أبو الحسين أحمد بن منير بن أحمد بن مفلح الطرابلسي الملقب مهذب الدين عين الزمان الشاعر المشهور؛ له ديوان شعر، وكان أبوه ينشد (٢) الأشعار، ويغني في أسواق طرابلس (٣)، ونشأ أبو الحسين المذكور، وحفظ القرآن الكريم وتعلم اللغة والأدب، وقال الشعر، وقدم دمشق فسكنها، وكان رافضيًا كثير الهجاء خبيث اللسان، ولما كثر منه ذلك سجنه بوري بن أتابك طغتكين صاحب دمشق مدة وعزم على قطع لسانه، ثم شفعوا فيه فنفاه، وكان بينه وبين أبي عبد الله محمد بن نصر بن صغير المعروف بابن القيسراني (٤) مكاتبات وأجوبة ومهاجاة، وكانا مقيمين بحلب ومتنافسين في صناعتهما كما جرت عادة المتماثلين.
ومن شعره من جملة قصيدة:
وإذا الكريم رأى الخمول نزيله في منزل فالحزم أن يترحلا (٥)
كالبدر لما أن تضاءل جد في طلب الكمال فحازه متنقلا
سفها لحلمك أن رضيت بمشربٍ رنق ورزق الله قد ملأ الملا
ساهمت عيسك مر عيشك قاعدًا أفلا فليت بهن ناصية الفلا
_________________
(١) أطنب العماد في ترجمته وإيراد المختار من شعره في الخريدة (قسم الشام) ١: ٧٦ وله ترجمة في تهذيب ابن عساكر ٢: ٩٧ وابن القلانسي: ٣٢٢ والوافي ٨، الورقة: ٨٧ والنجوم الزاهرة ٥: ٢٩٩ والشذرات ٤: ١٤٦ وله شعر كثير في " الروضتين " لأبي شامة.
(٢) أ: يعمل.
(٣) اه: ويغمي في الأسواق بطرابلس.
(٤) انظر الخريدة المذكورة: ٩٦ والحاشية ونشأ بقيسارية فلسطين، وولد بعكا، ثم انتقل عن بلاده إلى دمشق.
(٥) أ: يتحولا، وبعض الأبيات في الخريدة: ٨٩.
[ ١ / ١٥٦ ]
فارق ترق كالسيف سل فبان في متنيه ما أخفى القراب وأخملا
لا تحسبن ذهاب نفسك ميتةً ما الموت إلا أن تعيش مذللًا
للقفر لا للفقر هبها إنما مغناك ما أغناك أن تتوسلا
لا ترضى من دنياك ما أدناك من دنس وكن طيفًا جلا ثم انجلى
وصل الهجير بهجر قوم كلما أمطرتهم شهدًا جنوا لك حنظلا
من غادر خبثت مغارس وده فإذا محضت له الوفاة تأولا
لله علمي بالزمان وأهله ذنب الفضيلة عندهم أن تكملا
طبعوا على لؤم الطباع فخيرهم إن قلت قال وإن سكت تقولا
أنا من إذا ما الدهر هم بخفضه سامته همته السماك الأعزلا
واعٍ خطاب الخطب وهو مجمجم راعٍ أكل العيس من عدم الكلا
زعم كمنبلج الصباح وراءه عزم كحد السيف صادف مقتلا ومن محاسن شعره القصيدة التي أولها:
من ركب البدر في صدر الرديني وموه السحر في حد اليماني
وأنزل النير الأعلى إلى فلك مداره في القباء الخسرواني
طرف رنا أم قراب سل صارمه وأغيد ماس أم أعطاف خطي
أذلني بعد عز والهوى أبدًا يستعبد الليث للظبي الكناسي ومنها أيضًا:
أما وذائب مسكٍ من ذوائبه على أعالي القضيب الخيزراني
وما يجن عقيقي الشفاه من ال ريق الرحيقي والثغر الجماني
لو قيل للبدر من في الأرض تحسده إذا تجلس لقال ابن الفلاني
أربى علي بشتى من محاسنه تألفت بين مسموع ومرئي
إباء فارس في لين الشآم مع الظ رف العراقي والنطق الحجازي
وما المدامة بالألباب أفتك من فصاحة البدو في ألفاظ تركي
[ ١ / ١٥٧ ]
وله أيضًا (١):
أنكرت مقلته سفك دمي وعلى وجنته فاعترفت
لا تخالوا خاله في خده قطرة (٢) من دم جفني نطفت
ذاك (٣) من نار فؤادي جذوة فيه ساخت وانطفت ثم طفت وله من جملة قصدة:
لا تغالطني فما تخ فى علامات المريب
أين ذاك البشر يامو لاي من هذا القطوب ونقلت من خط الشيخ الحافظ المحدث زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري المصري رحمه الله تعالى قال: حكى لي أبو المجد قاضي السويداء، قال: كان بالشام شاعران ابن منير وابن القيسراني، وكان ابن منير كثيرًا ما يبكت (٤) ابن القيسراني بأنه ما صحب أحدا إلا نكب (٥)، فاتفق أن أتابك عماد الدين زنكي صاحب الشام غناه مغن على قلعة جعبر، وهو يحاصرها، قول الشاعر:
ويلي من المعرض الغضبان إذ نقل ال واشي إليه حديثا كله زور
سلمت فازور يزوي قوس حاجبه كأنني كأس خمر وهو مخمور فاستحسنها زنكي، وقال: لمن هذه فقيل: لابن منير، وهو بحلب، فكتب إلى والي حلب يسيره إليه سريعًا، فسيره، فليلة وصل ابن منير قتل أتابك زنكي - قلت: وسيأتي شرح الحال في ذلك على التفصيل في ترجمة زنكي إن شاء الله تعالى - قال: فأخذ أسد الدين شيركوه، صاحب حمص، نور الدين
_________________
(١) الخريدة: ٨٠.
