إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول تكين الصولي، الشاعر المشهور؛ كان أحد الشعراء المجيدين، وله ديوان شعر كله نخب، وهو صغير، ومن رقيق شعره:
دنت بأناس عن تناءٍ زيارة وشط بليلى عن دنو مزارها (٢)
وإن مقيمات بمنعرج اللوى لأقرب من ليلى وهاتيك دارها وله نثر بديع، فمن ذلك ما كتبه (٣) عن أمير المؤمنين، إلى بعض البغاة الخارجين يتهددهم ويتوعدهم، وهو أما بعد، فإن لأمير المؤمنين أناة، فإن لم تغن عقب بعدها وعيدًا، فإن لم يغن أغنت عزائمه، والسلام وهذا الكلام مع وجازته في غاية الإبداع، فإنه ينشأ منه بيت شعر له أوله:
أناة فإن لم تغن عقب بعدها وعيدًا فإن لم يغن أغنت عزائمه وكان يقول: ما اتكلت في مكاتبتي قط إلا على ما يجلبه خاطري ويجيش به صدري، إلا قولي: وصار ما يحرزهم يبرزهم، وما كان يعقلهم يعتقلهم، وقولي في رسالة أخرى: " فأنزلوه من معقل إلى عقال، وبدلوه آجالًا من آمال " فإني ألممت بقولي " آجالا من آمال " بقول مسلم بن الوليد الأنصاري، المعروف بصريع الغواني، وهو (٤):
_________________
(١) ترجمة إبراهيم الصولي في معجم الأدباء ١: ١٦٤ وتاريخ بغداد ٦: ١١٧ والأغاني ١٠: ٤٢ واعتاب الكتاب: ١٤٦، وله ديوان نشره العلامة الميمني في الطرائف الأدبية ١٢٦ - ١٩٤.
(٢) ديوانه: ١٤٥.
(٣) د: كتب به.
(٤) ديوان مسلم: ٩.
[ ١ / ٤٤ ]
موف على مهج في يوم ذي رهج كأنه أجل يسعى إلى أمل (١) وفي المعقل والعقال بقول أبي تمام (٢):
فإن باشر الإصحار فالبيض والقنا قراه، وأحواض المنايا مناهله (٣)
وإن يبن حيطانا عليه فإنما أولئك عقالاته لا معاقله (٤)
وإلا فأعلمه بأنك ساخط عليه فإن الخوف لاشك قاتله وهو ابن أخت العباس بن الأحنف الحنفي الشاعر المشهور.
ونسبته إلى جده صول المذكور، وكان أحد ملوك جرجان، وأسلم على يد يزيد بن المهلب بن أبي صفرة، وقال الحافظ أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي في " تاريخ جرجان (٥) ": الصولي جرجاني الأصل، وصول من بعض ضياع جرجان، ويقال لها جول (٦)، وهو عم والد أبي بكر محمد بن يحيى بن عبد الله بن العباس الصولي، صاحب كتاب الوزراء وغيره من المصنفات، فإنهما يجتمعان في العباس المذكور.
وقد ذكره أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح في كتاب الورقة فقال (٧): إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول، بغدادى أصله من خراسان، يكنى أبا إسحاق، أشعر نظرائه الكتاب وأرقهم لسانًا، وأشعاره قصار ثلاثة أبيات ونحوها إلى العشرة، وهو أنعت الناس للزمان وأهله غير مدافع، وأصله تركي، وكان صول وفيروز وأخوين ملكا جرجان، تركيان، تمجسا وصارا أشباه الفرس، فلما حضر يزيد بن المهلب بن أبي صفرة جرجان أمنهما، فلم يزل
_________________
(١) يقول: يوفي على المهج بالقتل؛ والرهج: الغبار، أي يوم الحرب.
(٢) ديوانه ٣: ٢٨.
(٣) الإصحار: البروز إلى الصحراء.
(٤) العقال: داء يعرض للخيل يعوقها عن الجري؛ المعاقل: الحصون وأصله من امتناع الرعول في الجبال، يقال: عقل الوعل إذا حصل في موضع عال لا يوصل إليه فيه.
(٥) أ: خراسان؛ وهو خطأ.
(٦) ج د: جون.
(٧) لم ترد له ترجمة في كتاب الورقة المطبوع.
[ ١ / ٤٥ ]
صول معه، وأسلم على يده حتى قتل معه يوم العقر.
وكان أبو عمارة محمد بن صول أحد جلة الدعاة، وقتله عبد الله بن علي العباسي، عم السفاح والمنصور، لما خلع مع مقاتل بن حكيم العكي وغيره.
واتصل إبراهيم وأخوه عبد الله بذي الرياستين الفضل بن سهل، ثم تنقل في أعمال السلطان ودواوينه إلى أن توفي وهو يتقلد ديوان الضياع والنفقات بسر من رأى للنصف من شعبان سنة ثلاث وأربعين ومائتين.
قال دعبل بن علي الخزاعي: لو تكسب إبراهيم بن العباس بالشعر لتركنا في غير شيء، هذا آخر ما نقلته من كتاب الورقة.
وقد وقفت على ديوانه، ونقلت منه أشياء، منها قوله، وهذان البيتان يوجدان في ديوان مسلم بن الوليد الأنصاري، والله أعلم (١):
لا يمنعنك خفض العيش في دعة نزوع نفس إلى أهل وأوطان
تلقى بكل بلاد إن حللت بها أهلًا بأهل وجيرانًا بجيران وله - ويقال: إنه ما رددهما من نزلت به نازلة إلا فرج الله تعالى عنه -:
ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعًا وعند الله منها المخرج (٢)
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكان يظنها لا تفرج ومن شعره:
أولى البرية طرًا أن تواسيه عند السرور الذي واساك في الحزن
إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا من كان يألفهم في المنزل الخشن وله - ويقال: إنه كتبها إلى محمد بن عبد الملك الزيات، وزير المعتصم -:
وكنت أخي بإخاء الزمان فلما نبا صرت حربا عوانا
وكنت أذم إليك الزمان فأصبحت منك أذم الزمانا
_________________
(١) هذه القطعة وما يليها في ديوان الصولي: ١٥١، ١٧١، ١٧٧، ١٦٦، ١٦٩ (وينسبان لغيره)، ١٨٥ (وهما في شرح التبريزي ٣: ١١٥ دون عزو)؛ وانظر المرزوقي: ١٢٢٠.
(٢) ب هـ والديوان: مخرج.
[ ١ / ٤٦ ]
وكنت أعدك للنائبات فها أنا أطلب منك الأمانا وله أيضًا:
كنت السواد لمقلتي فبكى عليك الناظر
من شاء بعدك فليمت فعليك كنت أحاذر وأورد له أبو تمام الطائي في كتاب الحماسة في باب النسيب:
ونبئت ليلى أرسلت بشفاعة إلي، فهلا نفس ليلى شفيعها
أأكرم من ليلى علي فتبتغي به الجاه أم كنت امرءًا لا أطيعها وله كل مقطوع بديع، والاختصار أولى بالمختصر.
وسيأتي ذكر ابن أخيه بن يحيى الصولي في المحمدين، إن شاء الله تعالى.
توفي إبراهيم الصولي المذكور منتصف شعبان سنة ثلاث وأربعين ومائتين بسر من رأى، رحمه الله تعالى.
١٢ - (١)