أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن احمد بن غالب بن زيدون المخزومي الندلسيالقرطبي الشاعر المشهور؛ قال ابن بسام صاحب الذخيرة في حقه: كان أبو الوليد غاية منثور ومنظوم، وخاتمة شعراء بني مخزوم. أخذ من حر الأيام حرًا (٣)، وفاق الأنام طرًا، وصرف السلطان نفعًا وضرًا، ووسع البيان نظمًا ونثرًا. إلى اديب ليس للبحر تدفقه، ولا للبدر تألقه. وشعر ليس للسحر بيانه، ولا للنجوم الزهر اقترانه. وحظ من النثر غريب المياني، شعري الألفاظ والمعاني. وكان من أبناء وجوه الفقهاء بقرطبة، وبرع أدبه،
_________________
(١) يقول الدكتور مكي (مقدمة الديوان: ٢٩): أكثر الباحثين على أنها (أي قسطلة) القرية الداخلة اليوم في حدود البرتغال وتسمى Cacella من أعمال منطقة الغرب (Algrve) وتقع على ساحل المحيط الأطلسي بين الحدود الإسبانية ومدينة طبيرة (Tavira)؛ وهذا تصحيح لرأي ابن سعيد الجغرافي الأندلسي الذي عدها من منطقة جيان؛ غير أن الدكتور المحقق يميل إلى رأي ابن سعيد.
(٢) لابن زيدون ترجمة في الذخيرة ١/١: ٢٨٩ والقلائد: ٧٠ والمغرب ١: ٦٣ والجذوة: ١٢١ والمطرب: ١٦٤ واعتاب الكتاب: ٢٠٧ والوافي ٧، الورقة: ٤٢ وقد نشر ديوانه عدة مرات آخرها بتحقيق الدكتور علي عبد العظيم (القاهرة: ١٩٥٧) وله في نفح الطيب أخبار وأشعار كثيرة.
(٣) الذخيرة: أحد من جر الأيام جرًا.
[ ١ / ١٣٩ ]
وجاد شعره، وعلا شأنه، وانطلق لسانه. ثم انتقل عن قرطبة إلى المعتضد عباد صاحب إشبيلية في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، فجعله من خواصه: يجالسه في خلواته، ويركن إلى إشاراته. وكان معه في صورة وزير. وذكر له شيئًا كثيرًا من الرسائل والنظم، فمن ذلك قوله:
بيني وبينك ما لو شئت لم يضع سر إذا ذاعت الأسرار لم يذع
يا بائعًا حظه مني، ولو بذلت لي الحياة بحظي منه لم أبع
يكفيك أنك إن حملت قلبي ما لا تستطيع قلوب الناس يستطع
ته أحتمل واستطل أصبر وعز أهن وول أقبل وقل أسمع ومر أطع ومن شعره أيضًا:
ودع الصبر محب ودعك ذائع من سرع ما استودعك
يقرع السن على أن لم يكن زاد في تلك الخطا إذ شيعك
يا أخا البدر سناء وسنًا حفظ الله زمانًا أطلعك
إن يطل بعدك ليلي فلكم بت أشكو قصر الليل معك وله القصائد الطنانة، ولولا خوف الإطالة لذكرت بعضها.
ومن بديع قلائده قصيدته النونية التي منها:
نكاد حين تناجيكم ضمائرنا يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
حالت لبعدكم (١) أيامنا فغدت سودا وكانت بكم بيضًا ليالينا
بالأمس كناوما يخشى تفرقنا واليوم نحن وما يرجى تلاقينا وهي طويلة، وكل أبياتها نخب، والتطويل يخرج بنا عن المقصود.
وكانت وفاته في صدر رجب سنة ثلاث وستين وأربعمائة بمدينة إشبيلية، رحمه الله تعالى، ودفن بها.
_________________
(١) أج: لفقدكم.
[ ١ / ١٤٠ ]
(٤) وذكر ابن بشكوال في كتاب " الصلة " (١) أباه وأثنى عليه، وقال: كان يكنى أبا بكر. وتوفي بالبيرة سنة خمس وأربعمائة، وسيق إلى قرطبة فدفن بها يوم الاثنين لست خلون من شهر ربيع الآخر من السنة. وكانت ولادته سنة أربع وخمسين وثلثمائة. وكان يخضب بالسواد، رحمه الله تعالى.
(٥) وكان لأبي الوليد المذور ابن يقال له أبو بكر (٢)، وتولى وزارة المعتمد بن عباد، وقتل يوم أخذ يوسف بن تاشفين قرطبة من ابن عباد المذكور لما استولى على مملكته، كما سيشرح بعد هذا في ترجمة المعتمد وابن ناشفين إن شاء الله تعالى، وذلك يوم الأربعاء ثاني صفر سنة أربع وثمانين وأربعمائة، وكان قتله بقرطبة.
وزيدون: بفتح الزاي وسكون الياء المثناة من تحتها وضم الدال المهملة وعدها واو ونون.
واما القرطبي فقد تقدم الكلام في ضبطه فلا حاجة إلى إعادته، وذلك في ترجمة أحمد بن عبد ربه، مصنف كتاب العقد، وأخذها الفرنج من المسلمين في شوال سنة ثلاث وثلاثين وستمائة.
٥٨ - (٣)