(٢) الخريدة: نقطة.
(٣) الخريدة: تلك.
(٤) هـ: يثلب.
(٥) هـ: ثلبه.
[ ١ / ١٥٨ ]
محمود بن زنكي وعسكر الشام وعاد بهم إلى حلب، وأخذ زين الدين علي ولد مظفر الدين صاحب إربل عساكر بلاد الشرق وعاد بهم إلى الموصل، وإلى سيف الدين غازي بن زنكي وملكه الموصل، فلما دخل ابن منير إلى حلب صحبة العسكر، قال له ابن القيسراني: هذه بجميع ما كانت تبكتني به! قلت: ولابن القيسراني المذكور في ابن منير، وكان قد هجاه:
ابن منير هجوت مني حبرًا أفاد الورى صوابه
ولم تضيق بذاك صدري فإن لي أسوة الصحابه أشعاره لطيفة فائقة.
وكانت ولادته سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة بطرابلس، وكانت وفاته في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة بحلب، ودفن في جبل جوشن، بقرب المشهد الذي هناك، رحمه الله تعالى.
وزرت قبره ورأيت عليه مكتوبا:
من زار قبري فليكن مرقنًا أن الذي ألقاه يلقاه
فيرحم الله امرءا زارني وقال لي: يرحمك الله وذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق، فقال في ترجمته: حدث الخطيب السديد أبو محمد عبد القاهر بن عبد العزيز خطيب حماة، قال: رأيت أبا الحسين ابن منير الشاعر في النوم بعد موته، وأنا على قرنة (١) بستان مرتفعة، فسألته عن حاله وقلت له: اصعد إلي، فقال: ما أقدر من رائحتي، فقلت: تشرب الخمر فقال: شرًا من الخمر يا خطيب، فقلت له: ما هو فقال: تدري ما جرى علي من هذه القصائد التي قلتها في مثالب الناس فقلت له: ما جرى عليك منها فقال: لساني قد طال وثخن حتى صار مد البصر، وكلما قرأت قصيدة منها قد صارت كلابا تتعلق في لساني، وأبصرته حافيًا عليه ثياب رثة إلى غاية، وسمعت قارئا يقرأ من فوقه لهم من فوقهم ظلل
_________________
(١) أ: غرفة.
[ ١ / ١٥٩ ]
من النار - الآية ثم انتبهت مرعوبا.
قلت: ثم وجدت في ديوان أبي الحكم عبيد الله الآتي ذكره أن ابن منير توفي بدمشق سنة سبع وأربعين، ورثاه بأبيات تدل على أنه مات بدمشق منها وهي هزلية على عادته في ذلك:
أتوا به فوق أعواد تسير به وغسلوه بشطي نهر قلوط
وأسخنوا الماء في قدر مرصصة وأشعلوا تحته عيدان بلوط وعلى هذا التقدير فيحتاج إلى الجمع بين هذين الكلامين، فعساه أن يكون قد مات بدمشق قم نقل إلى حلب فدفن بها، والله أعلم.
ومنير: بضم الميم وكسر النون وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء.
ومفلح: بضم الميم وسكون الفاء وكسر اللام وبعدها حاء مهملة.
والطرابلسي - بفتح الطاء المهملة والراء وبعد الألف باء موحدة مضمونة ثم سين مهملة - هذه النسبة إلى طرابلس، وهي مدينة بساحل الشام قريبة من بعلبك، وقد تزاد الهمزة إلى أولها فيقال أطرابلس، وأخذها الفرنج سنة ثلاث وخمسمائة، وصاحبها يومئذ أبو علي عمار بن محمد بن عمار، بعد أن حوصرت سبع سنين، والشرح في ذلك يطول.
وجوشن: بفتح الجيم وسكون الواو وفتح الشين المثلثة ثم نون [جبل بحلب] .
٦٥ - (١)