح، متصفًا بجزالة ودخل غرناطة عام اثنين وستين موجهًا من قبل السلطان أبي القاسم (٢)، ثم رفض التمعش (٣) من الشهادة وتنسك على عادة الفضلاء- اهـ.
وعلى هذا القدر اقتصر في الديباج. وقال ابن الخطيب القسنطيني: شيخنا الفقيه الحافظ الصالح الفتي الحاج أبو العباس، وحضرت مجلسه في
_________________
(١) (*) ديوان ابن خاتمة: ١٨٦ وقافية البيت الثالث فيه (مستقل) وما هنا أوضح معنى.
(٢) انظر شجرة النور الزكية ص ٢٣٥، معجم المؤلفين ٢: ٤٩، جذوة الإقتباس ١٢٣، ألف سنة من الوفيات، ٨٥، ١٢٨، كتاب الوفيات ٣٧٢، الإحاطة ١/ ١٨٧ وفيها: أن اسمه أحمد بن أبي القاسم، الحلل السندسية ١/ ٣/ ٦٥٥.
(٣) كذا في الطبعة المصرية وهو خطأ والصواب كما في الإحاطة: سلطان المغرب أبي سالم ابن أبي الحسن.
(٤) كذا وهو خطأ والصواب في الإحاطة: العيش.
[ ١٠٢ ]
الحديث والفقه وأصول الدين، وتوفى سنة تسع وسبعين وسبعمائة. هكذا في رحلته، وزاد في وفياته شيخنا الفقيه المحقق، له شرح حسن على قواعد عياض وشرح بيوع ابن جماعة، لازمت درسه بفاس في الحديث والفقه والأصولين (١) - اهـ.
أخذ عن الحافظ السطي وأبي الحسن بن فرحون المدني والقاضي الفشتالي، وعنه الإمام الشاطبي، والصالح عمر الرجراجي وغيرهم، وذكره صاحب المنهل في مناقب الأربعين الصلحاء من الطبقة الثانية فقال: الإمام العالم العامل ذو العقل الكامل والطبع الفاضل التائب المتقي ثم الفقيه المفتي، نخبة الأقران والأتراب الحاج المبرور أحمد القبّاب، ممن عرف بالدين والفضل وعدّ في طبقة العلماء العاملين، حسنت توبته وبانت فضيلته، رحل وحجَّ ولقي فضلاء أهل العلم والفضل والصلاح وانتفع بهم، سيرته سيرة أكابر متقدمي الفضلاء من الدأب على العلم قراءة وتكسب الطيب، مع التقشف وترك الدنيا والتواضع للخاصة والعامة، مع خفض جناح الرحمة للضعفاء، لقي سيدي أحمد ابن عاشر وأمثاله وتبرك بهم ومازال على حالته- اهـ.
ومن تأليفه اختصار (أحكام النظر) لابن القطان أسقط فيه الدلائل والاحتجاج وشرحه على القواعد في غاية الإتقان، وله مباحث مشهورة مع الإمام الشاطبي في مسألة مراعاة الخلاف في المذهب أحسن فيها غاية (الإحسان) (٢)، ونقل عنه البرزلي في ديوانه، ووصفه بالعلم والصلاح، ويذكر أنه لما حجّ اجتمع في تونس بابن عرفة، فأوقفه ابن عرفة على ما كتب من مختصره الفقهي وقد شرع في تأليفه، فقال له صاحب الترجمة: ما صنعت شيئًا، فقال له ابن عرفة: ولم؟ قال لأنه لا يفهمه المبتدئ ولا يحتاج إليه المنتهي، فتغير وجه الشيخ ابن عرفة، ثم ألقى على صاحب الترجمة مسائل فأجابه عنها، ويقال: إنّ كلامه هذا هو الحامل لابن عرفة على أن بَسَطَ العبارة في أواخر المختصر ولين الاختصار واللَّه أعلم.
_________________
(١) كذا. وفي كتاب الوفيات لابن الخطيب ص ٣٧٢: والأصلين.
(٢) الزيادة من عندنا ليستقيم الكلام.
[ ١٠٣ ]
وتقدم في ترجمة الإمام الشاطبي ما نقل عنه أنه كان يقول: إن بشير وابن شاش وابن الحاجب أفسدوا الفقه، وإنما يأمر أصحابه بالتحامي عنهم. قلت: وكأنه يعني بذلك، واللَّه أعلم، أن الأخيرين أدخلا جملة مسائل من وجيز الغزالي في المذهب، مع أنها مخالفة له كما نبّه عليه الناس، والأول بنى فروعًا على قواعد أصولية وأدخلها في المذهب، مع مخالفته لها، كما نبه عليه في الديباجٍ وفي ترجمته. وبالجملة فالقبّاب من أكابر علماء المذهب حفظًا وتحقيقًا وتقدمًا وجلالةً. ووقع بينه وبين الإمام سعيد العقباتي مناظرة بل مناظرات ومراجعات في مسائل جمعها العقباني وسماها (لباب اللباب في مناظرة القبّاب).